المغرب: المحكمة الدستورية تنتصر لطعون المعارضة والإعلاميين في قانون المجلس الوطني للصحافة

ومن بين المواد المطعون في دستوريتها، تلك المتعلقة بتمثيلية الصحافيين مقابل الناشرين داخل هيكل الهيئة، ومواد أخرى تهمّ آليات انتخاب الأعضاء ومراكز تمثيلية الهيئات المهنية. واعتبرت المحكمة أن بعض هذه المقتضيات تخلّ بالمبادئ الأساسية للتمثيلية المتوازنة والتنظيم الذاتي المهني للصحافة.
وبذلك تعيد «المحكمة الدستورية» بقرارها هذا، القانون إلى البرلمان من أجل مراجعة المقتضيات التي قضت بعدم دستوريتها.
وجاء القرار عقب إحالة تقدم بها 96 نائباً من مجلس النواب، بمقتضى الفصل 132 من الدستور، طالبوا فيها بالبت في مدى مطابقة عدد من مواد القانون للدستور قبل نشره في الجريدة الرسمية. وبعد دراسة الطعن وإجراء الفحص الدستوري، قضت المحكمة بعدم دستورية خمس مواد أساسية من مشروع القانون، لكونها تمسّ بمبادئ التوازن والتمثيلية والحياد والمبدأ الديمقراطي المنصوص عليها في الدستور المغربي، مقابل تأكيد مطابقة مواد أخرى لأحكام الدستور.
واحتفى عدد كبير من الصحافيين المغاربة بها القرار، إذ اعتبروه انتصاراً واضحاً لمبدأ التعددية والتنظيم الذاتي المهني، وضماناً لحيادية الجسم الصحافي. كما رأوا أن المحكمة وجّهت رسالة دستورية قوية تؤكد ضرورة عدم ضرب التمثيلية المتوازنة داخل هياكل الصحافة، بما ينسجم مع روح الفصل 28 من الدستور الذي يكفل حرية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة.
وفي هذا السياق، شدد الإعلامي نور الدين مفتاح، في تدوينة له، على أن إسقاط المحكمة الدستورية خمس مواد من قانون تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي وصفه بـ «المثير للجدل»، لا ينبغي اعتباره «انتصارًا لجهة على حساب أخرى»، بل هو «تمرين ديمقراطي على جميع العقلاء أن يلتقطوه، ويجعلوا منه انطلاقة لتوافق كبير من أجل صحافة مغربية قتلها، إلى حدّ الآن، التطاحن، ولن يحييها إلا رصّ الصفوف حول الدمقرطة والحرية والمهنية والاستقلالية».
من جهته، أكد الصحافي توفيق ناديري أن المحكمة الدستورية أعادت مشروع القانون إلى المسار التشريعي بعد إقرارها بعدم دستورية عدة مواد. وعبّر عن اعتقاده بأن «تسريع هذا المسار يقتضي حواراً عاجلاً وآنياً بين المهنيين، وتعديل العديد من المواد الأخرى، حتى يخرج المشروع متكاملًا ومنسجًما مع التحديات، دون إضاعة مزيد من الوقت، مع البحث عن حل استعجالي لمشكلة البطاقة المهنية الذي يهدد السير العادي للعمل الصحافي».
أما الإذاعية لطيفة سبأ، فاعتبرت أن القرار يمثل سقوط «القناع التشريعي» ويعدّ «زلزالاً قانونياً يعرّي منهجية الحكومة في تدبير هذا القطاع»، على حد تعبيرها. وأوضحت أن «القرار لم يرفض مقتضيات معزولة، بل ضرب صلب (الرؤية الإقصائية) و(الارتباك التشريعي) اللذين طبعا هذا المشروع».
وقالت في تدوينة على «الفيسبوك» إن الرسالة الأساسية هي أن «حقوق الصحافيين في دفاع عادل وحيادي ليست (منّة) من الحكومة، بل هي خط أحمر دستوري لا يمكن تجاوزه بـ (طبخات) تشريعية تفتقر لأدنى شروط الحياد»، معتبرة القرار «درساً في الدستورية» لكل من «يعتقد أن الأغلبية البرلمانية تبيح خرق مبدأ فصل السلط أو المساس باستقلالية المهنيين». وخلصت إلى أن «على الحكومة أن تبدأ فوراً في صياغة مشروع يحترم ذكاء المهنيين وقدسية الدستور».
