الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 30/1/2026

بعد قبول الجيش معطيات حماس عن 70 الف قتيل ماذا بقى من حالات النفي

بقلم: نير حسون

اعتراف الجيش الإسرائيلي بموثوقية بيانات الوفيات الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة ليس غريبا. فرغم تشكيك المسؤولين في إسرائيل فيها في بداية الحرب، لم يشكك فيها أي متحدث إسرائيل جدي منذ اشهر. ويقتصر النقاش حول موثوقيتها تقريبا في الشبكات الاجتماعية ووسائل الاعلام الإسرائيلية. وتعترف كل الحكومات والمنظمات الدولية والباحثين المعنيين بشؤون قطاع غزة ببيانات وزارة الصحة ويعتبرونها موثوقة بدرجة كبيرة.

من اجل فهم لماذا بيانات وزارة الصحة موثوقة يجب في البداية السؤال عن المعلومات المتناقضة لدى الطرف الاخر. ولكن لا يوجد أي شيء من ذلك. ان حرب 7 أكتوبر هي اول حرب في تاريخ إسرائيل لم ينشر فيها الجيش الإسرائيلي بيانات رسمية عن عدد القتلى في الطرف الاخر. في حين ان وزارة الصحة في قطاع غزة لم تكتف بنشر اعداد القتلى، بل جمعت أيضا قائمة مفصلة تشمل الأسماء الكاملة لجميعهم وأسماء آبائهم واجدادهم وتاريخ ميلادهم وأرقام بطاقات هوياتهم.

في القائمة التي تفصل حالات الوفاة من تشرين الأول 2023 وحتى تشرين الأول 2025 توجد بيانات عن 68844 حالة فاة، أي 96 في المئة من الوفيات المعلنة من قبل وزارة الصحة. وتحتوي القائمة نصف مليون معلومة قابلة للتحقق والتاكيد أو النفي. اما الوفيات المتبقية التي تم احصاءها، والتي لم تظهر بياناتها الكاملة في القائمة، فهي جثث لم يتم التعرف عليها أو لا تملك وزارة الصحة بيانات كاملة عنها.

80 في المئة من البيانات التي استندت اليها وزارة الصحة الفلسطينية في غزة تم الحصول عليها حسب قولها من سجلات غرف الموتى في المستشفيات في القطاع. القتلى الاخرون تم ادخالهم الى الإحصاءات في اعقاب تقارير لابناء عائلاتهم، لكن في وزارة الصحة يؤكدون على ان تسجيلهم تم فقط بعد تحقق قانوني قام بفحص الشهادات حول موتهم.

في بداية الحرب كانت سجلات الوزارة اقل موثوقية، والباحثون نجحوا في العثور على أخطاء وتكرار فيها. ولكن جرى تصحيحها في السنة الماضية، حيث تم حذف بعض الأسماء فيها لاعادة فحصها ولم تتم إعادة جميعها. بعد التصحيح تحسنت موثوقية القوائم بشكل ملحوظ، وواجه الباحثون الذين حاولوا الطعن فيها في السنة الماضية صعوبة في العثور على أخطاء جسيمة، بل ان الباحثين على قناعة بان العدد الحقيقي للقتلى في الحرب، الذي يشمل أيضا الذين ماتوا متاثرين باثارها وما زالوا تحت الأنقاض، هو اعلى بكثير من 70 ألف شخص. ويعتقد الباحثون منذ اشهر ان الحرب حصدت أرواح اكثر من 100 ألف فلسطيني.

يجب على الجمهور الإسرائيلي ان يسال نفسه ما الذي يعنيه اعتراف الجيش بعدد القتلى الفلسطينيين بشان مصداقية مزاعمه ومزاعم الحكومة في مجالات أخرى تتعلق بالقتال في غزة – طبيعة أوامر فتح النار ومسالة إساءة معاملة المعتقلين والنهب وتجريم المستشفيات باعتبارها مرافق تابعة لحماس والتدمير المفرط وما شابه.

النقاش حول عدد القتلى قد يكون شارف على الانتهاء، لكن يتوقع استمرار النقاش حول هويتهم. مع ذلك فان اعتراف الجيش الإسرائيلي باحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية يعزز الشكوك حول دقة بيانات إسرائيل بشان نسبة القتلى من المسلحين الى المدنيين. لقد قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بان نسبة القتلى في أوساط المسلحين الى المدنيين في الحرب هي 1 : 1، أو 1.5 : 1. ولكن منظمة “العمل ضد العنف المسلح” البريطانية نشرت دراسة في هذا الأسبوع تشير الى ان النسبة لا تقل عن 5: 1. وتنضم هذه الدراسة الى تحقيقات ودراسات كثيرة تؤكد على ان نسبة القتلى المدنيين مقارنة مع القتلى المسلحين كانت اكبر بكثير مما تدعيه إسرائيل. ومثلما رفضت إسرائيل في البداية الارقام المتعلقة بالقتلى في قطاع غزة وبعد ذلك بدأت تقبلها فانه من المحتمل ان تقبل في نهاية المطاف أيضا تفاصيل هويتهم.

ان قبول الأرقام يعني أيضا تأكيد صحة قائمة الأسماء. ووفقا للقائمة فان الكثير من القتلى كانوا من النساء والأطفال والأطفال الرضع. ومن المرجح ان الكثير من الرجال الذين قتلوا كان عزل أيضا. ففي أي حرب يشكل الرجال نسبة كبيرة من اجمالي القتلى المدنيين، وفي غزة أيضا كان الرجال اكثر ميلا للمخاطرة في جلب الطعام وجمع الحطب. إضافة الى ذلك كان من الاسهل على الجيش الإسرائيلي توجيه الاتهامات اليهم.

الاعتراف بمصداقية القائمة هو خطوة أولى نحو الاعتراف بما قمنا بارتكابه في غزة في السنتين الأخيرتين: قتل عشرات الاف السكان وتدمير مدن بأكملها وتشريد تقريبا 2 مليون شخص وتجويع المئات حتى الموت. ان نظرة فاحصة على القائمة ستكشف عن حجم الفظائع – 17 رضيع ماتوا يوم ولادتهم، و115 ماتوا قبل ان يبلغ عمرهم شهر، و1054 ماتوا قبل ان يبلغ عمرهم سنة.

الرعب يتفاقم عندما يتبين ان الامر غير فظيع على الاطلاق في نظر الكثيرين في الجمهور الإسرائيلي. فقد نشر عشرات الإسرائيليين امس أسماءهم الكاملة وتعليقات الفرح والتهنئة على وفاة عائشة، وهي الطفلة الرضيعة التي لم تتجاوز شهرها الأول حسب احد المصادر. فقد كتبت اوفيك ازولاي ان هذا نبأ سار، وكتبت ارالا شيربر “جميل”، وكتب افشالوم واينبرغ “نعم، سيزدادون”، وتسيبي دافيد كتبت “ممتاز”، وأضاف براك ليفنكر “جميل الموت بدم بارد لمن قتل بدم بارد”، هذه فقط بعض الردود.

 ——————————————

هآرتس 30/1/2026

المفاوضات الامريكية مع حماس ستبقيها في غزة

بقلم: تسفي برئيل 

“هم وافقوا على ذلك، وعليهم تنفيذه. وسنعرف في الأيام القريبة القادمة، وبالتاكيد في الأسابيع الثلاثة القادمة، اذا كانوا سينفذونه. واذا لم يفعلوا فسيتم القضاء عليهم”، هكذا هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حماس وان ما عليهم فعله هو نزع سلاحهم.

بعد اقل من أسبوع على تهديد ترامب على هامش مؤتمر دافوس، قدم السفير الأمريكي في الأمم المتحدة، مايكل وولتس، في يوم الأربعاء صيغة جديدة، مرنة ومناسبة، لا تتضمن تهديد. وولتس قال: “سيتم تدمير البنية التحتية الكاملة للارهاب العسكري الهجومي، بما في ذلك الانفاق ومنشات انتاج السلاح ولن يعاد بناؤها. سيشرف مفتشون دوليون مستقلون على نزع السلاح في غزة، الذي سيشمل نقل السلاح من خلال عملية تفكيك متفق عليها، بمساعدة برنامج دمج وإعادة شراء ممول دوليا”.

