| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
القناة 12 العبرية 26/1/2026
حماس تخطط لحكم غزة حتى بدون صلاحيات
بقلم: كوبي ميخائيل
في كانون الثاني 2006، أُجريت أول وآخر انتخابات حرة للمجلس التشريعي الفلسطيني. وقد أدى النظام الانتخابي الفلسطيني الفريد، الذي جمع بين انتخابات الأغلبية والانتخابات الإقليمية في ظل الخلافات والانقسامات داخل حركة فتح، إلى فوز حماس في الانتخابات وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بقيادة حماس. ترأس الحكومة إسماعيل هنية، واتخذت من قطاع غزة مقرًا لها.
واجه مسؤولو فتح والسلطة الفلسطينية، ولا سيما الأجهزة الأمنية، صعوبة في قبول فوز حماس وسلطة حكومة هنية، وسرعان ما برزت خلافات حادة تصاعدت إلى أعمال عنف، بلغت ذروتها بسيطرة حماس العنيفة على قطاع غزة في حزيران 2007، بعد المذبحة الجماعية لعناصر فتح/السلطة الفلسطينية، معظمهم من جهاز الأمن الوقائي بقيادة محمد دحلان.
الاستراتيجية التي حوّلت غزة إلى حصن عسكري
لقد أدى الانقلاب العنيف إلى طرد السلطة الفلسطينية من قطاع غزة وإنهاء حكمها فيه. منذ حزيران 2007، رسّخت حماس سيطرتها على قطاع غزة، وأصبحت صاحبة السيادة الفعلية، إذ تدير شؤون الإقليم وسكانه، وتُشغّل مؤسسات الدولة، وتُرسّخ القانون والنظام، وتُدير الاقتصاد، وتُنشئ قوة عسكرية ضخمة وبنية تحتية عسكرية متطورة، بل وتُدير علاقاتها الخارجية مع إيران وقطر وروسيا وفنزويلا ودول أخرى. في الواقع، أصبح قطاع غزة كيانًا شبه دولة، بل يرى البعض أنه دولة بحد ذاته، بعد استيفاء الشروط الأربعة المنصوص عليها في اتفاقية مونتيفيديو للعام 1933.
إن وجود حماس في قطاع غزة، ولا سيما بعد إزاحة الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر، جعل من قطاع غزة المنطقة الوحيدة التي تُحكمها جماعة الإخوان المسلمين. وقد رسّخت حماس، المدعومة من تركيا وقطر، وجودها وعززت قدراتها الحكومية والعسكرية، مع توطيد علاقاتها وتعاونها مع إيران بشكل متزايد منذ العام 2017، انطلاقًا من رؤيتها المشتركة المتمثلة في تدمير إسرائيل.
خلال سنوات حكم حماس لقطاع غزة، شهدت المنطقة جولات عديدة من العنف بين إسرائيل وحماس، حيث مثّلت عملية “حارس الاسوار” في أيار 2021 اختبارًا لأدوات استراتيجية الجبهات المتعددة بالنسبة لحماس، والتي تتوافق منطقها مع استراتيجية “حلقة النار” الإيرانية. وقد رسّخت قيادة حماس في قطاع غزة، التي أصبحت مركز ثقل الحركة، مكانتها وصورتها كقائدة للمقاومة المسلحة وكبديل للاستراتيجية السياسية للسلطة الفلسطينية. وتعزز موقعها في نظر الرأي العام الفلسطيني، ورأت حماس نفسها بديلاً لحركة فتح والسلطة الفلسطينية لا شريكاً لهما. ورفضت حماس شروط أبو مازن للمصالحة بين الحركتين، وفرضت شروطًا لم يستطع أبو مازن قبولها. وتحولت الفجوة بين الحركتين إلى لعبة محصلتها صفر، ولذلك باءت جميع محاولات المصالحة منذ عام 2007 بالفشل.
على مدار السنوات منذ عام 2007، عملت قيادة حماس من قطاع غزة، وبشكل رئيسي من الخارج، على تعزيز البنية التحتية الإرهابية للحركة في الأراضي الفلسطينية الخاضعة للسلطة في الضفة الغربية، ولم تتوقف قط عن تحدي السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وقد تبنت حماس، لا سيما في شمال السامرة، فكرة التعاون بين المنظمات الإرهابية بهدف تصعيد العمليات الإرهابية ضد إسرائيل، وإضعاف السلطة، وترسيخ مكانتها كقوة رائدة قادرة على إتمام مهمة السيطرة على السلطة الفلسطينية. وقد حققت الحركة عدة نجاحات رمزية بارزة، إلا أنها ضعفت منذ آذار 2022، حين اندلعت موجة الإرهاب الأخيرة عقب هجومين دمويين نفذهما عرب إسرائيليون في الأراضي الإسرائيلية، ولا سيما بعد عملية بيت فجان، وخاصة بعد هجوم 7 أكتوبر. وقد تم القضاء على زعيمها التاريخي، صالح العاروري، الذي كان يدير عملياته من تركيا ولبنان، وتم تفكيك البنية التحتية للحركة إلى حد كبير، خاصة بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على بعض مخيمات اللاجئين في السامرة – نابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية.
خطة حماس للاحتفاظ بالسلطة في اليوم التالي
خلال العشرين عامًا التي تلت فوزها في الانتخابات، وخاصة منذ حزيران 2007 وسيطرتها على قطاع غزة، حققت الحركة عدة إنجازات مهمة ساعدتها على كسب تأييد الرأي العام الفلسطيني. وقد عزز هجوم 7 أكتوبر بشكل كبير هذا التأييد الشعبي، حتى أن يحيى السنوار أصبح، في نظر كثير من الفلسطينيين، خليفة صلاح الدين الأعظم. ورغم تراجع التأييد الشعبي الواسع لحماس بعد 7 أكتوبر، إلا أنها لا تزال تحظى بشعبية أكبر من فتح بين الفلسطينيين، ولا يزال أكثر من نصف الشعب الفلسطيني يؤيد هجوم 7 أكتوبر.
ورغم تراجع مكانة حماس بين الفلسطينيين، ورغم الانتقادات والاحتجاجات، وإن كانت محدودة النطاق، ورغم الكارثة المروعة التي حلت بقطاع غزة وسكانه، فإن حماس لا تنوي الاختفاء. إن موافقة حماس على نقل صلاحيات الحكم المدني إلى حكومة الخبراء القائمة لا تعني التخلي عن قوتها العسكرية ونفوذها الفعلي على كل ما يجري في قطاع غزة. ترى حماس أمامها نموذج حزب الله، المستعد ظاهريًا للتنازل عن صلاحيات الحكم المدني، لكنه يرفض نزع سلاحه. وطالما بقيت حماس كيانًا عسكريًا منظمًا، فستظل العامل المؤثر في إدارة شؤون القطاع أكثر من أي عامل آخر، بغض النظر عن هوية ذلك العامل.
على مدى العشرين عامًا التي تلت فوزها في الانتخابات، حققت حماس إنجازاتٍ باهرة إلى جانب هزائم وانتكاسات، إلا أن الحركة ما زالت صامدة، بل وأكثر شعبية من حركة فتح، ولا تزال تعتبر نفسها بديلاً حاكمًا لفتح والسلطة الفلسطينية. ويُعطي انضمام تركيا وقطر إلى المجلس التنفيذي لقطاع غزة حماس أملاً كبيرًا، ومن المرجح أن يُساعدها على تجنب نزع السلاح الكامل. حماس باقية. إنها منظمة منظمة، منضبطة، ذات هيكل هرمي، وعازمة، مدفوعة بأيديولوجية دينية ذات بُعد قومي، لم تُعترفّ قط بإسرائيل، ولا تزال تسعى جاهدةً لتدميرها. لقد شكّلت الحركة، وستظل، تحديًا لإسرائيل في السنوات القادمة.
