المسار : صدر اليوم الثلاثاء قرار بقانون عن الرئيس محمود عباس، تضمّن تعديلًا على القرار بقانون الخاص بالانتخابات، أحدث تغييرًا لافتًا في الصياغات القانونية المتعلقة بشروط الترشح، ولا سيما في ما يتصل بطبيعة الالتزامات السياسية المطلوبة من المرشحين.
ويكمن جوهر التعديل في إعادة صياغة مفهوم الالتزام السياسي، عبر الانتقال من التأكيد الصريح على “الالتزامات الدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية” إلى التركيز على منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي والوطني، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
ومن أبرز قرارات الشرعية الدولية قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين (قرار 194)، وحق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، واعتبار الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراضي محتلة، عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي (قرارات مجلس الأمن مثل 2334)، وبطلان ضم القدس والجولان، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني (قرارات الجمعية العامة منذ السبعينيات)، ومنحها صفة مراقب في الأمم المتحدة قبل قيام دولة فلسطين، اضافة الى الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967 (القرار 242 و338)، وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
الصيغة القديمة: التزام مباشر بالالتزامات الدولية
في القانون الأصلي، اشترط على مرشحي القوائم تقديم إقرار يتضمن قبولهم الترشح، والتزامهم ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتزاماتها الدولية وقرارات الشرعية الدولية. وقد فُهم هذا النص، في السياق السياسي، على أنه ربط مباشر بين حق الترشح وبين القبول الصريح بجميع الالتزامات السياسية والدبلوماسية التي وقّعتها منظمة التحرير، بما فيها الاتفاقيات الدولية السابقة، وعلى وجه الخصوص اتفاقية أوسلو.
الصيغة المعدّلة: تثبيت المرجعية السياسية لا الالتزامات التعاقدية
أما التعديل الجديد على الفقرة (2) من المادة 16، فقد ألغى الإشارة المباشرة إلى “الالتزامات الدولية”، واستعاض عنها بنص يؤكد التزام المرشحين بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، وببرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
ويُظهر هذا التعديل تحولًا لغويًا وقانونيًا دقيقًا لكنه بالغ الدلالة، إذ يميّز بين الاعتراف بالمرجعية السياسية لمنظمة التحرير، وبين الالتزام الحرفي باتفاقياتها الدولية، وهو ما قد يُفسَّر على أنه توسيع للهامش السياسي أمام المرشحين، دون المساس بالإطار الوطني العام.
توحيد الصياغة في القوائم والمجالس القروية
ولم يقتصر التعديل على المادة 16، بل شمل أيضًا الفقرة (1) من المادة 19، الخاصة بترشح أعضاء المجالس القروية، حيث جرى توحيد الصياغة القانونية، وإخضاع المرشحين لنفس شرط الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا، وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، دون الإشارة إلى “الالتزامات الدولية” بصيغتها السابقة.
ويعكس هذا التعديل محاولة لإعادة ضبط التوازن بين المرجعية الوطنية والاعتبارات السياسية الخلافية التي رافقت قوانين الانتخابات السابقة، خاصة في ظل الجدل الذي طال شروط الترشح ومدى تأثيرها على التعددية السياسية وإمكانية مشاركة أفراد وقوى لا تتبنى بالضرورة جميع الالتزامات الدولية الموقعة، بما فيها اتفاقية أوسلو، وهذا يعني ان المرشح سواء كان فردا او قوة سياسية لا يترتب عليها الترشح التعهد بالتزام المنظمة بالتزاماتها الدولية ومنها اتفاقية أوسلو.
كما يوحي التعديل بسعي رسمي لتثبيت منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية جامعة، دون تحميل المرشحين التزامًا قانونيًا مباشرًا باتفاقيات سياسية محددة، وهو ما قد يفتح الباب أمام قراءة أكثر مرونة للقانون في السياق السياسي الفلسطيني المعقّد.
وبين النص القديم والنص المعدّل، يُعاد تعريف طبيعة الالتزام المطلوب: من التزام تعاقدي بالاتفاقيات الدولية، إلى التزام سياسي ووطني بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يعكس تحوّلًا محسوبًا في فلسفة القانون الانتخابي.
ويشير التعديل الأخير على قانون الانتخابات إلى توجّه رسمي لاحتواء إشكاليات سياسية تراكمت حول شروط الترشح، لا سيما تلك التي اعتُبرت في السابق أداة إقصاء سياسي أكثر منها معيارًا قانونيًا. فإزالة الإشارة المباشرة إلى “الالتزامات الدولية” لا تبدو تراجعًا عن الخط السياسي العام لمنظمة التحرير، بقدر ما تمثل محاولة لتخفيف العبء السياسي والقانوني عن المرشحين، وفتح المجال أمام مشاركة أوسع لقوى وفئات لا ترغب في تقديم التزام صريح باتفاقيات خلافية، لكنها لا تعارض المرجعية الوطنية الجامعة.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة التعديل كرسالة مزدوجة: داخليًا، يسعى القرار إلى نزع أحد أبرز أسباب الاعتراض على قانون الانتخابات، وتقديم صيغة أقل تصادمية قد تسهّل التوافق الوطني أو تقلّل من حدّة المقاطعة المحتملة. وخارجيًا، يحافظ النص المعدّل على السقف السياسي المعترف به دوليًا، عبر التأكيد على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما يضمن عدم إحداث قطيعة مع الإطار السياسي القائم.
وكانت قوى ديمقراطية وفصائل سياسية قد أعلنت في وقت سابق مقاطعتها للاستحقاق الانتخابي، وقدمت طعنًا في القانون أمام المحكمة الدستورية، معتبرة أن جوهر الإشكالية لم يُحسم بعد. ورأت هذه القوى أن النصوص القانونية، إلى جانب السياق السياسي العام، تفتقر إلى ضمانات النزاهة والشراكة السياسية، وتُبقي العملية الانتخابية محكومة بسقف سياسي وإداري ضيّق.
.jpg)
.jpg)