لم توضح الوثيقة الغامضة التي قدمها وولتس الجهة التي ستشرف على العملية أو الجهة التي ستمول شراء السلاح وما هو معنى هذا الدمج أو اذا كانت “الصفقة” ستتم على أساس تنظيمي، أو ان أعضاء حماس سيسلمون السلاح أو “يبيعونه” بشكل فردي، او اذا كانت الصفقة ستقتصر على السلاح الشخصي (الذي يقدر بـ 60 الف قطعة) أو ستشمل أيضا مئات الصواريخ والقذائف ومواد تخريبية أخرى. لم يذكر وولتس جدول زمني، ولم توضح خطته اذا كان الهدف هو تنفيذها قبل بدء مرحلة إعادة الاعمار أو مدة استمرارها. وبشكل خاص، من غير الواضح اذا كانت الخطة قد نوقشت مع حماس أو اذا كانت وافقت على تبنيها. في الواقع كانت لدى حماس إجابة قاطعة على السؤال الأخير. فقد صرح موسى أبو مرزوق، القيادة البارز في حماس، في قناة “الجزيرة” في يوم الأربعاء وقال: “حماس لن توافق ابدا على تسليم سلاحها. وسلاح المقاومة لم يكن موضوع نقاش أبدا”.

أبو مرزوق لم يكن دقيق. فالمحادثات حول نزع السلاح تجري منذ عدة أسابيع مع أعضاء حماس في مصر وقطر وتركيا، ولكن لم يتم التوصل الى أي تفاهمات ملموسة حتى الآن. وفي كانون الأول صرح وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية: “سيتم التوصل الى اتفاق بشان نزع السلاح بين الفصائل الفلسطينية. انا اعتقد انه يمكن التوصل الى صيغة يتم بحسبها تسليم السلاح بالتدريج ضمن اطار فلسطيني”. ولم يتم سؤال عبد العاطي عن ماهية هذا الاطار الفلسطيني، لكن حسب مصدر فلسطيني رفيع فان النية هي تسليم السلاح للشرطة الفلسطينية التي ستصل الى غزة برعاية الهيئة الديمقراطية وتحت اشراف مجلس الإدارة المدنية برئاسة نيكولاي ملادينوف.

مبدأ التدرج طرحه وزير خارجية تركيا هاكان فيدان قبل أسابيع. وفي الشهر الماضي صرح وقال: “لا يمكن ان يكون نزع السلاح الخطوة الأولى في هذه العملية، يجب التقدم بالترتيب الصحيح والبقاء واقعيين”، هذا يعني حسب رايه بان نزع سلاح حماس بشكل سريع وكامل هو غير منطقي ضمن الجدول الزمني الذي حدده الرئيس ترامب. ربما يدرك فيدان والرئيس التركي اردوغان اكثر من أي زعيم آخر في المنطقة المعنى العملي لنزع سلاح التنظيمات الإرهابية. فخلال نصف قرن تقريبا تخوض تركيا حرب ضد المقاومة الكردية التي جبت أرواح عشرات الالاف. وقد باءت محاولات التوصل الى اتفاق مصالحة ونزع سلاح المقاومة بالفشل الذريع، ولم تتمكن الأطراف الا في السنة الماضي من التوصل الى بداية اتفاق أعربت فيه المقاومة عن استعدادها لنزع سلاحها بشكل عام. هنا أيضا هذه العملية تعتبر معقدة اذ انه من المفروض ان تشمل العفو عن حاملي السلاح والاعتراف بالحقوق الثقافية للاكراد واستثمارات مالية ضخمة في المناطق الكردية.

غزة ليست الساحة الوحيدة التي تسعى فيها الولايات المتحدة الى نزع سلاح المليشيات والمنظمات المسلحة غير الحكومية. ففي العراق بدات حملة نزع سلاح المليشيات في فترة ولاية جو بايدن عندما طالب وزير خارجيته انطوني بلينكن في 2024، رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بنزع سلاح ثلاث مليشيات موالية لإيران. وحتى لو تم اعتماد هذا النهج التدريجي لما كان سيحل مشكلة الجيش الموازي الذي اقامته ايران في العراق. يضم هذا الجيش 12 مليشيا موالية لإيران في اطار “الحشد الشعبي”، وهو الجهاز العسكري الذي تشكل في 2014 لمحاربة داعش. وقد تضخم هذا الجهاز بشكل كبير واصبح يضم اكثر من 220 الف جندي، أي اكثر من الجيش الوطني العراقي. صحيح انه كان تابع قانونيا لوزارة الدفاع في العراق، لكن هذا اداري فقط. اما في نشاطاته العسكرية فهو مستقل وينسق تحركاته مع “قوة القدس” التابعة لحرس الثورة ومع سياسيين عراقيين.

في هذه السنة قرر ترامب تصعيد جهوده لتفكيك هذا الاطار الخارج عن الجيش. وكعادته هدد بالحاق الضرر بالاقتصاد العراقي اذا تم تعيين أعضاء من المليشيات الموالية لإيران في الحكومة القادمة. وقد اعلن بعضهم، بالمناسبة، استعدادهم لنزع السلاح مقابل تعويضات سياسية واقتصادية. ولكن المليشيات الكبيرة التي تشكل ركيزة النفوذ الإيراني في العراق أوضحت بانها لن تنضم لهذه الخطوة “في الوقت الراهن”. في سوريا اتبع ترامب نهج مختلف واكثر مرونة. فقد سمح للرئيس احمد الشرع بدمج المليشيات الإسلامية المتشددة في الجيش السوري الجديد وانشاء وحدة منفصلة لها، التي بعد إعادة تاهيلها يمكن دمجها في الجيش. مع ذلك ما زالت هناك مليشيات مسلحة مستقلة تنشط في سوريا، من بينها التي شاركت في مجازر العلويين والدروز. ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجهه النظام السوري في دمج القوات الكردية والدرزية في الجيش الوطني وهي العملية التي أدخلت الإدارة الامريكية بالفعل الى صراع مع القوات الانفصالية، ويتوقع ان يتفاقم هذا الصراع نظرا لمطالبتهم بالحكم الذاتي او ضمان حقوقهم العرقية. ورغم ان ترامب لا يفرض ضغط زمني على سوريا (خلافا لحماس)، الا ان ضغطه الكبير على الاكراد اثر وقف اطلاق النار بينهم وبين الجيش السوري. ويقدر انه سيتم التوصل في القريب الى اتفاق شامل، او فرضه، لتنظيم وضعهم.

في لبنان اعلن الرئيس جوزيف عون في بداية الشهر عن استكمال المرحلة الأولى في خطة نزع سلاح حزب الله، على ان تبدأ المرحلة الثانية في الشهر القادم وهي جمع السلاح الموجود بين نهر الليطاني ونهر الاولي. وتواصل إسرائيل هجماتها في لبنان بادعاء ان جنوب لبنان لم يتم تطهيره بالكامل من السلاح. ولكن الإدارة الامريكية يبدو انها تبنت بالفعل الخطة المرحلية. ولم تسمع تهديدات “فتح باب جهنم” على لبنان مؤخرا. ويتوقع ان يعرض قائد الجيش اللبناني، رودولف هيكل، في الأسبوع القادم خطة عمل لمواصلة نزع السلاح على كبار المسؤولين في الإدارة الامريكية والجيش الأمريكي. ويتوقع ان تستمر هذه الخطة بضعة اشهر على الأقل طالما انه لم تتطور مواجهة عنيفة بين الجيش وحزب الله. يبدو أيضا انه في ظل التوتر في الخليج وتوقع هجوم امريكي على ايران ورد إيراني ان الضغط على لبنان لن يكون قريبا على راس أولويات الإدارة الامريكية. واذا قرر حزب الله الانضمام للحملة ومهاجمة إسرائيل فستكون إسرائيل هي التي ستتعامل مع الحزب وليس الجيش اللبناني.

يكمن الفرق بين معركة الولايات المتحدة لتقليص الوجود العسكري للمليشيات والمنظمات المسلحة في دول المنطقة وبين تحركاتها ضد حماس في أن لكل دولة من هذه الدولة حكومة ذات سيادة، تمتلك جيش ومصلحة في التصدي لهذه المنظمات. ويمكن للولايات المتحدة ان تمارس الضغوط أو التهديدات أو تتفاوض للتوصل الى حل ينقل المسؤولية الى الدولة. اما في غزة فلا توجد حكومة ذات سيادة، ويتم اجراء المفاوضات مع حماس من خلال دول وساطة أو من خلال الولايات المتحدة مباشرة (في حالات استثنائية)، ويلتزم الوسطاء بالعمل على نزع سلاح حماس، لكن بعضهم مثل قطر وتركيا، غير مسموح لهم حاليا بالعمل في قطاع غزة. ولم يتم بعد تشكيل القوة متعددة الجنسيات التي من المفروض ان تنزع سلاح حماس حسب خطة ترامب، ولا يعرف متى سيتم تشكيلها.

