المسار:يُعدّ السِّلم الأهلي في فلسطين، ولا سيما في ضواحي القدس، قضية وجودية تتجاوز مجرد الحفاظ على الهدوء المجتمعي؛ فهو صمّام الأمان لحماية النسيج الوطني في مواجهة تحديات مركّبة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع النزاعات الداخلية، في سياق احتلال يسعى باستمرار إلى تفكيك المجتمع وإضعاف مناعته.
خصوصية السِّلم الأهلي في فلسطين
يختلف مفهوم السِّلم الأهلي في فلسطين عن أي مكان آخر في العالم؛ إذ لا يُنظر إليه بوصفه ترفًا اجتماعيًا، بل كأداة صمود وبقاء. فغياب السيادة الكاملة على الأرض يجعل التماسك الداخلي خطّ الدفاع الأول في مواجهة محاولات التفتيت، ويحوّل وحدة المجتمع إلى شرط أساسي للاستمرار والثبات.
ضواحي القدس: التحدّي الأكبر
تُعدّ ضواحي القدس—مثل العيزرية، وأبو ديس، والرام، وكفر عقب—من أكثر المناطق حساسية وتعقيدًا، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها:
الفراغ الأمني والقانوني: إذ إن وقوع هذه المناطق ضمن تقسيمات إدارية معقّدة (كمناطق “ج” أو خلف الجدار) يخلق ثغرات يستغلّها البعض للإفلات من المحاسبة، ما يُفضي أحيانًا إلى بروز ظواهر خطيرة كالاتجار بالسلاح أو المخدرات.
الكثافة السكانية العالية: تستقطب ضواحي القدس أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين بحكم موقعها الجغرافي، الأمر الذي يولّد احتكاكات يومية ونزاعات على الأراضي والعقارات، تتطلب إدارة حكيمة ومعالجات سريعة.
سياسات الاحتلال: التي تستهدف إضعاف الروابط المجتمعية داخل القدس وضواحيها، بما يسهّل السيطرة عليها وفرض وقائع جديدة على الأرض.
ركائز حماية السِّلم في المجتمع الفلسطيني
رغم جسامة التحديات، ما تزال هناك منظومة مجتمعية متكاملة تعمل على وأد الفتن ومنع تفاقم النزاعات، من أبرز ركائزها:
القضاء العشائري والصلح: حيث يضطلع رجال الإصلاح والعشائر بدور تاريخي ومحوري، وغالبًا ما يكونون “خط الاستجابة الأول” لاحتواء الخلافات العائلية قبل تحوّلها إلى أزمات كبرى.
المبادرات الشبابية: التي برزت في السنوات الأخيرة، مثل حملات نشر ثقافة الحوار والتسامح ونبذ العنف، وأسهمت في تعزيز الوعي المجتمعي، خاصة في ضواحي القدس.
التكامل بين القانون والعرف: من خلال السعي إلى ترسيخ سيادة القانون الفلسطيني، مع الحفاظ على الأعراف العشائرية الإيجابية التي تصون الكرامة وتمنع الانزلاق نحو الثأر والانتقام.
التحديات والحلول المقترحة
يشير واقع عام 2026 إلى ضرورة معالجة جذور المشكلات لضمان سِلْم أهلي مستدام، عبر جملة من الخطوات، منها:
محاربة “الجلوة” العشائرية: والعمل على تطوير العادات بما يمنع تشريد عائلات بأكملها بسبب خطأ فرد واحد، واستبدال ذلك بحلول قانونية عادلة ومنصفة.
تعزيز حضور المؤسسات: عبر تكثيف الأنشطة التعليمية والثقافية والرياضية في ضواحي القدس، لملء فراغ الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو البناء والإبداع.
رفع الوعي الرقمي: للحدّ من خطاب الكراهية والتحريض المنتشر على منصّات التواصل الاجتماعي، والذي بات وقودًا لكثير من النزاعات الجماعية.
خاتمة
إن السِّلم الأهلي في فلسطين، وفي القدس وضواحيها على وجه الخصوص، يشكّل العمق الاستراتيجي للقضية الفلسطينية. فالمجتمع المتصالح مع ذاته هو الأقدر على مواجهة التحديات الخارجية بثبات وقوة. وكل خلاف يُحلّ بالحوار، وكل فتنة تُوأد بالحكمة، هو لبنة جديدة في طريق الصمود وبناء الدولة المنشودة.