——————————————
هآرتس 26/1/2026
استنتاج لجنة الغواصات: نتنياهو تجاهل رأي الخبراء حتى قبل المذبحة
بقلم: عاموس هرئيلِ
بعد اكثر من تسع سنوات على الكشف للمرة الاولى عن قضية الغواصات والسفن – من قبل المراسل رفيف دروكر في القناة 10 – نشر أمس تقرير لجنة غرونس بشان اجراءات الشراء في جهاز الامن. اللجنة برئاسة رئيس المحكمة العليا السابق آشر غرونس، وجهت انتقاد شديد للطريقة التي تعالج فيها الصفقات الضخمة للمشتريات الامنية. في التقرير كتب ايضا (بالتلميح) ان القرار الذي وافق فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على بيع غواصتين من انتاج المانيا لمصر، “اتخذ بصورة فوضوية وعرض امن الدولة للخطر”.
قبل سنة ونصف تقريبا ارسلت اللجنة رسالة تحذير لعدد من الشخصيات الرفيعة، على رأسها نتنياهو، بسبب دورهم في قضايا المشتريات. في ايلول الماضي نشرت اللجنة نتائج اضافية حول هذه المسالة. الصورة التي انبثقت منها خطيرة جدا. فقد خلصت اللجنة الى ان نتنياهو ورئيس جهاز الامن القومي اثناء بلورة الصفقات، يوسي كوهين، امتنعا عن تسجيل المحادثات واللقاءات وقدما بدلا من ذلك للوزراء والمؤسسة الامنية تقارير انتقائية رسمت صورة جزئية وغير دقيقة. وقد كتب غرونس واصدقاءه: “نتنياهو قاموا بعزل الحكومة والكابنت، وتحييد قدرتهم على التاثير في القضايا المتعلقة بجوهر الامن القومي”. بالتالي فان رئيس الحكومة “عرض أمن الدولة للخطر واضر بعلاقات اسرائيل الخارجية ومصالحها الخارجية”.
معالجة الاستنتاجات الشخصية ضد المتورطين تاخرت، بعد ان قدم من تم تحذيرهم التماس للمحكمة العليا ضد استمرار الاجراءات. ورغم تحذير بعض خصومه السياسيين في قضية الغواصات الا انه يوجد تشابه بين هذه القضية وبين معركة الاحتواء التي يخوضها نتنياهو في قضية المذبحة في 7 اكتوبر، فالتسرع قد تكون له عواقب وخيمة. خلال فترة حكومة بينيت – لبيد القصيرة تم تشكيل لجنتان للتحقيق في الاخفاقات الخطيرة التي حدثت في فترة حكم نتنياهو، كارثة جبل ميرون وقضية الغواصات. وقد تم تجاهل استنتاجات كارثة جبل ميرون عندما عاد نتنياهو للحكم. ويحاول رئيس الحكومة تجاهل قضية الغواصات بقدر الامكان. في نفس الوقت تستمر اضاعة الوقت فيما يتعلق باحداث 7 اكتوبر بهدف تاخير فتح تحقيق مستقل من قبل لجنة رسمية بقدر الامكان، والقاء التهمة على جهات اخرى.
لجنة غرونس التي تدرك المماطلة عملت على تجاوز ذلك من خلال نشر تقريرها أمس، وقدمت اللجنة اسباب لذلك. الاول هو انه بعد الحرب تم فتح اجراءات مشتريات امنية على نطاق واسع، ومن المهم تطبيق استنتاجاتها من اجل تجنب اخطاء مشابهة. الثاني هو ضرورة ضمان حماية اسرائيل لمصالحها في الصفقات الامنية مع الاصدقاء في دول الغرب ودول المنطقة. اما فيما يتعلق بالسبب الاول فتنبع الحاجة الملحة من سرعة اتخاذ القرارات الحالية بشان المشتريات في ضوء دروس الحرب.
في الموضوع الثاني القصد في هذه المرة ليس المانيا ومصر، بل بالاساس الولايات المتحدة وخطط ادارة ترامب لبيع سلاح متطور في الشرق الاوسط تقريبا لكل من يطلبه. احتمالية ان يتمكن نتنياهو من التاثير على الرئيس في موضوع تقليص بيع طائرة اف35 لتركيا أو السعودية، هي احتمالية ضعيفة، لكن يجدر على الاقل محاولة ذلك مسبقا.
اللجنة تترك الاستنتاج التالي لقراء التقرير، لكنه يظهر بوضوح في صفحاته: ان نتنياهو نفسه، الذي تصرف بشكل ملتو في قضية المشتريات وتجاهل رأي الخبراء وترك زمام الامور لنفسه ولشريكه كوهين، يظهر ايضا في سياسة حكومته تجاه قطاع غزة في الفترة التي سبقت المذبحة في الغلاف. وحتى بدون الانجرار الى نظرية المؤامرة التي يسوقها اليسار حول الوجهة النهائية للاموال – اولا صفقات المشتريات وبعد ذلك قطر – من الواضح ان هناك امور يقودها نتنياهو بمفرده تماما، ويتم فيها تقليص سلطة الجهات المهنية بشكل متعمد ومستمر.
اللجنة اشارت الى اربعة عيوب اساسية على مستويات مختلفة، من الاسفل الى اعلى، تلاعب سلاح البحرية بالمعلومات لخدمة مصالحه الخاصة في صفقات الشراء، وعدم اشراك وزارة الدفاع بالفعل في هذه الصفقات وعدم اشرافها الحقيقي على التخطيط العسكري، وعمل مجلس الامن القومي كذراع تنفيذية لرئيس الحكومة يتصرف بها كما يشاء، اقتصار دور مجلس الوزراء على المصادقة الشكلية بدون أي تاثير فعلي على صفقات المشتريات. وقدمت اللجنة مقترحات مختلفة لتصحيح هذه العيوب، لكن من المؤكد ان نتنياهو سيتجاهلها. فهي بالاساس خريطة طريق للحكومة القادمة، اذا كانت بتشكيلة مختلفة. المشكلة تكمن في انه قد يكون الوقت قد تاخر عندها بالنظر الى صفقات المشتريات التي تبلغ عشرات مليارات الشواقل، المطروحة حاليا.
يوجد للقاضي غرونس قبعة اخرى (منصب آخر)، رئيس اللجنة الاستشارية لتعيين كبار موظفي الخدمة المدنية. وقد ناقشت هذه اللجنة برئاسته في الاسابيع الاخيرة الموافقة على تعيين الجنرال رومان غوفمان كرئيس جديد للموساد. وما زال على غوفمان، السكرتير العسكري الحالي لنتنياهو، اجتياز عقبة صعبة وهي قضية تجنيده واستخدامه للشاب اوري المكيس وبعد ذلك التخلي عنه، التي كشفتها صحيفة “هآرتس”. وقد تعرض غرونس في الاسبوع الماضي لازمة قلبية، لكن يبدو الان انه سيتمكن من العودة الى العمل قريبا. ومن غير المستبعد اعادة فحص قرارات اخرى للجنة صدرت في الاشهر الاخيرة، ربما في المحكمة العليا في المستقبل القريب.
——————————————
هآرتس 26/1/2026
هواتف وسيارات وسلاح في قطاع غزة، يقر الجيش ان معظمها مصدره اسرائيل
بقلم: ينيف كوفوفيش
في الجيش يرون ازدياد ملحوظ في كمية البضائع الثمينة في قطاع غزة مؤخرا، وتقر مصادر في القيادة الجنوبية بان مصدر التهريب ليس الحدود مع مصر، بل من الاراضي الاسرائيلية. ويشتبه الجيش في ان مواطنين اسرائيليين – من بينهم متعاقدين مع وزارة الدفاع في غزة وسائقي شاحنات وعمال بنى تحتية واحيانا جنود نظاميين وجنود احتياط – يقومون بتهريب معدات الى قطاع غزة مقابل المال، مستغلين ضعف الامن العسكري على حدود القطاع. الجيش الاسرائيلي يحذر من ان استمرار اسرائيل بالسماح بالتهريب قد يعزز قوة حماس ماليا.