ظاهريا تمتلك إسرائيل الحق والقدرة على شن حملة عسكرية جديدة في غرب غزة، في محاولة لتحييد حماس عسكريا. ولكن هذا لا يعني تجميد كامل لتنفيذ خطة ترامب وإلغاء خطة إعادة الاعمار وإعادة مسؤولية إدارة غزة لإسرائيل، مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية وسياسية وإنسانية واقتصادية. صحيح ان ترامب يهدد بتدمير حماس اذا لم تقم بنزع سلاحها، لكن لا يبدو في الوقت الراهن بأنه مستعجل لاعطاء إسرائيل الضوء الأخضر من اجل تنفيذ هذا التهديد. فهو يفضل فحص بدائل “إدارية” تدريجية على شاكلة النموذج الذي اعتمده في سوريا، العراق ولبنان. عمليا، هذا تفاوض سياسي مع حماس حول وضعها في المستقبل. اذا كان هذا هو قرار ترامب فيتوقع أيضا ان تستمر حماس في الوجود في القطاع، وان تصبح جزء من الإدارة المدنية المحلية كجزء من التعويض الذي ستحصل عليه مقابل نزع سلاحها.

 ——————————————

يديعوت أحرونوت 30/1/2026

تحدي شعث: من الصعب القضاء على حماس، ونزع التطرف في غزة

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

يركز الجزء الثاني من المرحلة على حكومة التكنوقراط (المسماة رسميًا اللجنة الوطنية لإدارة غزة)، والتي تشُكّلت قبل نحو أسبوعين في القاهرة. تتألف اللجنة من 12 عضوًا (مع أن المفترض شغل 15 منصبًا)، جميعهم من التكنوقراط الغزيين ذوي الصلات بالسلطة الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، شغل علي شعث، رئيس اللجنة، منصب نائب وزير النقل سابقًا؛ وشغل أسامة السعداوي، عضو آخر، منصب وزير في السلطة؛ بينما ترأس آخرون هيئات تابعة لها، كالمؤسسات الأكاديمية. وينتمي معظم أعضاء اللجنة إلى عائلات عريقة وميسورة الحال في غزة، مثل الريس والترزي وأبو رمضان، ويكاد ينعدم تمثيل اللاجئين الذين يشكلون نحو 70 في المئة من سكان غزة.

لقد رحّبت حماس بتشكيل اللجنة، وأعلنت أنها ستسلمها صلاحيات الحكم في قطاع غزة (وقد شارك أعضاؤها في مفاوضات على مدار العام الماضي لتشكيلها). مع ذلك، يُثير تعيينان استياءً داخل الحركة: الأول، سامي نسمان، المُفترض أن يُسند إليه ملف الأمن الداخلي، الذي كان سابقًا مسؤولًا رفيعًا في جهاز المخابرات العامة للسلطة الفلسطينية، وتزعم حماس أنه تورط في تعذيب معتقلين تابعين للحركة، والقضاء على عناصر من حركة الجهاد الإسلامي، وإدارة خلايا تفجيرية استهدفت حكومة حماس، ما أدى إلى سجنه 15 عامًا. ومن المُحتمل أن يعود إلى غزة بعد غياب دام عقدين (إذ فرّ عقب سيطرة حماس عليها عام 2007). أما الشخصية الثانية التي تُثير استياءً في حماس، والتي ربما تم تهميشها، فهي رامي الخالص، مفتي الحرس الرئاسي السابق للسلطة الفلسطينية، المُرشح لتولي منصب وزير الشؤون الدينية، والذي ينتقد حماس بشدة (إذ وصف الحرب بأنها “طوفان الأقصى الوهمي” الذي جلب الكارثة على الفلسطينيين)، ويسعى إلى إقامة إسلام معتدل على غرار حركة “الوسطية” الدينية التي ينتمي إليها.

“يُعلق الغزيون آمالاً كبيرة على وصول اللجنة قريباً إلى أرض الواقع وإحداث تغيير، لكن ثمة تساؤلات حول صلاحياتها”، هذا ما أوضحه الصحفي الغزي المخضرم ر. في حديثٍ هذا الأسبوع. “المشكلة الأولى تكمن في شعث فهو رجلٌ كفؤ لكنه ضعيف الشخصية، ويشكّك البعض في قدرته على إحداث تغيير جذري. ثانياً، هناك شكوكٌ كبيرة من جانب السلطة الفلسطينية تجاه بعض الوزراء المقربين من دحلان، وعلى رأسهم نسمان، الذي يُنظر إليه أيضاً على أنه يعمل لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، كما تُثار شائعاتٌ حول صلة شعث بدحلان، وعن تحكم ويتكوف به. يُمثل الوزراء المقربون من دحلان مصالح الإمارات العربية المتحدة (التي يعمل تحت رعايتها)، مما يُثير شكوكاً سعودية تجاه حكومة التكنوقراط نظراً للتوترات القائمة بينها وبين الإمارات بشأن الأزمة في جنوب اليمن”.

… يُبدي الصحفي الغزي وسام عفيفة، المنتمي لحركة حماس، موقفاً متشككاً، متسائلاً: “كيف ستعمل اللجنة دون تخطيط واضح وسلطة محددة؟”. في المقابل، يُقدم سامر سنجلاوي، المنتمي لمعسكر دحلان، موقفاً أكثر تفاؤلاً في حديثٍ جرى يوم الثلاثاء، قائلاً: “ستُمنح اللجنة خيار السيطرة على رأس المال، وهي تحظى بدعم أمريكي، وبالتالي ستكون قادرة على إحداث تغييرات جذرية في غزة. لن أتفاجأ إذا أصبحت غزة تدريجياً محور صنع القرار في النظام الفلسطيني. صحيح أن للجنة صلة برام الله، لكنها تتمتع أيضاً بقدر من الاستقلالية”.

يرفع شعث، الحاصل على دكتوراه في الهندسة المدنية، سقف التوقعات من خلال المشاريع التي يقول إنه سيسعى إلى الترويج لها قريبًا: على المدى القريب، افتتاح معبر رفح، الذي من المرجح أن يبدأ تشغيله الأسبوع المقبل، والذي سيُغادر منه نحو 22 ألف شخص من المرضى والجرحى الذين هم في أمس الحاجة إلى المساعدة، ومن المتوقع أن يعود عبره حشود غزيين غادروا القطاع منذ 7 أكتوبر (نحو 130 ألفًا). بعد ذلك، جلب 200 ألف قافلة للنازحين في القطاع، وإعادة تأهيل شبكة الكهرباء، إلى جانب منح إعفاءات ضريبية واسعة النطاق لسكان القطاع (مما قد يؤدي إلى توترات مع حماس). ويؤكد شعث أيضًا أنه سيعمل في ضوء خطة إعادة تأهيل غزة التي نشرتها مصر في آذار 2025، والتي تلعب القاهرة في إطارها دورًا محوريًا في دعم المشاريع، مع إشارة هامشية إلى مسألة نزع سلاح القطاع.

في الواقع، تُعد مسألة نزع سلاح حماس العقبة الرئيسية: إذ لا يزال نتنياهو يطالب بنزع السلاح الكامل. يهدد ترامب (وليس للمرة الأولى) بـ”الجحيم” و”المهلة النهائية”؛ في المقابل، توضح حماس أن السلاح عنصر أساسي في هويتها. وأوضح سهيل الهندي، عضو المكتب السياسي لحماس (المقيم في تركيا)، هذا الأسبوع: “أسلحتنا ليست هجومية، بل دفاعية، وهي موجودة في كل منزل تقريبًا، من بين أمور أخرى، لمواجهة العصابات الإجرامية التي أنشأتها إسرائيل (الميليشيات)”.

في غضون ذلك، لا يزال الوسطاء، بقيادة مصر، يعملون على صياغة حل وسط لنزع “الأسلحة الثقيلة” (وخاصة الصواريخ)، وهو أمر قد تستجيب له حماس بشكل إيجابي، وقد يقبله ترامب أيضًا، لينضم بذلك إلى قضايا أخرى تتسع فيها الفجوة بين واشنطن والقدس. وبالتالي، من المحتمل أنه مع انتهاء “أزمة رفح”، ستتزايد الضغوط في مجالات أخرى، بما في ذلك تعميق الانسحاب من “الخط الأصفر” (حتى دون أن تنزع حماس سلاحها بالكامل)، ودفع جهود إعادة الإعمار، وربما حتى نشر قوات أجنبية في قطاع غزة.

