المسار : مثلما كانت إضرابات الأسرى الفلسطينيين تُشعل الشارع في الخارج سابقًا، لاقى إضراب نشطاء حركة “بالستاين أكشن” صدى لدى حراك التضامن مع الشعب الفلسطيني في شوارع لندن ومدن أوروبية…
اعتدنا في فلسطين أن نسمع عن نضالات الأسرى الفلسطينيين وإضراباتهم عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلية، وأن تصبح لهذه الإضرابات في سنوات مضت قبل إبادة غزة وما تبعها من توغّل إسرائيلي في القتل والقمع بأقصى حدود العنف السادي، موجات من التضامن والحراك الشعبي خارج السجون للمساندة ودعم أمعاء الأسرى الخاوية لتحسين ظروفهم الحياتية في الأسر.
لكننا لم نعتد أن نسمع عن معتقلين سياسيين يضربون عن الطعام لأجل فلسطين في سجون غير إسرائيلية ولفترة طويلة، خصوصًا في بلد مثل بريطانيا، بلد وعد بلفور الملعون، إذ يقبع في السجون البريطانية ناشطون خاضوا إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، بعد اعتقالهم بموجب قانون الإرهاب في أعقاب خوضهم نضالات لإنهاء تواطؤ المملكة المتحدة مع الإبادة الجماعية في غزة، من خلال التصدي لمصانع وشركات الأسلحة الإسرائيلية التي تعمل على الأراضي البريطانية بأساليب العصيان المدني.
ومثلما كانت إضرابات الأسرى الفلسطينيين تُشعل الشارع في الخارج سابقًا، لاقى إضراب نشطاء حركة “بالستاين أكشن” صدى لدى حراك التضامن مع الشعب الفلسطيني في شوارع لندن ومدن أوروبية، إذ قد تُفاجئك مظاهرة مسائية تُغلق شارع أوكسفورد المزدحم أو أن تجد نفسك وسط اعتصام داخل مجمع تجاري أو محطة مترو، للمطالبة بالإفراج عن المضربين عن الطعام.
هبة مريسي، 31 عامًا، المحتجزة احتياطيًا لأكثر من عام، وصلت الآن إلى 73 يومًا دون طعام، ما جعلها أطول المضربات عن الطعام في أوروبا كلها، الأمر الذي سبب لها تشنجات عضلية وارتعاشات في ذراعها وصعوبة في التنفس في الأيام الأخيرة، بحسب ما نقلته عنها منظمة “أسرى لأجل فلسطين” التي اعتبرت هذه الأعراض “تلفًا عصبيًا ناشئًا”. مريسي هي واحدة من ثمانية ناشطين مرتبطين بحركة “بالستاين أكشن” الذين بدأوا إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على قرار الحكومة باحتجازهم احتياطيًا وحظر حركتهم الشهيرة بموجب قانون الإرهاب من قبل حكومة حزب العمّال.
73 يومًا وهو نفس عدد الأيام التي وصل إليها الجمهوري الأيرلندي كيران دوهرتي، الذي صمد أطول فترة بين عشرة رجال لقوا حتفهم في إضراب عام 1981 الشهير، إذ استدعى إضراب نشطاء حركة “بالستاين أكشن” واستلهم من ذاكرة الإضراب الأيرلندي الذي تحوّل في حينه من مجرد احتجاج داخل السجون، إلى حركة سياسية محلية بعد انتخاب بوبي ساندز المعتقل والمضرب عن الطعام عضوًا في البرلمان البريطاني، مما أثبت وجود دعم شعبي واسع للجمهوريين، ودفع حركة “الشين فين” للتحول نحو العمل السياسي الانتخابي بجانب الكفاح المسلح، كما لفت الإضراب أنظار العالم إلى القضية الأيرلندية، وتسبب في إحراج دولي كبير لحكومة مارغريت ثاتشر، مما زاد من الضغوط الخارجية للتوصل إلى حل سياسي، وهو ما حصل في اتفاق الجمعة العظيمة.
علّق أربعة من النشطاء في “بالستاين أكشن” إضرابهم عن الطعام قبل أسابيع على أن يتابعوه لاحقًا، فيما أوقف الثلاثة المتبقون إضرابهم مساء أمس الأربعاء بعد وصول وضعهم الصحي لخطر الموت القريب، فيما أعلنت الحركة أن قرار إيقاف الإضراب من قبل جميع الناشطين يأتي بعد قرار الحكومة البريطانية عدم منح عقد بقيمة ملياري جنيه إسترليني لشركة “إلبيت سيستمز” البريطانية، التابعة لشركة الأسلحة الإسرائيلية.
كان لهذا العقد أن يُدرّب 60 ألف جندي بريطاني سنويًا من شركة الأسلحة المتهمة بضلوعها في إبادة غزة من خلال السلاح المقدّم لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي الشركة التي فازت بأكثر من 10 عقود حكومية منذ عام 2012، وواجهت حملات شعبية كثيرة ضد فروعها ومصانعها تصدرت العناوين الرئيسية، الأمر الذي اعتبرته منظمة “أسرى لأجل فلسطين” في إيقاف العقد تحوّلًا في تفكير المسؤولين، وتلبية لبعض مطالب المضربين.
ألهم إضراب الناشطين عن الطعام المزيد من الشباب للانضمام في الأسابيع الأخيرة للحراك المطالب بوقف تسليح إسرائيل وإغلاق مصانع الأسلحة على الأراضي البريطانية في الأسابيع الماضية، بعد حراك سبقه قبل أشهر ضد تجريم “بالستاين أكشن” بموجب قانون الإرهاب شهدته ساحة البرلمان في لندن وساحات مدن أخرى في عصيان مدني، اعتُقل على أثره أكثر من 1700 شخص بموجب قانون الإرهاب، فيما تستمر المداولات القضائية للطعن في القانون الذي نددت به مؤسسات حقوقية وشخصيات أممية.
من المؤكد أن حراك “بالستاين أكشن” ضد شركة “إلبيت” الإسرائيلية لن ينتهِ مع إنهاء الإضراب عن الطعام والعصيان المدني، وسيجد أشكالًا جديدة في المستقبل القريب، وسيُشكّل جزءًا من الذاكرة التاريخية البريطانية في الاحتجاج المدني، كما سيُكتب في التاريخ عن أطول إضراب عن الطعام لسجناء سياسيين غير فلسطينيين يضربون لأجل فلسطين.