وتشير مصادر في الجيش الى وجود قصور في تعامل الجيش مع هذه المسالة، حيث تزعم بان الرقابة على مئات المواطنين الاسرائيليين الذين يدخلون ويخرجون من القطاع متساهلة أو معدومة تماما. ضابط رفيع المستوى اوضح بان “هناك اشخاص يدفعون الرشوة ويدخلون. ولا احد يدقق في ما يوجد لديهم أو في شاحناتهم أو من نسق عملية دخولهم”. وفقا لتقديرات عسكرية فانه بعض التهريب يتم في المعابر الرسمية بالتنسيق مع جهات اخرى مثل شاحنات المساعدات الانسانية، ويتم تنفيذ عمليات اخرى من خلال ثغرات في الجدار او معابر غير مراقبة وحوامات، وحسب الاشتباه بالاساس على ايدي مجرمين من المجتمع البدوي.
افاد جنود في قطاع غزة، الذي يعاني من ازمة انسانية مستمرة، بتوفر هواتف ذكية متطورة وحواسيب ودراجات نارية وسيارات دفع رباعي وكحول وسجائر للبيع في غزة. وقال ضابط كبير مطلع: “لا يمكن ان تدخل هذه الكميات من البضائع الى غزة بدون تعاون مسؤولين اسرائيليين. لم تعد هذه ظاهرة معزولة، بل هي آلية منظمة ومتكاملة تضخ فيها اموال طائلة”. وقد قال مصدر امني: “كل ما هو مطلوب في غزة ولا يمكن استيراده يدخل بهذه الطريقة”. وتساءل هذا المصدر: “كيف تحصل حماس على زي عسكري جديد؟”.
“القطاع مليء بالمقاولين المدنيين والاشخاص الذين يدخلون بدون أي فحص”، قال مصدر رفيع في جهاز الامن يعرف جيدا هذه الظاهرة. “هناك حالات يدخل فيها اشخاص لالقاء النفايات في القطاع أو اخراج مخلفات البناء خلال عمليات الجيش الاسرائيلي ولا احد يفتش هذه الشاحنات. قطاع غزة مفتوح تماما اليوم”.
في بعض الحالات الشاحنات تدخل الى القطاع ولا تعود الى اسرائيل. الجنود وجدوا في غزة عدة مرات شاحنات وحافلات وسيارات تحمل لوحات اسرائيلية، التي لم يكن هناك توثيق رسمي لدخولها. التقدير في قيادة الجنوب هو ان المهربين يفضلون ابقاء السيارات في القطاع كي لا يتم كشفهم عند خروجهم. “هذا جزء من طريقة عملهم”، قال ضابط في قيادة المنطقة الجنوبية. “هم يفضلون احراق الشاحنات وعدم اعتقالهم عند عودتهم. المكاسب مرتفعة جدا بحيث يصبح هذا الامر مجد”. في الفترة الاخيرة امر قائد قيادة المنطقة الجنوبية، الجنرال ينيف عاشور، بتوسيع نشاطات قسم الشرطة العسكرية واجراء تحقيق منهجي في تورط الجنود ورجال الاحتياط والمقاولين المدنيين في عمليات التهريب. في نفس الوقت تقرر تعزيز التعاون مع الشرطة. ولكن رغم ذلك تقر المؤسسة الامنية بانها ما زالت بعيدة عن الحل. وقال ضابط كبير “نحن لا يمكننا تفسير حجم البضائع والاموال في غزة. هذا مؤشر خطير على ان حماس تحصل على تعاون من اسرائيليين”، وحذر “في نهاية المطاف سنكتشف أننا نحن الذين نمول اعادة بناء حماس، شاحنة تلو اخرى”.
عدد من عمليات التهريب تم التحقيق فيها في الاشهر الاخيرة. مثلا في شهر آب اعتقل اثنان من سكان الشمال بتهمة محاولة تهريب الى القطاع السجائر بملايين الشواقل في شاحنة مساعدات انسانية. وفي ايار اعتقل جنود بدو بتهمة انهم هربوا مباشرة لحماس السجائر والمخدرات بملايين الشواقل في معبر كرم أبو سالم.
في الجيش الاسرائيلي يقولون انهم نقلوا للشرطة معلومات عن منظمات جريمة اسرائيلية متورطة في عمليات التهريب، لكن في قيادة المنطقة الجنوبية يشتكون من نقص التعاون الكافي للشرطة. “هؤلاء مواطنون اسرائيليون. الجيش الاسرائيلي محظور عليه التعامل معهم في القضايا الجنائية”، قال ضابط كبير. “لكن حتى الان لم نشاهد انفاذ حقيقي للقانون”. آخرون في الجيش يعتقدون ان الامر يتعلق بمحاولة القاء التهمة على الشرطة بدلا من فحص الاخفاقات الداخلية. “قيادة المنطقة الجنوبية فقدت سيطرتها على المعابر”، قال مصدر امني رفيع. “هذا قبل أي شيء آخر مشكلة تتعلق بالجيش”.
سؤال المليون دولار
لغز آخر يقلق المؤسسة الامنية وهو مصدر الاموال المطلوبة لشراء هذه المنتجات عالية الثمن. فاسعار السلع في القطاع اعلى بكثير من اسعارها في اسرائيل، ولا يستطيع معظم سكان القطاع تحملها. وتساءل ضابط كبير: “كيف تستطيع عائلة في غزة شراء كيلو الدجاج بخمسين شيكل؟ وكيف تدفع آلاف الدولارات مقابل ثمن الهواتف؟ كيف يمكن ان تتمتع بهذه القدرة الشرائية بعد سنتين من الحرب؟”.
رغم ان البنوك في القطاع عادت للعمل جزئيا منذ بدء وقف اطلاق النار الا ان معظم المعاملات تجري بشكل الكتروني. يوجد في غزة نظام دفع باسم “جوال فاي”، وهو نظام محلي يوازي نظام “بيت” الاسرائيلي. ولا تستخدم فيه الاموال النقدية تقريبا.
مصدر مطلع بشكل جيد على ما يحدث في القطاع قال ان مسارات الاموال غير مراقبة. “هذا هو سؤال المليون دولار في الجيش الاسرائيلي”، قال. “من اين تاتي الاموال وكيف في الاصل توجد اموال؟ نحن نلاحق مخازن السلاح، لكن لا احد وبحق يلاحق مسارات الاموال التي تغذي حماس”.
في الجيش الاسرائيلي رفضوا الرد.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/1/2026
ما سيضخ في غزة من مال للاعمار لن يعمر غزة بل سيعمر جيوب المستفيدين
بقلم: ناحوم برنياع
تولد الطائرات مع أرقام. شركة بوينغ التي حظيت بعقد انتاج الطائرة القتالية الامريكية التالية قررت أن يكون رقم الطائرة 47، F47. لماذا 47؟ على اسم دونالد ترامب، الرئيس الـ 47 للولايات المتحدة. من الان فصاعدا قل ترامب هو ليس فقط اسم بل رقم أيضا.
في اثناء السنة الأولى من ولايته الثانية أرفق اسم ترامب بعشرات وربما مئات المباني، الشوارع، المشاريع، القاعات من مركز كيندي في واشنطن وحتى الشارع الذي يؤدي الى عزبته في فلوريدا. كما ارفق الاسم بمرسوم رئاسي، بضغط المعنيين او تطوعا. “اذا لم تضع اسمك في كل مكان سينسوك”، حذر ترامب رئيس فرنسا ماكرون. هذا كان في ولايته الأولى، عندما كانا صديقين.
لعل ترامب لم يسمع عن الوزير ميكي زوهر، لكن عقيدة الثلاث كافات لديه يجسدها بطريقة لم يسبق لاحد ان جسدها قبله. كل القوة، كل الشرف، كل المال وغيرها. لا واحدة على حساب الأخرى بل واحدة على ظهر الأخرى. في وقت ما ستكون هذه مادة جيدة لمنشد ناجح في برودوي. هنا والان، سواء كان خيرا أم شرا، هذا الرجل يؤثر على حياتنا اكثر مما أثر أي زعيم اجنبي – ربما باستثناء هاري ترومان، الرئيس الذي اعترف بدولة إسرائيل في 1948.