تسعى حماس، التي أفادت التقارير هذا الأسبوع أنها تخطط لدمج عشرة آلاف من مسؤوليها في الحكومة المقبلة، إلى تطوير نموذج مُحسّن لحزب الله، وتأسيس الحكومة الجديدة كغطاءٍ يُخفي وراءه استمرار أعمالها. وبعيدًا عن إعادة تأهيل الجناح العسكري، تُركّز حماس على الحفاظ على نفوذها في الأجهزة التي تُشكّل الوعي وتُحكم السيطرة على الشعب، والتي تتمحور حول التعليم والمؤسسة الدينية. فعلى سبيل المثال، تُقام أسبوعيًا مسابقة لحفظ القرآن بمشاركة مئات الشباب، الذين يستوعبون بذلك تعاليم المنظمة.

في ظل الوضع المُعقّد الذي نشأ، لا بدّ من الاعتراف بوجود فجوتين هامتين: الأولى بين أهداف الحرب المُحدّدة والواقع المُتأصّل؛ والثانية مع اتساع الفجوة بين موقف إسرائيل، التي تُطالب بالسماح لها بالعودة إلى القتال في أي مرحلة، وبقية العالم، بما في ذلك ترامب، الذي لا يزال يُطمح لجائزة نوبل للسلام ويرى في غزة أحد أبرز نجاحاته الدولية، لذا يُشكّ في إمكانية سماحه بمثل هذه الخطوة.

… إن العودة إلى القتال أمرٌ واردٌ جدًا، لكن ثمنها سيكون باهظًا إذا ما اقترنت بمواجهة مع ترامب. في الواقع، لا تملك إسرائيل حاليًا إلا خيارًا واحدًا: قبول حكومة التكنوقراط. من الممكن الاستمرار في التمسك بمواقف التحدي، وبالتالي فقدان أهميتها – كما حدث في الأشهر الأخيرة – ومن الممكن، من جهة أخرى، قبول الواقع الجديد باعتباره أهون الشرين والتركيز على تحقيق أهداف استراتيجية جوهرية: الحفاظ على حرية العمل ضد أي تهديد، كما هو الحال في لبنان؛ وضمان بقاء محور فيلادلفيا ومعبر رفح تحت سيطرة جهات غير فلسطينية (يفضل أن تكون أمريكية)؛ والمطالبة بحق النقض (الفيتو) على دخول القوات الأجنبية المعادية إلى غزة.

لا يعني هذا أن إسرائيل مُلزمة بالاعتراف بوجود حماس، بل بإدراك أنه في ظل الظروف الراهنة، سيكون من الصعب القضاء عليها، فضلًا عن تعزيز نزع التطرف في غزة. بعد تحقيق حكومي شامل، وربما تغيير في القيادة، سيصبح من الممكن البدء في وضع استراتيجية منهجية لحملة مستقبلية ضد هذا التهديد الذي من غير المرجح أن يزول أو يُحيد في أعقاب التغيير الحالي في غزة. ويظل جوهر هذا التهديد هو التوق إلى تكرار أحداث السابع من أكتوبر.

——————————————

يديعوت 30/1/2026

خيارات الولايات المتحدة في مواجهة إيران: عملية عسكرية او التوصل إلى اتفاق

بقلم: د. راز تسيمت

بينما يستمر الترقب القلق لهجوم أمريكي محتمل على إيران، يبدو أن الرئيس ترامب لم يتخذ قرارًا بعد. تتراوح الخيارات المتاحة أمام الإدارة الأمريكية بين هجوم واسع النطاق يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني والتوصل إلى اتفاق مع طهران يمنع أي هجوم أمريكي. لا يخلو أي من هذه الخيارات من المخاطر، لا سيما في ظل خطر التصعيد في حال الرد الإيراني المتوقع. علاوة على ذلك، يبقى من المشكوك فيه ما إذا كانت هذه البدائل قادرة على تحقيق الهدف المنشود من وجهة نظر الولايات المتحدة، وهو أمر غير واضح أيضًا. في هذه المرحلة: الإطاحة بالنظام الإسلامي، واستبدال الزعيم الحالي، واتخاذ إجراءات عقابية ردًا على القمع العنيف للاحتجاجات، أو فرض اتفاق على طهران وفقًا للمطالب الأمريكية.

إذا كان الرئيس ترامب يسعى بالفعل إلى تغيير شامل للنظام في طهران، فمن المشكوك فيه أن يتمكن هجوم أمريكي – مهما بلغ حجمه – من تحقيق هذا الهدف في ظل واقع قمع موجة الاحتجاجات التي اندلعت أواخر كانون الأول 2025 وبلغت ذروتها ليلة الخميس 8 كانون الثاني، بوحشية النظام الإيراني المعهودة. لا سبيل لتقييم ردة فعل المواطنين الإيرانيين في حال وقوع هجوم أمريكي. فبالنسبة للبعض، قد يُشكل هذا الهجوم دافعًا قويًا يُشجع الكثيرين على النزول إلى الشوارع مجددًا. في المقابل، عانى آخرون من صدمات نفسية بالغة، ومن غير المرجح أن يُخاطروا بحياتهم مرة أخرى في مواجهة قوات الأمن المنتشرة في شوارع المدن الرئيسية، على الأقل حتى يقتنعوا تمامًا بوجود فرصة حقيقية هذه المرة للإطاحة بالنظام. قد يُسهم هجوم أمريكي مُستهدف، قد يُحاول التأثير بشكل مباشر على كبار مسؤولي النظام، بمن فيهم المرشد خامنئي، في إحداث تغيير في القيادة الإيرانية، على غرار ما حدث في فنزويلا، لكن من المشكوك فيه أن يُفضي ذلك إلى التحول المنشود في سياسة الجمهورية الإسلامية في المستقبل القريب. وثمة خيار آخر يتمثل في فرض حصار بحري مُطوّل يُحدّ من صادرات النفط الإيرانية، لكن من المشكوك فيه أن يُحقق هذا الخيار، الذي قد يُؤدي إلى تصعيد إقليمي، ومحاولات إيرانية لعرقلة صادرات النفط من الخليج العربي، وارتفاع أسعار النفط العالمية، إنجازًا سريعًا وحاسمًا يُمكن للرئيس ترامب تقديمه على أنه نصر. كما يبدو التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة أمرًا صعب المنال، لا سيما في ظل تردد المرشد الإيراني المعروف والشكوك المُستمرة بشأن التزام طهران بالاتفاقيات التي تتضمن تنازلات واسعة النطاق.

 التشبث بالسلطة

في هذا الواقع، حتى لو انتهت فترة الانتظار الحالية قريبًا – سواء بضربة عسكرية أو باتفاق ما بين طهران وواشنطن – فمن الواضح أنه طالما بقي الزعيم الإيراني الحالي ممسكًا بزمام السلطة، فلا يُتوقع أي تغيير جوهري في سياسة إيران الداخلية أو الخارجية. قد يُبدي خامنئي، “آخر الثوار الإيرانيين”، قدرًا من المرونة ويوافق على تنازلات تكتيكية لكسب الوقت، على سبيل المثال فيما يتعلق بتعليق تخصيب اليورانيوم، الساري منذ حرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025. مع ذلك، فإن أولئك الذين يتوقعون منه أن “يشرب الكأس المسمومة”، كما فعل سلفه، آية الله الخميني، عندما وافق على وقف إطلاق النار مع العراق العام 1988، قد يجدون أن هذه آمال زائفة. بالنسبة للخميني، كان قراره بتغيير موقفه بشأن إنهاء الحرب مع العراق، في الوقت الذي كان فيه حكم صدام حسين على المحك، تنازلاً اضطر إليه في ظل المأزق الذي وجدت إيران نفسها فيه بعد ثماني سنوات من القتال، لكنه لم يكن كافياً لتهديد وجود الجمهورية الإسلامية نفسها. أما بالنسبة لخامنئي، فإن الموافقة على مطالب الرئيس ترامب، والتي تشمل أيضاً قيوداً كبيرة على منظومة الصواريخ الباليستية ووقف دعم وكلاء إيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، تُعتبر استسلاماً كاملاً قد يُضعف إيران ويمهد الطريق لتحقيق هدف الولايات المتحدة الاستراتيجي: تغيير النظام الإسلامي وتسريع انهياره. لذلك، حتى لو وافق على بعض التنازلات التكتيكية، فمن المشكوك فيه أن يتراجع عن مبادئه الأساسية.

وبغض النظر عن تطور الصراع بين إيران والولايات المتحدة، فإن النظام الإيراني لا يملك الأدوات اللازمة للتعامل مع سلسلة الأزمات التي يواجهها. تفاقمت أزمة شرعية النظام الإيراني عقب مجزرة المتظاهرين، وازدادت الأزمة الاقتصادية حدةً بعد أسابيع من حجب الإنترنت واستمرار إغلاق العديد من الشركات. وحذّر رئيس جمعية الأعمال الافتراضية في إيران مؤخراً من أن الاقتصاد الرقمي للبلاد على وشك الانهيار. ووفقاً له، فقد شهدت العديد من الشركات الإلكترونية انخفاضاً في المبيعات يصل إلى 80 في المئة بعد انقطاع الإنترنت، ويعيش نحو مليون شخص يعتمدون في معيشتهم على المبيعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالةً من عدم اليقين.