من جانبه، وصف الصحافي حسن اليوسفي المغاري قرار القضاء الدستوري بأنه أوقف «تغوّل التشريع على الجسم الصحافي»، كما رسم حدود السلطة وأنقذ التنظيم الذاتي للصحافة. وفي قراءة مستقبلية لهذا المستجد القانوني، أبرز الصحافي حسن المولوع أن «قرار المحكمة الدستورية، وإن كان قد انتصر للدستور ولم ينحز لأي طرف على حساب آخر، إلا أنه مرشّح لأن يزيد من تعقيد الأزمة داخل قطاع الصحافة». وأوضح في هذا السياق أن «كل فئة ما تزال تسعى إلى فرض السيطرة وممارسة الوصاية، بعيدًا عن منطق الإصلاح والتوافق، ما يجعل مؤسسة التنظيم الذاتي رهينة الجمود إلى أجل غير مسمى، في ظل غياب أي انسجام حقيقي أو إرادة جماعية لتجاوز هذا الوضع».
أما بعض المحللين القانونيين، فقد أشاروا إلى أن القرار يعكس موقفاً دستورياً متقدماً يضمن أن يكون تنظيم المجلس الوطني للصحافة قائماً على مبادئ الديمقراطية والتعددية والعدالة في التمثيلية، مؤكدين أن هذا القرار قد يعيد النص التشريعي إلى البرلمان لإعادة صياغة المواد المطعون فيها، بما يتوافق مع الدستور وروح الممارسة المهنية الحرة.
وتفاعل مع القرار كذلك عبد الله بووانو، القيادي في حزب «العدالة والتنمية» المعارض، وأحد البرلمانيين الموقعين على رسالة إحالة القانون على القضاء الدستوري، إذ تساءل، بصيغة الاستغراب، عن أسباب «هذا التعنت من الوزير الوصي، ومن خلفه الحكومة وأغلبيتها البرلمانية، وإصرارهم جميعاً على تمرير هذا القانون، رغم التنبيهات الصادرة عن المؤسسات الدستورية والمهنيين والمعارضة البرلمانية والخبراء والأكاديميين، الذين أجمعوا على أن القانون يتضمن مقتضيات مخالفة للدستور».
وبعد أن أشار إلى أن المجموعة النيابية لحزبه، إلى جانب فرق المعارضة، أثارت مراراً مخالفة تلك المقتضيات للدستور، اعتبر بووانو أن «هذه الحكومة تعاني من مشكل عميق في مجال التشريع، وتفتقر أغلب مكوناتها إلى الكفاءة السياسية والقانونية، إذ اشتغلت دون مخطط تشريعي واضح، وسحبت في بداية ولايتها عدداً من القوانين، وعطلت أخرى، ورفضت المحكمة الدستورية بعض مشاريعها، وربما كانت سترفض المزيد لو أُحيلت عليها للفحص، قبل أن تختار الحكومة تهريب التشريع نحو المراسيم ورفض مقترحات القوانين التي تتقدم بها المعارضة»، حسب تعبيره.
ويرى مراقبون أن إسقاط البنود الخمسة يحمل أكثر من دلالة، فهو من جهة، يكرّس دور المحكمة الدستورية كحامٍ للحقوق والحريات، وضامن لاحترام المشرّع لحدود الدستور عند تنظيمه لمجالات حساسة كالإعلام والصحافة. كما يشكّل، من جهة أخرى، رسالة واضحة مفادها أن التنظيم الذاتي للصحافة لا يمكن أن يتم بمنطق إداري أو تقني محض، بل يجب أن يقوم على إشراك فعلي ومتوازن لمختلف مكونات الجسم الصحفي، بعيدًا عن أي اختلال في موازين القوة.
إلى جانب ذلك، يؤكد المهنيون أن القرار أعاد الاعتبار لمبدأ الديمقراطية المهنية داخل المؤسسات التمثيلية للصحافة، مشددين على أن شرعية هذه المؤسسات لا تُستمد فقط من النص القانوني، بل من مدى احترامها لإرادة المهنيين وتمثيليتهم الحقيقية.
وذهب بعض المحللين إلى أن القرار لا يعدّ مجرد حكم تقني، بل إنه موقف دستوري مبدئي يعيد التذكير بأن حرية الصحافة لا تنفصل عن استقلالية مؤسساتها، وأن أي تشريع يمس هذا المجال يجب أن يبنى على التوازن والتوافق واحترام الإرادة الجماعية للمهنيين. كما اعتبر القرار فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والجسم الصحافي، شريطة التعاطي معه بروح الإصلاح، وليس بأي منطق آخر غير التوافق واحترام التنظيم الذاتي للمهنة.

Share This Article