تحدثنا عن الشرف – الان سنتحدث عن المال. قابلت قبل بضعة أيام رجلا كان في قلب الاتصالات بين الحكومتين في السنة الأولى لترامب. سألته لماذا تستثمر إدارة ترامب كل هذه الطاقة الكثيرة في اعمار غزة. فليس لناخبي ترامب أي مصلحة في مصير قطاع الشاطيء الضيق هذا. معظمهم لن يجدوه على الخريطة. ازمة مليوني غزة ليست من نوع الازمات التي تفطر قلب ترامب.
المال، أجاب. كله تجارة. اعمار غزة سيضخ مئات مليارات الدولارات. المال يفترض أن يـأتي من دول الخليج. رجال اعمال من مقربي ترامب يسعون للحصول على نصيبهم، بدل وساطة، في شركات بناء واخلاء وحراسة وقوة بشرية.
لحظة، قلت. اعتقدت ان تركيا ومصر تضربان اعينهما على أموال الاعمار، وليس رجال ترامب. فابتسم. هذا وذاك. وسأفجئك، قال. رجال اعمال إسرائيليون أيضا يبدون اهتماما. هم يؤمنون بان شيئا ما من كل هذا الخير سيقع في أيديهم. يوجد لهم العتاد؛ يوجد لهم العلم. حول هذا الشأن يوجد نبش. يعرضون عملا على مسؤولين مستقيلين كبار. سيروا في طريقي، يقترح متفرغ سياسي معروف. انا مقرب من نتنياهو. انا سأرتب الأمور.
ذهلت: غزة بصفتها خط بارليف. الجرافات التي دمرت المنازل في غزة ستخلي الأنقاض، ستبني مدنها. نهاية سعيدة.
لحظة، قلت. لكن لن يكون اعمار. نتنياهو سيهتم بالمراوغة في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة. هو لن يتوجه الى الانتخابات مع تركيا وقطر في غزة. ابتسم. الاعمار ربما لن يكون؛ اما المال، فسيكون، قال.
في الجيش الإسرائيلي، بالمناسبة، لا يتأثرون على نحو خاص بنشاط الأمريكيين في غزة. في الاتفاق الذي فرضه ترامب على نتنياهو قيل ان كل اسبوع ستدخل الى غزة 4200 شاحنة. إسرائيل تنفذ الاتفاق حرفيا. المشكلة هي ان السكان في غزة لا يحتاجون الى 4200 شاحنة. الكمية المطلوبة، حسب الجيش الإسرائيلي هي النصف تقريبا. لماذا هذا هام؟ لان المساعدة تأتي الى القطاع عبر مسارين. واحدة عبر منظمات الإغاثة الدولية: هي تطلب تمويلا حسب مقاييس الأمم المتحدة. هذا يتضمن الخيام، الادوية، الصرف الصحي، الغذاء. مخازن هذه المنظمات مليئة.
المسار الثاني بمر عبر تجار خاصين. ويدور الحديث أساسا عن الغذاء. شاهدت شريطا صور في غزة: يحرقون دجاجا لا يوجد عليها طلب. لعل هذه حالة نادرة. لكن يبدو أن الجوع، او سوء التغذية ليس المشكلة الأكبر في غزة اليوم.
القصة الصاخبة، المذهلة توجد في مكان آخر: حماس تستصعب فرض ضريبة على البضاعة التي تأتي الى المنظمات الدولية. اما من التجار فهي تجبي الضريبة بلا صعوبة، كالمعتاد. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن فائض المساعدات يمول حماس.
نعم، إسرائيل، تحت املاء امريكي، تضمن إعادة بناء حماس. لا يصدق.
عودة الى ترامب ورجاله ورؤوسهم التي كلها تجارة. في سوريا أيضا، قال لي من كان في قلب الاتصالات، المال هو الدافع. يوجد في محيط ترامب من يضرب عينيه نحو حقول النفط شمال سوريا. حتى وقت أخير مضى كانت أمريكا تقف خلف الاكراد. ترامب اختار ان يخونهم ويسلمهم للشرع. الشرع سيقيم في نهاية الامر دولة إسلامية في سوريا، برعاية تركيا وبدعم الولايات المتحدة.
قلنا شرف، قلنا مال. سنقول شيئا ما عن القوة: الطريقة التي يغير فيها ترامب موازين القوى بين اذرع الإدارة في داخل الولايات المتحدة تشكل نموذجا للحكومات في كل العالم، بما في ذلك الائتلاف عندنا. الحكومة تطلق النار على المواطنين ليس فقط في طهران بل وفي مينيابوليس أيضا. انهيار الدستور الأمريكي، التوازنات والكوابح التي بعقل عظيم بناها الاباء المؤسسون هم إشارة تحذير. من اجل يريف لفين ونظرائه هو دعوة لخطوة أخرى لتصفية النظام الديمقراطي.
يحتمل ان يحررنا ترامب من التهديد الإيراني ويحل لنا مشكلة غزة. حبذا. اذا حصل هذا فسنسمي الكنيست على اسمه، مبنى المحكمة العليا، بلفور. على الا يتدخل لنا في حياتنا.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/1/2026
ترامب يتخذ القرارات نيابةً عنا
بقلم: رون بن يشاي
سواء رغبنا في ذلك أم لا، علينا أن نعترف بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يكتفي بالسيطرة على أجندة الأمن القومي لدولة إسرائيل، بل يملي أيضاً على الحكومة في القدس الخطوات التي ينبغي عليها اتخاذها بشأن القضايا الأمنية والسياسية الحساسة. ويأتي هذا مع علمه التام بأن هذه الخطوات تُعرّض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الغالب لمصاعب سياسية داخلية في مجلس الوزراء وحكومته، بل وتهدد بحلّ الحكومة. وهذا، بالمناسبة، هو أيضاً سبب عزلة مجلس الوزراء بالكامل وعدم مشاركته في نقاش حقيقي حول قضايا رئيسية، مثل إيران والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب لقطاع غزة.
إنّ القضية الأكثر إلحاحًا من وجهة نظر الرأي العام الإسرائيلي هي متى وماذا سيحدث هنا إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، أو إذا استبقت إيران هجومًا للانتقام من الأمريكيين ومنّا قبل أن تسقط القنبلة الحارقة على النظام في طهران. باختصار شديد: هل سنضطر لسماع دويّ صفارات الإنذار مجددًا في جوف الليل، والركض إلى الملاجئ عدة مرات في اليوم؟
القرار: في اللحظة الأخيرة فقط
تشير كل الدلائل إلى أنه لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال. ولا حتى دونالد ترامب نفسه، الذي تُظهر تجربته أنه يتخذ قراراته في اللحظة الأخيرة، وحتى حينها لا يكون قراره نهائيًا. يمكننا أن نستنتج، على سبيل المثال، من خطاب نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس يوم السبت، أننا لسنا الوحيدين الذين نتخبط في ظلام الغموض. لم يتلق البنتاغون ولا القوات العسكرية الأمريكية في القيادة المركزية أي أمر آخر سوى إعداد قوة بحرية وجوية كبيرة قادرة على توجيه ضربات نارية دقيقة على إيران إذا صدرت الأوامر بذلك، وفي الوقت نفسه الاستعداد للدفاع عن الجنود والقواعد الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل.
كانت هذه الاستعدادات، ولا سيما فيما يتعلق بمسألة الدفاع المشترك ضد ضربة انتقامية بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، الموضوع الرئيسي للمحادثات بين قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر ورئيس الأركان الفريق إيال زامير. ويمكن الافتراض بحذر أنهما نسقا أيضاً كيفية مساعدة الجيش الإسرائيلي في مجال الاستخبارات وغيرها من الأمور في حال وقوع هجوم أمريكي محتمل، وفي حال تعرض إسرائيل للهجوم، كيف سينضم سلاح الجو الإسرائيلي إلى الحملة الهجومية إلى جانب القوات البحرية والجوية الأمريكية.