 إدارة الصراع

بعد حرب الأيام الاثني عشر، بدا أن القدرة على إدارة الوضع الراهن بين إيران وإسرائيل على المدى الطويل، دون الانجرار إلى جولة أخرى من القتال، محدودة للغاية، سواءً بسبب خطر سوء التقدير بين البلدين، أو بسبب قرار إيراني بإعادة تأهيل المواقع النووية المتضررة، أو استئناف تخصيب اليورانيوم على أراضيها، أو مواصلة تطوير قدراتها الصاروخية. مع ذلك، في ظل الواقع الراهن، من المشكوك فيه أن يكون لدى إسرائيل بديل أفضل من الاستمرار في “إدارة الصراع” إلى حين تغير الظروف السياسية في إيران، الأمر الذي قد يفتح آفاقًا جديدة، سواءً أكان ذلك نتيجة لتغيير النظام، أو على الأقل، تغيير في تركيبة النظام بعد وفاة الزعيم المسن أو عزله. من الواضح أن التسوية السياسية مع إيران في هذا الوقت قد لا توفر فقط شريان حياة للنظام، لا سيما في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها منذ عقود، بل لا يوجد أيضًا ما يضمن استدامتها على المدى الطويل في ظل حالة عدم اليقين التي تُهيمن حاليًا على الجمهورية الإسلامية، والتي تبدو في طور التدهور التدريجي.

لا يعني هذا التوقف عن العمل. في هذه المرحلة، يجب مواصلة الضغط السياسي والاقتصادي الدولي على النظام لإضعافه وعزله واستنزافه قدر الإمكان؛ والحفاظ على القدرات العسكرية وقدرات التدابير المضادة السرية وتطويرها لمنع أو على الأقل تأخير استعادة إيران لقدراتها النووية والصاروخية؛ وتشكيل تهديد حقيقي – بما في ذلك تهديد بقاء النظام نفسه – يردع طهران عن اتخاذ أي خطوات تهدف إلى امتلاك أسلحة نووية؛ والحفاظ على قنوات اتصال متنوعة للحد من مخاطر سوء التقدير؛ ومواصلة أنشطة الإنفاذ الجارية التي من شأنها تأخير استعادة قدرات المحور الموالي لإيران في المنطقة؛ وتطوير أدوات متنوعة يمكن أن تساعد حركة الاحتجاج في سيناريو معقول لتجددها، ربما في الأشهر المقبلة. حتى وإن لم تُشكل هذه الخطوات حلاً مثالياً خالياً من المخاطر، يبدو أنه لا خيار أمامنا حالياً سوى الاستمرار في سياسة الترقب الحذر إلى حين تغير الظروف السياسية في إيران بشكل أو بآخر.

——————————————

معاريف 30/1/2026 

التقرير السنوي: نحو مليوني إسرائيلي تحت خط الفقر

بقلم: يوفال بغنو

مثلما في كل سنة، تعرض مؤسسة التأمين الوطني اليوم تقرير الفقر الرسمي للعام الذي سبق العام المنصرم. هذه المرة للعام 2024، الذي كان العام الأول لحرب 7 أكتوبر. يمكن ان نرى منذ الان في التقرير تأثر الحرب على الاقتصاد بما في ذلك على وضع الفقر في سكان إسرائيل.

يشير التقرير الى تفاقم متواصل لوضع فقراء إسرائيل الاقتصادي على خلفية الحرب، غلاء المعيشة والابطاء في النمو الاقتصادي.

وحسب التقرير، في العام 2024 كان يعيش نحو مليوني إسرائيلي فقير بينهم نحو 880 الف طفل، اكثر من ربع عموم الأطفال في إسرائيل. إسرائيل تندرج في المرتبة الثانية بين دول الـ OECD، بعد كوستريكا، في معدل الأطفال الذين يعيشون تحت خط الفقر بين عموم الأطفال – 28 في المئة وهذا ارتفاع مقارنة بـ 2023، حين بلغ المعطى 27.6 في المئة (872.000 طفل).

يعاني الأطفال في إسرائيل من ميل متواصل للفقر في السنوات الأخيرة. ويشير التقرير الى ان احد المعاني الأساس لذلك هو الأذى المتواصل لرأس المال البشري – أذى يلحق بالإنجازات التعليمية، في الصحة وفي القدرة على نيلهم الرزق في المستقبل.

تضررت عائلات مع أطفال بشكل مباشر من ثمن الحرب – غياب الاهل عن سوق العمل بسبب خدمة الاحتياط، النزوح، الإقالة، الضرر الذي لحق بالاعمال التجارية الصغيرة ورزق المستقلين.

حسب تقرير الفقر في إسرائيل يعيش نحو 158.700 فقير من أبناء الجيل الثالث. هذا مدى فقر يفوق المتوسط في دول الـ OECD. يدور الحديث عن 12.5 في المئة من مواطني إسرائيل القدامى. معدل المواطنين القدامى (كبار السن) الذين يعيشون في الفقر اعلى في أوساط الذين يسكنون وحدهم مقارنة مع من يسكنون مع العائلة – 19.3 في المئة و 8.2 في المئة على التوالي.

كما أن الفوارق الاجتماعية في إسرائيل تواصل التعمق: 65.1 في المئة يأتون من بلدات المحيط ومن السكان الضعفاء ومنهم عائلات عربية وحريدية. يدور الحديث عن معدل نحو ضعف نسبتهم في عموم السكان. مدى الفقر في محافظات القدس، الشمال والجنوب اعلى من المتوسط ونسبة العائلات الفقيرة بينهم تصل الى 36.5، 21.6 و 22.3 في المئة على التوالي. بالمقابل في محافظات تل أبيب والوسط المعدلات ادنى من المتوسط.

مقياس جيني لعدم المساواة في الدخل حسب الدخل الصافي انخفض بين 2023 و 2024 بمعدل 0.6 في المئة. كما حل انخفاض أيضا في عدم المساواة حسب الدخل الاقتصادي لكن بمعدل اكثر اعتدالا 0.2 في المئة. مع ذلك الحراكات طفيفة جدا، وعمليا مستوى الدخل منذ زمن بعيد ليس المقياس الوحيد للفقر، وعدم المساواة في اسرائيل هو أيضا اعلى مقارنة بالدول المتطورة حسب مقاييس مختلفة.

27.8 في المئة من الاقتصادات المنزلية في إسرائيل لا تنجح في اغلاق الشهر وتمويل كل النفقات. 9 في المئة يتنازلون عن علاج طبيب بسبب مصاعد اقتصادية، و 4.7 في المئة يتنازلون عن وجبة ساخنة مرة على الأقل كل يومين ببسبب مصاعب اقتصادية. في التحليل حسب أجزاء مختلفة من السكان، الاعداد ترتفع – نحو نصف العرب لا ينجحون في تمويل كل النفقات الشهرية، وهكذا أيضا نحو 29 في المئة من الحريديم. في أوساط عموم المواطنين سجل ارتفاع طفيف في معدلات الفقر منذ 2023، من 20.6 في المئة الى 20.7 في المئة. خط الفقر في إسرائيل يبلغ 3.547 شيكل ومن دخله تحت هذا المبلغ يوجد حسب مقاييس الـ OECD في حالة فقر.

حسب التقرير، خط الفقر لزوجين في دولة إسرائيل يقف عند 7.095 شيكل، وخط الفقر لزوجين مع 3 أطفالا 13.303 شيكل.

يظهر التقرير انه رغم الارتفاع الحقيقي في الدخل وخط الفقر الذي ارتفع بـ 229 شيكل الى 3.547 شيكل في العام 2024، فان 28.1 في المئة من الإسرائيليين يعيشون في عدم امان غذائي لاسباب اقتصادية وبينهم نحو مليون طفل. نحو 26 في المئة من الإسرائيليين لا ينجحون في تمويل غذاء صحي. وفي التأمين الوطني يعترفون بان “هذا معطى يشهد على عمق الازمة بتجاوز التعريف الرسمي للفقر”. هذه المعطيات تنسجم مع نتائج تقرير الفقر البديل التي نشرت في وقت سابق ويقيس الفقر في إسرائيل وفقا لمقياس متعدد الابعاد وكانت نتائجه اخطر بكثير.