يبدو أنه في غياب قرار رئاسي، أجرى الجنرالان ما يسميه الجيش الإسرائيلي “مناقشة استراتيجية للحالة والرد”، وسيتم تحديد تفاصيلها لاحقًا. المعروف الآن هو ما نُشر بالفعل في صحيفة “وول ستريت جورنال”، وهو أن ترامب يطالب البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية بتقديم خطة تؤدي إلى “قرار واضح”. في حين أنه ليس من الواضح ما يقصده ترامب بكلمة “قرار” وماذا يريد أن يحدث في إيران نتيجة لهجوم أو تهديد بهجوم. يكمن حل معضلة الرئيس الأمريكي في خمسة أسئلة:
السؤال الأول هو: هل من الممكن، بمساعدة ضربة نارية باستخدام أسلحة قوية ودقيقة للغاية، ولكن محدودة زمنيًا، إسقاط النظام، أو على الأقل إضعافه بشكل كبير، وكذلك إضعاف آليات الأمن التي تحميه؟
السؤال الثاني هو: هل يوجد، أو سيوجد قريبًا، في إيران أو بين الشعب الإيراني، من يستطيع استغلال ضعف النظام لإسقاطه نهائيًا، أو على الأقل إجباره على تغيير سياسته جذريًا تجاه الداخل (المقيمين والمواطنين الإيرانيين) وتجاه الخارج (أي فيما يتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية والاضطرابات الإقليمية)؟ للتذكير: لقد نجح ترامب في فنزويلا. لم ينهار النظام بسبب اختطاف مادورو، بل الشخص الذي يترأس هذا النظام حاليًا هو نائبته، التي وعدت الأمريكيين مسبقًا، على ما يبدو، بأنها ستنفذ كل ما يطلبونه منها
السؤال الثالث هو ما إذا كان ينبغي تثبيت التهديد العسكري وتصعيده لبضعة أسابيع أخرى لإتاحة الفرصة لنظام آية الله وقائده لقبول المطالب التي وضعتها الولايات المتحدة كشرط للدخول في مفاوضات بشأن رفع العقوبات وإزالة التهديد العسكري. من المحتمل جدًا أن يتوصل الإيرانيون، بمن فيهم خامنئي، إلى استنتاج مفاده أن وضعهم سيء للغاية لدرجة أنه حان وقت “تسوية بطولية” من جانبهم، وسيوافقون على الشروط الأمريكية ثم ينتظرون الوقت، كما فعلوا في الماضي.
السؤال الرابع: إذا ما نشأ وضعٌ بات فيه من الواضح استحالة إسقاط النظام الإيراني بالقصف الجوي، ألا يكون من المجدي والمناسب استغلال النفوذ الأمريكي المتزايد في الشرق الأوسط لتوجيه ضربة أخرى لإيران؟ لتدمير ما تبقى من البرنامج النووي العسكري للآيات الله، والبنية التحتية للصواريخ الباليستية المهددة ووسائل إنتاجها، والطائرات المسيّرة والمخزونات تحت الأرض – باختصار، لإتمام ما لم يتسنَّ لنا وللأمريكيين إنجازه في “حرب الأيام الاثني عشر”.
السؤال الخامس والأهم على الإطلاق هو ما إذا كان لدى الأمريكيين معلومات استخباراتية دقيقة بما يكفي، وما إذا كانوا يملكون القدرة على تحقيق أحد هذه الأهداف – إما إسقاط النظام أو إلحاق ضرر جسيم بالبنية التحتية العسكرية يُعطّلها لسنوات عديدة، والأهم من ذلك – ما الثمن الذي سيدفعونه؟ ما هو الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة وحلفاؤها من ضحايا ودمار وأضرار في إمدادات الطاقة إذا قرر ترامب مهاجمة إيران؟
من المهم أن نتذكر أن ترامب، عندما لم يشنّ هجومًا قبل أسبوعين، فقد ميزة عنصر المفاجأة، وبالتالي فقد القدرة على إحداث تغيير جذري في إيران – على سبيل المثال، القضاء على خامنئي، الذي يختبئ الآن بأمان في شبكة من المخابئ والأنفاق المحصنة جيدًا، وهي أكثر تحصينًا وعمقًا بكثير من تلك التي كانت متاحة لحسن نصر الله في ذلك الوقت.
يبدو أن ترامب مُدركٌ لكل هذه التساؤلات. فقد أثبت في الماضي أنه يُفكر ملياً ويستشير قبل اتخاذ أي إجراء في المسائل المصيرية، والأهم من ذلك، أنه لا يتردد في التراجع عن قرار اتخذه عندما يتبين له أن تكلفة الخطوة التي يُهدد بتنفيذها ستفوق فوائدها بكثير. وهذا ما حدث يوم الأربعاء الماضي عندما كانت الطائرات الأمريكية على وشك الإقلاع. لا يرغب ترامب في دفع ثمن ذلك بأرواح الجنود الأمريكيين والتكلفة الباهظة لعملية طويلة الأمد. لذلك، لا يزال بإمكانه إنهاء الحصار العسكري المفروض على إيران وإجلاس ستيف ويتكوف على طاولة المفاوضات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. على أي حال، القرار بيده وحده، وكما نعلم، حتى عندما يتخذ قراره، قد يُغير رأيه في اللحظة الأخيرة.
في غضون ذلك، ينبغي أن يعلم الرأي العام الإسرائيلي أنه خلافًا لما ورد في وسائل الإعلام العالمية والأمريكية، فإن القوات التي نشرها البنتاغون ووضعها تحت قيادة القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ليست جاهزة بعد، وذلك من منظور عسكري احترافي. سيستغرق الأمر ما بين أسبوع وثلاثة أسابيع لتكون جاهزة، نظرًا للحاجة إلى دعم لوجستي إضافي وجمع معلومات استخباراتية أولية. هذه المسألة أيضًا جزء من الاعتبارات.
ثمة سؤال مهم آخر يتعلق بالإيرانيين: هل سيسعى النظام إلى الانتقام وتدفيع ثمن الهجوم الأمريكي، وهل سيهاجم إسرائيل أم سيقتصر هجومه على القواعد والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط؟ يبدو أن الإيرانيين لا يرغبون حاليًا في مهاجمة إسرائيل، لعلمهم بقدرات سلاح الجو الإسرائيلي الكبيرة على مهاجمة إيران، وأن إسرائيل قد عززت أيضًا قدراتها الدفاعية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية ودول المنطقة. لذلك، من غير المرجح أن يسارعوا إلى مهاجمة إسرائيل طالما لديهم أمل في البقاء، وحتى لا يمنحونا ذريعة لإجراء أي خطوات أخرى في إيران.
لمرحلة الثانية في بدايتها
المسألة الثانية التي تُملي إدارة ترامب ومبعوثوها على إسرائيل تحركاتها بشأنها هي الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة النقاط العشرين في غزة. العقبة الرئيسية هي نزع سلاح حماس وتجريد القطاع. وضع جاريد كوشنر مبادئ عملية نزع السلاح والتجريد من العتاد في خطابه في دافوس، لكن لا توجد جهة ستنفذ فعلياً تفكيك حماس والجهاد الإسلامي والبنية التحتية للإرهاب. من المفترض أن يقوم مجلس التكنوقراط الفلسطينيين بذلك، لكنه لا يملك أي سلطة عملياتية. لم يتم إنشاء قوة الاستقرار الدولية بعد، والدول غير مستعدة لإرسال قوات قبل أن تتخلى حماس عن سلاحها.
إن القضية الأكثر إلحاحًا هي فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، حيث تستخدم إسرائيل المعبر كورقة ضغط لإعادة المختطف، الراحل ران غويلي. وقد أعلن مكتب رئيس الوزراء الليلة الماضية في ختام اجتماع مجلس الوزراء السياسي والأمني أنه “بعد انتهاء العملية ووفقًا للاتفاق مع الولايات المتحدة، ستفتح إسرائيل معبر رفح”. ويحتاج مجلس التكنوقراط الفلسطينيين إلى فتح معبر رفح لإظهار سكان القطاع أن الخطة الكبرى، “غزة الجديدة”، تسير قدمًا، ولعرض إنجازات على الشعب الفلسطيني تُمكّن المجلس من السيطرة على الخطة ومواصلة تنفيذها. ومن الواضح تمامًا أن وراء خطة مجلس التكنوقراط الفلسطينيين لفتح معبر رفح، يقف ويتكوف وكوشنر، إلى جانب قطر وتركيا ومصر التي تعمل من وراء الكواليس. ومن المعقول أيضًا افتراض أن نتنياهو وافق على ذلك من تلقاء نفسه، متجاهلًا مجلس الوزراء.
——————————————
معاريف 26/1/2026
الحكومة تقر اليوم علاوة 550 مليون شيكل للمستوطنين
بقلم: آنا برسكي
تقر الحكومة في جلستها اليوم علاوة ميزانية واسعة النطاق لتعزيز عناصر الامن المدنية في المناطق بما في ذلك استثمار نحو 550 مليون شيكل في العامين 2026 – 2027.
يتركز القرار في ثلاثة مجالات مركزية – تحصين البنى التحتية، شق محاور امنية وتعزيز عناصر الامن في المستوطنات – ويستهدف تقليص الفجوات التي انكشفت في السنوات الأخيرة على خلفية صورة تهديد متسعة.
وحسب مشروع القرار، في العام 2026 سيخصص 50 مليون شيكل لتحصين بنى تحتية في المناطق، 125 مليون شيكل لشق محاور امنية و 250 مليون شيكل لعناصر امن في المستوطنات. في العام 2027 سيتواصل الاستثمار مع تخصيص إضافي بمبلغ 50 مليون شيكل لتحصين البنى التحتية و 75 مليون شيكل لعناصر الامن في المستوطنات.
في الشروحات للقرار توصف صورة تهديد واسعة بموجبها 63 في المئة من أراضي الدولة توجد في مدى تهديد امني. كما اشير الى أن نحو 79 في المئة من السكان في الشمال و 47 في المئة من السكان في الجنوب يعيشون في مدى تهديد، مقارنة بـ 56 في المئة من عموم السكان.
على هذه الخلفية يتم التشديد على الحاجة لاعطاء جواب خاص للمناطق، حيث توجد فجوات ذات مغزى في تحصين مركبات التسفير والمواصلات العامة.
عنصر مركزي آخر في القرار يتعلق بشق محاور امنية. لغرض تحسين قدرة حركة السير ورد فعل قوات الامن في مجالات مأهولة بما فيها الضفة ومستوطنات الجولان سيخصص 120 مليون شيكل هذه السنة لتنفيذ اعمال بنى تحتية في محاور قائمة وفتح محاور وصول جديدة وفقا للاحتياجات العملياتية لقيادات المناطق.
بالتوازي، ستقر الحكومة استثمارا كبيرا في تعزيز عناصر الامن في المستوطنات نفسها. لغرض إقامة وترميم عناصر الامن وفقا للتصنيف الأمني للمستوطنات والذي قرره الجيش الإسرائيلي سيخصص 325 مليون شيكل: 250 مليون شيكل في العام 2026 و 75 مليون شيكل في العام 2027. ويستهدف الاستثمار عناصر مادية بما فيها الاسيجة، الطرق، الانارة، البوابات ومباني الحراسة، الى جانب غلاف دفاع تكنولوجي يتضمن كاميرات، رادارات، جساسات للكشف والاخطار وأجهزة تحكم ورقابة. مصادر تمويل الخطة تستند الى ميزانيات نفقات طواريء مدنية اقرت في قرارات حكومية سابقة.
——————————————
إسرائيل اليوم 26/1/2026
إسرائيل ملزمة بالهجوم قبل الولايات المتحدة
بقلم: تمير دورتال
نحن ننتظر الأمريكيين كما ننتظر المسيح، لكن اذا جاءت الولايات المتحدة لانقاذنا – سنعلق في مشكلة. اليمين الأمريكي غاضب على “حروب ليست لنا”، وكل دقيقة انتظار تعزز الإيرانيين. يظهر التحليل الجغرافي السياسي باننا اذا لم نعمل الان، فسندفع ثمنا دمويا مزدوجا: عسكريا وسياسيا.
الخطاب الإسرائيلي أسير وهم خطير: نحن ننتظر الأمريكيين، نأمل ان ينهي ترامب عنا القصة الإيرانية. لكن في مقابلة عمق اجريتها في بوتكاست “عن المعنى” مع الاستراتيجي عومر اللي، يتبين ان الواقع معقد واقل تفاؤلا بكثير.
اذا كانت إسرائيل تريد البقاء فهي ملزمة بان تهاجم ايران بقوة، والان. اللي يحلل خريطة المصالح في واشنطن ويظهر صورة بشعة لمن يعول على “العم سام”. صحيح ان ترامب يتحدث عاليا عاليا، لكن مصلحته العليا ليست الشرق الأوسط بل الصين. كل صاروخ اعتراض، كل كاملة طائرات وكل دولار يستثمر في الخليج الفارسي هي مقدرات تقتطع من الجبهة الهامة حقا في تايوان. وهنا يكمن الفخ الاستراتيجي لإسرائيل.
اذا انتظرنا الأمريكيين قد نجد انفسنا أمام سند متهالك. الإيرانيون لا ينتظرون. هم يرممون قدراتهم الصاروخية بوتيرة مدوية، ينتقلون الى وقود صلبة تتيح اطلاقا سريعا، ويبنون من جديد ما دمر في حملات سابقة. الزمن لا يعمل في صالحنا. كل يوم يمر هو يوم يصبح فيه التهديد اكثر فتكا.
لكن يوجد خطر اكبر من السلاح الإيراني: خطر تدخل امريكي مسبق وزائد. تصوروا سيناريو تقر فيه الولايات المتحدة مع ذلك أن تهاجم، بسبب ضغط سياسي او تصعيد محلي. هذا من شأنه أن يكون كابوسا إعلاميا وسياسيا.
في اليمين الأمريكي العميق، ذاك الذي تقود شخصيات مثل تاكر كارلسون ، تتعزز الرواية الانعزالية والمناهضة لإسرائيل. بدعوى بسيطة وسامة: “إسرائيل هي عبء يجرنا الى حروب زائدة. أبناء امريكيون يموتوت في الدفاع عن دولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها”. اذا مات جنود امريكيون على ارض ايران، فهذه الرواية ستتفجر. إسرائيل ستعتبر كجريرة، كعبء استراتيجي، كمن تستخدم الدم الأمريكي لاحتياجاتها. هذا ضرر بعيد المدى من شأنه أن يمس بالحلف الاسترتيجي مع الولايات المتحدة، وبالذات من جانب القاعدة الجمهورية التي كانت دوما سندنا. الاحتجاجات في ايران تخلق فوضى داخلية. الاقتصاد هناك على الأرضية، والبرنامج النووي يوجد في نقطة حرجة لكن هشة. لقد اثبتت إسرائيل في حملات سابقة بان لديها القدرة على أن تضرب قلب النظام في طهران. نحن لا نحتاج القاذفات الامريكية؛ نحن نحتاج الشجاعة الإسرائيلية.
عملية إسرائيلية مستقلة، حادة واليمة ستحقق هدفين في نفس الوقت: تزيل التهديد الإيراني الفوري، وتبث للعالم (ولامريكا بخاصة) بان إسرائيل هي قوة عظمى مستقلة تعرف كيف تدافع عن نفسها بقواها الذاتية. هذه الرسالة الوحيدة التي ستسكت تاكر كارلسون وتعيد الردع الاسرائيلي.