ايلي كوهن، مدير عام منظمة “فتح قلب” يقول: “هذا هو تقرير الفقر الاخطر في تاريخ دولة إسرائيل. التقرير هو فقط صورة وضع للفقر لكنه لا يعنى على الاطلاق بالاعمال التي ينبغي عملها كي يغير التهديد الاجتماعي الأكبر. في الدورة السابقة للكنيست سن قانون السلطة الوطنية لمكافحة الفقر التي لم تقم بعد. يخيل ان هذه هي الفجوة الأكبر التي ينبغي معالجتها”.

——————————————

هآرتس 30/1/2026

نتنياهو يعتقد ان فشل خطة ترامب سيعطيه الضوء الأخضر لاحتلال قطاع غزة

بقلم: عاموس هرئيلِ 

 تستند سياسة حكومة إسرائيل في قطاع غزة في الوقت الحالي على أمل واحد وهو ان تنهار في الأشهر القادمة مساعي الولايات المتحدة لفرض واقع امني وسياسي جديد في القطاع. وعندها ربما يعطي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لمحاولة إعادة احتلال القطاع. هذه المرة يامل المؤيدون ان يقوم الجيش الإسرائيلي بنزع سلاح حماس بالفعل، ويمهد الطريق لنصر كامل حتى لو تأخر. ولكن نتنياهو لن يقوم بهذه الخطوة الا اذا كانت تخدم هدفه الرئيسي وهو البقاء في الحكم والفوز في الانتخابات.

 إعادة جثة آخر المخطوفين، ران غوئيلي، انهت قضية الاختطاف في هذا الأسبوع، حيث تم العثور على الشرطي غوئيلي، الذي قتل اثناء الدفاع عن كيبوتس عالوميم في 7 تشرين الأول، في مقبرة جماعية في شرق مدينة غزة بين مئات جثث الفلسطينيين. هذه المرة لم تحصل حماس على هذه المعلومات، بل تم الحصول عليها بعد اختطاف والتحقيق مع احد أعضاء الجهاد الإسلامي من قبل جهاز الشباك قبل شهر تقريبا. مع إزالة آخر عقبة يبدو ان ترامب مصمم على التنفيذ الفعلي للمرحلة الثانية في الاتفاق الذي فرضه على الأطراف في تشرين الأول الماضي. ومن المفروض ان تشمل هذه المرحلة البدء في بناء احياء جديدة في رفح، وبعد ذلك في مناطق أخرى في القطاع، في نصفه الشرقي الذي يخضع حاليا لسيطرة إسرائيل.

 في نفس الوقت ستبدأ حكومة التكنوقراط الفلسطينية والهيئات الدولية المكلفة بمساعدتها ومراقبة عملها، بما في ذلك قوة الامن والاستقرار، بالتحرك. وهناك أمور أخرى مهمة لإسرائيل، من بينها طلبها من حماس نزع سلاحها. وتقول الإدارة الامريكية بانها ستعطي حماس مهلة 100 يوم للاستعداد من اجل ذلك، واذا لم يتم هذا فستضطر الى التدخل بنفسها (أو ترك الامر لإسرائيل). وستحاول حماس التوصل الى اتفاق لتسليم السلاح الثقيل، بما في ذلك ما بقي من ترسانة الصواريخ الضخمة التي كانت تمتلكها عشية الحرب، وسيدور الخلاف حول التمييز بين المسدسات والرشاشات. قد توافق إسرائيل على حاجة رجال الشرطة المتماهين مع حماس لحمل المسدسات للدفاع عن النفس، لكن بندقية الكلاشينكوف هي سلاح هجومي قادر على احداث اضرار جسيمة مثلما ثبت في يوم المذبحة.

 في الجيش الإسرائيلي تم اعداد خطط عملياتية لاحتلال قطاع غزة اذا انهار الاتفاق. مع ذلك فان التعليمات الصادرة للجيش هي عدم عرقلة تنفيذها واثارة غضب الأمريكيين. وقد يتصاعد التوتر من جديد حول معبر رفح، الذي تسعى الإدارة الامريكية الى تسريع فتحه. تشعر إسرائيل بالقلق وتؤكد بشكل خاص على ضرورة السيطرة على دخول البضائع من مصر الى الطرف الفلسطيني نظرا لوجود طريق تهريب السلاح التي تمر عبر المعبر بمساعدة مصرية منذ الانفصال في 2005.

 بتوجيهات أمريكية فان إسرائيل تهتم بان تدخل الى القطاع حوالي 4200 شاحنة في الأسبوع، التي تحمل مواد ومساعدات إنسانية. لكن الحاجة الفعلية، يقولون في قسم منسق اعمال الحكومة في المناطق، بصعوبة تصل الى ربع هذه الكمية. ما زالت الحياة في القطاع بعد وقف اطلاق النار صعبة جدا، لكن مقارنة مع أيام الحرب الضارية فان نقص الاحتياجات اليومية اقل حدة، وهناك وفرة في بعض أنواع السلع. قلق إسرائيل يتمحور حول الضرائب التي تجبيها حماس والتي تبلغ 15 في المئة على كل شاحنة، أي 10 ملايين شيكل في الشهر. ان من يتحدث حاليا عن تخلي حماس الكلي عن السيطرة في قطاع غزة مقطوع عن الواقع، واذا حدث ذلك في المستقبل فسيكون نتيجة تصميم الولايات المتحدة (في هذه الاثناء واشنطن تفضل غض النظر) أو الضغط العسكري الإسرائيلي.

يتجلى مدى التوتر العام في احداث مساء يوم الثلاثاء على الحدود مع الأردن. لقد رصدت أجهزة مراقبة الجيش الإسرائيلي مجموعة تتكون من عشرة اشخاص وهم يقتربون من منطقة الحدود قرب مستوطنة باران في وادي العربة. وتبين لاحقا انهم ضباط شرطة اردنيون كانوا يطاردون مهربين مشتبه فيهم، لكن صدمة 7 أكتوبر ما زالت حاضرة في ذهن الجيش الإسرائيلي، خاصة في القيادة الجنوبية. لقد اعلن الجيش عن مخاوفه من محاولة تسلل الى المستوطنة فارسل طائرات قتالية بل ونقل مقاتلين من وحدات النخبة الى المنطقة بالمروحيات، الى ان اتضحت حقيقة الحادثة من خلال الاتصالات مع الأردن، واعلن بعد ذلك عن عودة الوضع الى طبيعته.

لم تندم هيئة الأركان العامة على ذلك. فالحالة العامة الراهنة لا تسمح بالمجازفة غير الضرورية. ويمكن التحقق من صحة هذا الإنذار من خلال فحص آلية عمل فرقة العمل الجديدة التي تم تشكيلها في مديرية الاستخبارات العسكرية، المكلفة بالتعامل مع الإنذارات (هذا أيضا احد دروس هجوم حماس). لقد بالغت قناة تلفزيونية في تغطية الحدث وأعلنت تخوفها عن هجوم للحوثيين من الأردن. في الواقع يسود اعتقاد عام بان الحوثيين سيحاولون تنفيذ تهديداتهم بشن هجوم بسيارات التويوتا في المستقبل، رغم المسافة الكبيرة بين اليمن وإسرائيل. لكن من الواضح ان هذا لم يحدث. ولا وجود للحوثيين على الحدود حتى الآن.

محاولة تضليل

لقد انشغل نتنياهو في هذا الأسبوع بتعزيز روايته البديلة حول مجريات الحرب. لقد سمحت له إعادة جثة غوئيلي بالتركيز على قوله بانه قد اوفى بوعده بإعادة جميع المخطوفين. لقد تجاهل رئيس الحكومة حقيقة ان 85 مخطوف من بين الـ 250 تمت اعادتهم اموات من القطاع، وان اكثر من نصفهم قتلوا هناك بعد اختطافهم وهم احياء. ان قرار نتنياهو تأجيل المفاوضات حول الصفقات التي امتدت لسنتين تقريبا اودى بحياة المخطوفين حتى لو كانت حماس هي المتسبب الرئيسي في هذه الماساة. وان مطالبته بالحصول على الفضل على انجاز إعادة المخطوفين لا تمت بصلة لرفضه تحمل أي مسؤولية ولو ضئيلة عن الكارثة التي وقعت في عهده.

ان بناء واقع بديل انعكس أيضا في الادعاء الملتوي المضلل الذي وجهه في هذا الأسبوع للرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. ان خلفية استحضار بايدن واضحة. في مقابلة مع مجلة “ايكونوميست” في الأسبوع الماضي زعم نتنياهو انه امر الجيش الإسرائيلي بالامتناع عن القصف الكثيف في قطاع غزة بهدف تقليل الخسائر في اوساط المدنيين. بل ان رئيس الحكومة اعترف بنفسه بقتل جنود من الجيش الإسرائيلي نتيجة هذا القرار.