نحن لا يمكننا ان نسمح لانفسنا بان نكون “الطفل الذي يحتاج جليسا”. نحن ملزمون بان نكون الراشد المسؤول الذي يأخذ مصيره بيديه.
——————————————
هآرتس 26/1/2026
“الضابطة الصغيرة” تقرر المواجهة ورئيسها يتركها وحيدة.. وبن غفير: أنا من يعين ويرقّي.. أنا الدولة
بقلم: أسرة التحرير
في السنوات الثلاث الأخيرة، سيطر وزير الأمن القومي بن غفير على شرطة إسرائيل من خلال تحكمه بالتعيينات والترفيعات فيها. وكان الموقف الشجاع أمس من الرائد رينا سبان أمام بن غفير في المحكمة – وفي التماسها للترفيع –حدثاً شاذاً. وقالت سبان بصوت عال ما يعرفه الكثيرون في شرطة إسرائيل: الوزير ينفذ التهديد على الضباط، وبموجبه من يعنى بتحقيقات الفساد العام يدفع الثمن.
من الصعب التقليل من أهمية شجاعة سبان – ضابطة صغيرة، مساعدة رئيس قسم التحقيقات والدعاوى، وكانت محققة في وحدة لاهف 433، في فترة تحقيقات نتنياهو ورجال مكتبه. صادقت قيادة الشرطة على ترفيعها، لكن بن غفير يرفض المصادقة على منحها رتبة مقدم، احتجاجاً على سلوكها في تحقيقات نتنياهو. غير أن كل ضابط في شرطة إسرائيل يعرف جيداً: السبب الحقيقي لرفض بن غفير ترفيع سبان هو محاولته ترهيب محققي الشرطة خشية أن يحققوا مع الأشخاص “غير الصحيحين”. كما أنها خطوة أخرى ضد قائد سبان، اللواء بوعز بلاط، الذي يرفض الخضوع لإمرة الوزير.
وقفت سبان وحدها في المحكمة – ضابطة لا تخشى أحداً ولو كان من الأشخاص الأقوى في الدولة. غاب المفتش العام للشرطة، داني ليفي؛ فبدلاً من إسناد ضابطة يسعى لترفيعها، أبقى سبان تقاتل وحدها.
والمفتش العام ليفي نفسه، يغيب أيضاً عن المعركة على الشرطة، التي تنازعها سيطرة معادية. فبن غفير مع عضو الكنيست سمحا روتمان، يعملان على نقل صلاحيات التحقيق في التحريض ومخالفات حرية التعبير من النيابة العامة إلى الشرطة، كما يستعدان لإحالة الصلاحيات لأيدي ضابط من طرفهما. وهكذا يصبح بن غفير ليس رقيباً عسكرياً فحسب، بل أيضاً من يخرج تحقيقات شرطية إلى حيز التنفيذ.
تنضم هذه الخطوة إلى مطلب بن غفير في أن يكون المستشار القانوني للحكومة التالي شخص من طرفه، وذا صلاحيات لرفع لوائح اتهام والتخطيط وإخضاع دائرة المباحث إليه. خطوة ستجعل بن غفير كلي القدرة بلا رقابة وبلا إشراف.
منذ ثلاث سنوات وبن غفير يلوح بصلاحياته لإقرار التعيينات ويجعل شرطة إسرائيل ذراعاً تنفيذياً لحزبه “عظمة يهودية”؛ وفي الوقت ذاته نجد أن المفتش العام ليفي غائب. ضباط الشرطة يرون غياب الإسناد ويفهمون الرسالة: لا يوجد مفتش عام للشرطة.
أما ليفي الذي هو الآن بنصف ولاية، بات على الجمهور أن يبلغ عنه “مركزية 100” كغائب. حتى ذلك الحين، على القاضي الذي يبحث في التماس سبان أن يطلق رسالة واضحة: على بن غفير أن ينزع يديه عن ترفيع الضابطة.
——————————————
هآرتس 26/1/2026
والآن.. دور إيران! ألم تكتف واشنطن بإلحاق الدمار في أفغانستان والعراق واليمن…؟
بقلم: تسفي برئيل
“ترامب يتحدث أكثر من اللازم، لكننا نعده بالرد في ساحة المعركة”، هكذا حذر قائد سلاح الجو في حرس الثورة الجنرال مجيد موسوي، الذي عُين في هذا المنصب في 14 حزيران بعد مقتل سلفه الجنرال أمير حاجي زاده في هجوم إسرائيلي. وأكد قبل عشرة أيام بأن إيران “في ذروة الاستعداد”، وأن الأضرار التي لحقت بإيران في الحرب السابقة تم إصلاحها، وأن قدرة إنتاجها العسكري ازدادت منذ ذلك الحين.
أقواله هذه تعكس الخطاب السائد في إيران الآن. فإلى جانب التقارير التي تفيد بنقل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى مخبأ، تواصل إيران بث تهديداتها وتحذيراتها حول ردها المتوقع. مع ذلك، في حين تغطي تقارير إسرائيلية وعالمية الاستعراض العسكري الأمريكي المثير للإعجاب الذي تحشده القوات حول إيران، فالغرض من هذه العملية العسكرية ما زال مجهولاً، وكذلك نطاقها المتوقع، والأهم: ما هي خطة الخروج من الحرب إذا اندلعت؟
التحديث البارز في الاستعداد للحرب يكمن في حقيقة أنه خلافاً للحروب الأخرى التي شنتها الولايات المتحدة في المنطقة، في أفغانستان والعراق والحوثيين، التي حرصت فيها على تشكيل تحالف دولي استباقي، يتوقع في هذه المرة أن تكون “حرباً أمريكية” فقط حتى مشاركة إسرائيل فيها غير مؤكدة. ترامب الذي جعل من إيران هدفاً “شخصياً” لا يهتم بغياب الشراكة الدولية. مع ذلك، الشرعية الدولية مهمة جداً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحرب ستكون عواقبها الإقليمية والدولية كارثية.
لا يسعى ترامب إلى تحقيق العدالة. فحصيلة القتلى المخيفة بسبب الاحتجاجات في إيران والتي تقدر بعشرات الآلاف تبرر الحرب ضد النظام الإيراني بوصفها “حرباً عادلة”، كما عرفها عالم الاجتماع والفيلسوف مايكل فولتسار. ولكن للأسف، العدالة والأخلاق لا تشكل المعايير التي توجه زعماء مثل ترامب، بل ما يوجهه هو حساب عقلاني وبارد للمصالح وطرق تحقيقها.
ورغم أن الإجماع الدولي الغربي – ومعظم دول المنطقة – يعتبر إيران عدواً أو على الأقل خصماً مهدداً، لكنه إجماع لا يصمد أمام الواقع. فالدول العربية اليوم، بما في ذلك التي اعتبرت جزءاً من “المحور المناهض لإيران” مثل السعودية والبحرين والإمارات ومصر، تستخدم ضغطاً شديداً على الإدارة الأمريكية لعدم شن الهجوم. بل إن السعودية وقطر أوضحتا بأنهما لن تسمحا باستخدام أراضيها كقاعدة انطلاق لشن هجوم على إيران. وهذه دول تعتبر من الدول المقربة جداً من ترامب والأكثر نفوذاً.
من وجهة نظرها، فإن تداعيات الحرب المتوقعة ضد إيران تتجاوز بكثير مجرد التساؤل عن عدد الصواريخ الإيرانية التي ستسقط في إسرائيل أو في دول المنطقة، وعدد المدنيين الذين سيقتلون أو يصابون أن يشردون. إذا كان الهدف هو إسقاط النظام، فمن المفروض أن يستخدم النظام كل وسائله المتاحة من أجل بقائه. ولن تشمل هذه الوسائل فقط مهاجمة القواعد والأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بل أيضاً تحويل كل المنطقة إلى “منطقة حرب” تشمل زرع الألغام في مضيق هرمز وإلحاق الضرر بمنشآت النفط وتفعيل المليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان وتجدد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
يصعب قياس حجم الأضرار الناجمة عن سيناريو كهذا على الاقتصاد الدولي بشكل عام وعلى اقتصاد دول الخليج بشكل خاص، لكن يكفي فحص أضرار هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية وعلى فقدان مداخيل مصر من شل الملاحة في قناة السويس (إسرائيل في ميناء إيلات)، كي نحصل على فكرة ما عن المتوقع حدوثه بسبب الحرب الشاملة ضد إيران.
في الطريق إلى ترتيبات جديدة
إن التصادم واسع النطاق لا يعتبر غاية بحد ذاته، بل هو يهدف إلى فرض ترتيبات جديدة على إيران لم يتم التوصل إليها حتى الآن في القنوات الدبلوماسية. لذلك، أي تحرك عسكري يهدف إلى المرور في ثلاث مراحل أساسية: التهديد، والهجوم، وتغيير النظام. في هذه المرحلة، يهدف التحرك إلى إظهار “تهديد كبير” يضع النظام أمام معضلة “البقاء أو الرحيل”، على أمل أن يقرر خامنئي، في ظل اليقين في تطبيقه، اللجوء من جديد إلى مبدأ “المرونة البطولية”.
هذا المبدأ وجهه عندما سمح بإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة في 2013، ووقع الاتفاق النووي في 2015، واستأنف المفاوضات مع الولايات المتحدة في بداية ولاية ترامب الثانية، رغم انسحابه من الاتفاق في 2018. وما زال هذا الخيار قائماً بحسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتصريحات ترامب الأخيرة التي قال فيها “إيران تريد الحوار، وسنتحاور”.
لكن الشروط التي وضعها الطرفان لهذا الحوار على الأقل علناً، ورغم جهود الوساطة الكثيفة التي بذلتها دول المنطقة، لم تتغير. وما دامت هذه الشروط سارية فلا وجود لأساس عملي لاستئناف المفاوضات. مع ذلك، فإن احتمالية خيار التفاوض تشير إلى أن إسقاط النظام، وإن كان هدفاً نبيلاً، ليس هدفاً مستقلاً حتى لو ادى إلى إزالة رعب النظام القمعي والإرهابي عن الشعب الإيراني. ومن المفارقة أن هذه الخطوة بحد ذاتها جزء من مفاوضات تسعى فيها الولايات المتحدة “فقط” إلى استبدال شريك على فرض أن أي شريكاً آخر (نظام مختلف) سيكون أكثر استعداداً لقبول شروطها.
لكن المنطق النظري الذي يقوم عليه هذا النهج يتحطم أمام التجارب المأساوية التي شاهدتها العصور الأخيرة. فسقوط الاتحاد السوفييتي لم يفض إلى نظام روسي يسهل المصالحة بين القوتين العظميين، وأحدث تغيير الحكومة في العراق فوضى كبيرة أدت إلى سيطرة “داعش” على أجزاء في البلاد، وعادت “طالبان” إلى الحكم في أفغانستان، واليمن انقسم إلى دولتين، وما زالت ليبيا بعد القذافي تعاني من عدم الاستقرار، أما سوريا بعد نظام الأسد فهي في مرحلة التجربة المخبرية بانتظار النتائج.
المعارضة التي لم تتشكل
هنا لا بد من تحذير شديد من المقارنة التاريخية والسياسية التي تسعى إلى إيجاد قاسم مشترك بين الأحداث لاستخلاص استنتاجات متشابهة، رغم اختلاف ظروفها وأوضاعها وتعقيداتها. فإيران دائماً تقدم عرضاً مختلفاً.
التنبؤ بتغيير النظام يحتاج إلى قدر كبير من التفاؤل؛ فما من شريك جاهز في إيران للاستيلاء على السلطة بعد تدمير الطائرات القتالية الأمريكية وصواريخ التوماهوك لمحطات النفط التابعة لحرس الثورة، أو تدمير مباني الجمعيات الخيرية التي تدير مليارات الدولارات، أو حتى النجاح في القضاء على خامنئي. إن المعارضة في إيران هي مفهوم واسع وغامض، وقبل أي شيء آخر هي مفهوم مجزأ، عجز عن التوحد حول شخص أو قيادة متفق عليها. ولا يجب علينا انتقاد المعارضة في ضوء أساليب القمع الوحشية التي يستخدمها النظام والتي تشمل عمليات القتل الجماعي والاعتقال الجماعي والسجن لفترة طويلة والإعدام.
إن فحص حركات معارضة في إيران خارج الدولة، بعيداً عن أيدي النظام، يظهر انقسامات خفية فكرية أيديولوجية، وسياسية وشخصية، تصعّب إيجاد شخصية نظام بديل.
لنفترض أنه في ظل هجوم عسكري شامل على مؤسسات النظام ستشكل حركة احتجاج جماهيرية كبيرة، وتولد قيادة سياسية وتعلن بأنها صاحب البيت الجديد؛ فهل عليها لاحقاً مواجهة القوة العنيفة والقوية التي ستبقى على الأرض، من حرس الثورة والباسيج والشرطة وعصابات ومافيا التي وجودها مرهون بالنظام والتي من غير المتوقع أن تختفي من الساحة.
في السيناريو المتفائل الذي يصفه الباحثون والمحللون في إيران، يتوقع أن تشكل قوات الأمن قيادة بديلة، وفرض نظام عسكري، وربما البدء في التفاوض حول القضايا التي كان حلها يعتمد على المواقف المرشد الأعلى الأيديولوجية. بل إن هناك صورة متفائلة أخرى لهذا السيناريو، تصف وضعاً تتوصل فيه النخبة العسكرية إلى اتفاقات مع المعارضة المدنية لكسب شرعية داخلية ودولية لنفسها بدلاً من الشرعية الدينية والأيديولوجية التي خلقتها وحافظت عليها. مع ذلك، فإن هذا السيناريو يعاني أيضاً من نظرة شاملة وبسيطة تصور عناصر السلطة مثل كتلة واحدة متجانسة تتحدث بصوت واحد.
توقع انقسام في قوات الأمن
لا يوجد ما يضمن بأن الجيش الذي تم قمع مكانته لسنوات من قبل حرس الثورة سيتفق معه على طبيعة النظام المنشود في إيران، لا سيما مع ظهور انقسامات أيديولوجية داخل الجيش نفسه على مر السنين. ويتوقع أيضاً اندلاع صراعات داخلية على السلطة؛ ففي صفوف حرس الثورة انقسام بين من يتمسكون بفكرة الثورة الإسلامية حتى لو كان ذلك في ظل شروط أكثر مرونة، وبين من يعتبرون أن بقاءه وسيطرته على اقتصاد الدولة أهم من الأيديولوجيا.
ظاهرياً، يعتبر الانقسام في قوات الأمن، الذي سيضعف قبضتها على السلطة، نبأ سعيد بالنسبة للمعارضة، لكن إذا ما أدى هذا الانقسام إلى حرب أهلية تضاف إليها أعمال عنف من قبل الأقليات، فمشكوك فيه إذا كان لدى الحكومة المركزية الجديدة القدرة على مواجهة هذا التحدي الخطير، أو السلطة والشرعية المطلوبة للتوصل إلى اتفاقات بشأن الاستراتيجية والسياسة الخارجية.
الافتراض المحتمل الذي ربما يوجه من يخططون للهجوم هو أنه في ظل حالة من الفوضى وبعد تدمير جزء كبير من ترسانته العسكرية الاستراتيجية، لن يرغب النظام ولن يكون قادراً على تجديد التهديد الإقليمي الذي يمثله في الوقت الحالي. عندما لا يحظى سيناريو إقامة نظام ديمقراطي وليبرالي بديل بآفاق كثيرة، فإن القضاء على التهديد الإيراني، حتى على حساب الفوضى الحكومية والعسكرية، قد يعتبر إنجازاً جديراً بالثناء، إلى أن نتذكر التهديد الذي تشكله الدول الفاشلة والمسلحة على محيطها.
—————–انتهت النشرة—————–