لكن ما كان يفترض ان يخفف من حدة التوتر في الخارج لم يحصل على القبول لدى القاعدة السياسية في الداخل، التي تعارض بشدة أي ادعاء بشان استخدام القوة العسكرية. وفي ضوء انتشار تصريحاته للمجلة فقد احتاج رئيس الحكومة الى حرف الانتباه بسرعة. وهكذا ولد اتهام بان الجنود قتلوا في الحرب الحالية بسبب نقص الذخيرة، الذي نشا نتيجة حظر السلاح الذي فرضته إدارة بايدن.

لهذا السبب، أضاف نتنياهو، انه “عازم على عدم العودة الى هذا الوضع” وبالتالي، سيعمل على تعزيز قدرة إسرائيل على انتاج السلاح بشكل مستقل من الان فصاعدا. وقد تم استدعاء احد مستشاري بايدن، عاموس هوخشتين، للدفاع عنه، الذي هاجم نتنياهو واتهمه بنكران الجميل وتزوير التاريخ.

هوخشتين محق تماما بشان نكران الجميل، فهذه ليست المرة الأولى التي يهاجم فيها نتنياهو بايدن بعد رحيله بينما يمتدح ترامب. في الواقع لقد هب بايدن لنجدة إسرائيل في واحدة من اصعب لحظات تاريخها، بالوقوف الى جانبها بعد هجوم 7 أكتوبر وتهديد حزب الله وايران بعدم التدخل في الحرب وقراره ارسال اكثر من 15 مليار دولار كمساعدات امنية إضافية لمساعدة الجيش الإسرائيلي على تجاوز الحرب الإقليمية.

لا تختلف مشاعر بايدن الإيجابية تجاه إسرائيل عن مشاعر ترامب. مع ذلك، صحيح انه في أيار 2024، على خلفية الجدل حول دخول الجيش الى رفح، فرضت الولايات المتحدة قيود على نقل السلاح لإسرائيل. وقد تمثلت الخطوة العلنية في وقف شحنات القنابل الدقيقة بوزن طن لسلاح الجو. إضافة الى ذلك اشتكت المؤسسة الأمنية من تأخير توريد الجرافات ونقص قذائف الدبابات. وقد تمسك نتنياهو بقراره بشان دخول رفح. وكان الامريكيون ياملون ان تقلل القيود المفروضة على توريد السلاح الثقيل من حجم القتل والدمار في المدينة. ربما نجحوا في ذلك – في كل الحالات نتنياهو اوفى بوعده بان الجيش الإسرائيلي سيكون قادر على اجلاء جميع السكان الفلسطينيين من منطقة رفح في غضون أيام قبل دخول القوات البرية.

هل تسببت عقوبات بايدن بسقوط المزيد من الجنود القتلى؟ الامر غير واضح ابدا. ففي نهاية المطاف لا يغني القصف الجوي عن الحاجة الى ارسال القوات البرية كما تبين في قطاع غزة وبعد ذلك في جنوب لبنان. وحتى بعد الدمار الكبير الذي لحق بالمباني في قطاع غزة، فقد اكتشف الجيش الإسرائيلي ان أعضاء حماس كانوا يخرجون من الانفاق ويختبئون بين الأنقاض لشن هجمات على القوات من هناك. ان وصف نتنياهو غير دقيق ومجحف وهو بالتأكيد يشوه الحقيقة لأغراض سياسية. لا يكاد احد يتطرق الى الحزن الذي الم بعائلات الجنود الذين قتلوا في رفح والى الشكوك التي ستملأ قلوبهم الان حول ملابسات استشهاد أولادهم.

فترة انتظار

في الشبكات الاجتماعية تطورت في السنوات الأخيرة نظرية شبه مؤكدة تفيد بانه يمكن ظاهريا التنبؤ بتحركات عسكرية أمريكية غير معتادة بناء على حجم طلبات البيتزا من المطاعم القريبة من البنتاغون في واشنطن. قد يكون هذا استنتاج متسرع، وربما جزء من عملية تضليل، لكن بالنظر الى عدد السيارات المتوقفة في المساء في هذا الأسبوع في مقر هيئة الأركان العامة في تل ابيب، يبدو ان هناك متسع من الوقت قبل تنفيذ الهجوم الأمريكي على ايران. فاما ان إسرائيل حذرة من كشف خطط الولايات المتحدة أو انها ببساطة لا تعرف بعد ما الذي يخطط له ترامب، او ربما ان ترامب نفسه لا يعرف.

الأمور ظهرت مختلفة في 14 كانون الثاني الحالي، ففي 8 كانون الثاني بلغت الاحتجاجات في ايران الذروة وشن النظام حملة دموية لقمع المظاهرات بتوجيه مباشر من الزعيم الأعلى علي خامنئي. في تلك الليلة اطلق عناصر حرس الثورة ومليشيات الباسيج وكثير منهم كانوا يركبون على دراجات نارية، اطلقوا النار مباشرة على الحشود التي خرجت الى الشوارع للأسبوع الثاني على التوالي في طهران ومدن أخرى. لقد قتل وأصيب الاف المواطنين الإيرانيين في تلك الليلة، وبدرجة اقل في الليالي التالية، الى ان تم قمع المظاهرات (مع ذلك التسريب الذي يشير الى قتل نحو 30 ألف شخص في المظاهرات لا تدعمه حاليا معلومات استخبارية موثوقة وتشكك فيه المؤسسة الأمنية).

في الغرب عرفوا بتاخير ما عن حجم المجزرة نظرا لانقطاع ايران شبه التام عن الانترنت. وبحلول الوقت الذي قرر فيه ترامب شن الهجوم في 14 كانون الثاني، كان زخم الاحتجاجات خفت بالفعل، الامر الذي دفع الرئيس الأمريكي في نهاية المطاف الى التراجع وتاجيل الهجوم. وقد سبق ذلك توصيات من جنرالات أمريكيين، ومن نتنياهو أيضا. لقد ايد رئيس الحكومة الهجوم الأمريكي، لكن ليس بالطريقة التي تم التخطيط لها. وقد أشار الى ترامب بان منظومة اعتراض الصواريخ الامريكية لم تكن قد نشرت بالكامل في الشرق الأوسط، الامر الذي قد يعرض إسرائيل والقواعد العسكرية الامريكية في المنطقة للإصابة. وأضاف نتنياهو ان خطة الهجوم لم تكن كافية لاسقاط النظام في ايران.

بيان الإلغاء الأمريكي وصل الى إسرائيل في تلك الليلة بعد منتصف الليل بنصف ساعة. لقد فرغت مواقف السيارات في مقر وزارة الدفاع التي كانت مكتظة تماما. ومنذ ذلك الحين أصبحت كل المنطقة في حالة تاهب. في الأيام الأخيرة نقل الامريكيون المزيد من منظومات الدفاع الى الشرق الأوسط، لكن هناك صعوبة أخرى الان، مثلما أوضح المحلل غريغوري بورو، المتخصص في الشؤون الإيرانية أمس. فحسب أقواله اكتملت الاستعدادات الامريكية للهجوم فعليا مع حشد المزيد من القوات الهجومية ووصول القوة البحرية الى المنطقة، الا ان الزخم الداخلي في ايران قد فقد بسبب القمع الوحشي للاحتجاج.

——————————————

إسرائيل اليوم 30/1/2026

انهيار آيات الله والشرك التركي

بقلم: د. حي ايتان كوهن ينروجك

مع إعادة جثة المخطوف الأخير ران غوئيلي بلغت الحرب الأطول في تاريخ إسرائيل منتهاها.

لا شك أن هذه الحرب أحدثت حراكا تكتونيا في الشرق الأوسط كله. فطوق النار الذي اقامته ايران حول إسرائيل هُزم في معظمه بعد معركة طويلة. فقد نجحت دولة إسرائيل في استعراض تفوقها العسكري، الاستخباري والتكنولوجي. نصر ساحق ضد ايران اضعف نظام آيات الله. والان، في ظل الاحتياجات العاصفة، المشاكل الاقتصادية الحادة وأزمة المياه الخطيرة يواصل النظام التشبث فقرون مذبح الحكم بقوة الذراع.

من جهة تركيا راضية عن اضعاف ايران، خصمها التاريخي. من جهة أخرى ترفض التسليم بالارتفاع الشاهق لقوة إسرائيل في المعادلة الاستراتيجية.

في نظرة الى الوراء تتضح حقيقة أن احد التداعيات المركزية للمواجهة بين إسرائيل وايران هو أن القدس بعد أن هزمت طهران، حولت بيديها تركيا الى الدولة الإسلامية الأقوى في المنطقة. وهكذا وجدت إسرائيل وتركيا نفسيهما وحيدتين في القمة الشرق أوسطية.

إسرائيل كـ “تهديد على تركيا”

تذكير: علاقات إسرائيل – تركيا توجد في اسفل الدرك منذ نشوب الحرب في 7 أكتوبر، وذلك في اعقاب تبني سياسة خارجية مؤيدة لحماس من جانب رئيس تركيا رجب طيبة اردوغان.

في اثناء الحرب في غزة، ومع ان إسرائيل لم تشكل أي تهديد على تركيا، اختارت أنقرة الإعلان عنها كالتهديد المركزي على امنها القومي.

الى جانب التطورات في ايران، فان الاحتكاك بين الدولتين – سواء في سوريا، سواء في شرق البحر المتوسط ام في محور الصومال – ارض الصومال، فاقم التوتر. وبينما تسعى تركيا الى توثيق الطوق الخانق حول إسرائيل من خلال تحالفات إقليمية تعقدها مع جيران سوريا والمحاولة لربط السعودية والباكستان، تجري إسرائيل مناورات ذكية من خلال تعزيز حلف استراتيجي مع اليونان وقبرص، بل ولم تتردد للاعتراف بارض الصومال. في ظل كل هذه التطورات الدراماتيكية نشبت في نهاية كانون الأول مظاهرات في ايران، يمكنها ان تغير ميزان القوى في كل المنطقة.

 صرف الانتباه

في نظرة أولى، لو كنا فحصنا تركيا العلمانية في التسعينيات لكان يمكن لنا أن نفترض بان أنقرة في حينه كان يفترض بها أن ترحب بتغيير محتمل للحكم في ايران. لكن ردود فعل تركيا في عصر اردوغان تختلف جوهريا عن سابقتها. تركيا اردوغان مقتنعة بان تغيير النظام في ايران سيشكل تهديدا مباشرا على المصالح التركية في الدولة المجاورة. فقد صرح الوزير فيدان في مقابلات في التلفزيون الرسمي بان إسرائيل هي المسؤولة المباشرة عن المظاهرات في ايران. بكلمات أخرى، في انقرة يعتقدون ان حكما إيرانيا جديدا كذاك الذي يمكن أن يكون بقيادة رضا بهلوي في اليوم التالي – سيكون حليفا قريبا لإسرائيل وكفيل بان يعمل ضد تركيا. لهذا السبب، فان تركيا اردوغان تمنح اسنادا علنيا لنظام ايات الله.

في أنقرة يفهمون بان بقاء الحكم في طهران يفرض على إسرائيل توزيع المقدرات. وبالتالي ترى تركيا من الصواب اسناد آيات الله انطلاقا من إرادة باردة ومحسوبة لابقاء القدس عالقة في الوحل الإيراني.

رغم كل ما قيل، فان السياسة التركية المؤيدة للنظام في ايران ليست موجهة فقط وحصريا ضد إسرائيل. واضح أنه فضلا عن الاعتبارات الجيوسياسية، في انقرة قلقون بعمق من إمكانية ان نشعل اهتزام بالنظام في ايران موجة هجرة جماعية أخرى نحو حدودها. فبعد كل شيء، لا تزال تركيا تحمل على ظهرها عبء ملايين اللاجئين من الحرب الاهلية في سوريا.

 محاكاة الاحتجاج – في تركيا

الى جانب سيناريوهات الهجرة، في انقرة يخشون من أن فراغا سلطويا في غرب ايران سيسمح للاكراد المحليين بإقامة حكم ذاتي، أو أسوأ من ذلك في حالة تفكك ايران، انبعاث “جمهورية مهباد”، الدولة الكردية المستقلة الأولى والوحيدة في التاريخ التي قامت وانهارت في 1946. هذه السابقة، في نظر انقرة، لا تشكل فقط تحديا داخليا تجاه السكان الاكراد في تركيا، بل تعتبر كتهديد محتمل، تشعل التطلعات القومية الجماعية للاكراد في العراق وفي سوريا على حد سواء.

إضافة الى ذلك في المناخ السياسي الذي تعاني فيه الديمقراطية التركية من تآكل متسارع، وبينما الخصم المركزي لاردوغان، رئيس بلدية إسطنبول اكرم امامولو، قيد الحبس، تخشى انقرة من الاثار الواسعة لما يجري في ايران. ان نجاح الاحتجاجات الجماهيرية في احداث تغيير للنظام في طهران من شأنه أن يخلق سوابق خطيرة من ناحية اردوغان: بث أمل في أوساط المعارضة وهز المنظومة السلطوية.

على أصحاب القرار في أنقرة أن يفهموا بان هذه المرة أيضا، مثلما حصل في حرب السيوف الحديدية، يجدون أنفسهم مرة أخرى في الجانب غير الصحيح من المتراس التاريخي. مسيرة تفكك النظام الإيراني انطلقت على الدرب ولم يعد التغيير مثابة ممكن بل يقين ينتظر لحظته. في هذه المصيرية يد إسرائيل هي العليا، والزخم الإقليمي ينتقل اليها بتصميم.

——————————————

هآرتس 30/1/2026

اختبار لليهود: إما أن تتظاهروا مع العرب ضد الجريمة وبن غفير.. وإلا فأنتم شركاؤه

بقلم: أسرة التحرير

مساء غد تعقد في تل أبيب مظاهرة نظمتها قيادة المجتمع العربي في إسرائيل تحت عنوان “مسيرة علم أسود ضد الجريمة والعنف في المجتمع العربي”. يمكن الافتراض بأن عشرات آلاف العرب الإسرائيليين سيتدفقون إلى ميدان المتحف، وأساساً في ضوء نجاح المظاهرة السابقة في الموضوع ذاته في سخنين الأسبوع الماضي.

لن تكون المظاهرة اختبار قوة وتأثير المجتمع العربي؛ فغداً سيختبر في الميدان المجتمع الإسرائيلي اليهودي ومدى تضامن المعسكر الليبرالي اليهودي مع مواطني الدولة العرب. لكن الإسرائيليين اليهود لا يدعون باسم التضامن إلى خدمة العلم فقط، بل أولاً وقبل كل شيء باسم الموضوع الذي يقاتل العرب في سبيله. وعليه، فمهم وجود مشاركة يهودية كبيرة وذات مغزى غدا.

معظم الاحتجاجات في إسرائيل كانت وحيدة القومية حتى الآن: اليهود على حالهم والعرب على حالهم، باستثناء مظاهرات اليسار الراديكالي – وبقوة أكبر في السنتين الأخيرتين من الاحتجاج ضد الحرب ومع تحرير المخطوفين والتي كانت بنقاء المتظاهرين اليهود. هذه المرة يخرج المجتمع العربي الإسرائيلي ليكافح في سبيل سلطة القانون في الدولة. لا توجد كثير من المواضيع الأكثر إلحاحاً الآن لكل مواطني الدولة، يهوداً وعرباً، ولا توجد مواضيع كثيرة تؤثر على المجتمعين. من يعتقد أن الجريمة في المجتمع العربي وسلوك الشرطة الإجرامي بإدارة الوزير بن غفير هي موضوع عربي داخلي فإنه ساذج. فالإهمال المغرض والمقصود من جانب الشرطة في حربها ضد الجريمة في الناصرة وسخنين ورهط هي مشكلة وطنية. شرطة سياسية مثل شرطة بن غفير خطيرة لكل مواطني الدولة بصفتهم هذه.

من المهم أن نوضح للمجتمع العربي غداً بأنه ليس وحيداً في كفاحه. فبعد سنتين ونصف من سلوك مدني مثالي في ظل حرب وحشية ضد إخوانهم في غزة، حان الوقت للوقوف كتفاً بكتف مع المواطنين العرب في أزمتهم. الحديث وحده لا يكفي عن مشاركة الأحزاب العربية في حكومة التغيير التالية وحاجة المعارضة للتعاون معها. من المهم أيضاً التعاون في مستوى المجتمع المدني. المظاهرة غداً هي الفرصة.

إذا كان الميدان فارغاً من اليهود أو هزيلاً بهم، فسيعرف عرب إسرائيل وسيعرف المعسكر الليبرالي المتقلص في إسرائيل بأن المجتمع اليهودي انغلق نهائياً، بات منعزلاً وقومجياً. بالمقابل، إذا ما جاء عشرات آلاف اليهود غداً إلى الميدان وانضموا إلى المطلب الذي لا يوجد ما هو أكثر عدلاً وديمقراطية منه، فسنعرف عندها أن معسكراً ليبرالياً وديمقراطياً من الإسرائيليين نهض في إسرائيل، بتقاطع قومي، يهوداً وعرباً على حد سواء.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article