كتب وسام زغبر : الصوت الذي لا يُقصف …كيف تحوّل الراديو في غزة إلى جبهة مقاومة إعلامية

مدير إذاعة صوت الوطن – عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين

المسار: منذ أن نجح غولييلمو ماركوني في إطلاق أولى إشارات البث اللاسلكي، لم يكن الراديو مجرد اختراع تقني، بل بداية ثورة في طبيعة الاتصال الإنساني. لقد حرّر الصوت من حدود الجغرافيا، ومنح المجتمعات وسيلة لكسر العزلة واحتكار الرواية. وعلى امتداد القرن العشرين، أثبتت الإذاعة أنها أكثر من ناقل للأخبار؛ كانت أداة تعبئة، ومنصة معرفة، ومساحة للصوت الذي لا يجد مكانًا في موازين القوة التقليدية.
اليوم، ومع انتقال الإذاعة من الموجات القصيرة إلى المنصات الرقمية المتعددة، لم تفقد دورها، بل توسّع تأثيرها. تحوّل الراديو إلى فضاء هجين يجمع الصوت بالصورة والبث المباشر، ويصل إلى الجمهور عبر الهاتف المحمول قبل جهاز الاستقبال التقليدي. غير أن هذا التطور التقني، في السياق الفلسطيني، لم يكن مجرد تحديث مهني؛ بل نقل المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة.

من الاستوديو إلى الميدان
لم يعد الصحفي الإذاعي صوتًا خلف ميكروفون في غرفة معزولة. في غزة، أصبح المراسل يحمل هاتفه كأداة بث فورية، ينقل الحدث بالصوت والصورة في اللحظة ذاتها. اختفت المسافة بين الشاهد والوسيط؛ فالصحفي بات جزءًا من المشهد الذي يوثقه.
هذا التحول كسر احتكار السردية، وأفقد القوى العسكرية القدرة على التحكم الكامل في الصورة. فحين يُبثّ القصف مباشرة، وتُنقل صرخات الضحايا دون وسيط، يصبح الإعلام نفسه ساحة مواجهة.

غزة: حين تُستهدف الكلمة
في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، لم تكن الإذاعات الفلسطينية مؤسسات تعمل على هامش الحدث، بل في قلبه. مقارّ إعلامية دُمّرت، وأجهزة أُتلفت، وصحفيون قُتلوا أثناء أداء عملهم. لم يُستهدفوا لأنهم مقاتلون، بل لأنهم شهود.
ومع ذلك، لم يتوقف البث. خرجت الإذاعات إلى الخيام، واستُبدلت الاستوديوهات المهدّمة بمساحات مؤقتة، واستمر الصوت في الوصول إلى الناس. في تلك اللحظة، لم يعد الراديو مجرد مهنة، بل ضرورة مجتمعية: مصدرًا للمعلومة، ووسيلة طمأنة، وأداة توثيق تحفظ الذاكرة من المحو.

من نقل الخبر إلى صناعة الشهادة
التحول الأهم لم يكن تقنيًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا. الإذاعة الفلسطينية لم تعد تنقل الحدث بوصفه خبرًا عابرًا، بل بوصفه شهادة حيّة. الصوت المتزامن مع الصورة، والبث المباشر من مواقع القصف، حوّلا المحتوى الإعلامي إلى أرشيف مفتوح للأدلة.
في هذا السياق، يصبح الصحفي أكثر من ناقل؛ يصبح جزءًا من معركة الذاكرة. فحين تُوثَّق الجريمة في لحظتها، يصعب إنكارها أو إعادة صياغتها سياسيًا. ولهذا، يتحوّل الإعلامي إلى هدف، لأن الحقيقة نفسها تصبح هدفًا.

البثّ كفعل أخلاقي
بصفتي مديرًا لإذاعة صوت الوطن وعضوًا في الأمانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين، أرى كيف أصبح العمل الإذاعي في غزة محفوفًا بالمخاطر اليومية. ومع ذلك، يواصل الصحفيون عملهم بإصرار لافت، مدركين أن الصمت في لحظة الكارثة ليس حيادًا، بل تخليًا عن المسؤولية.
البثّ هنا ليس خيارًا مهنيًا فحسب، بل موقفًا أخلاقيًا. إنه إعلان مستمر بأن الحياة، رغم الحصار والقصف، لا تزال قادرة على أن تتكلم.

بين الاحتفاء العالمي والواقع الفلسطيني
في الثالث عشر من شباط/فبراير، يحيي العالم اليوم العالمي للإذاعة احتفاءً بحرية التعبير ودور الإعلام في التنمية. لكن في فلسطين، يكتسب هذا اليوم معنى مختلفًا. فهو ليس مناسبة احتفالية بقدر ما هو تذكير بثمن الكلمة الحرة.
بينما يناقش العالم مستقبل البث الرقمي، يخوض الصحفي الفلسطيني معركة يومية لضمان استمرار الصوت ذاته. هنا، لا تُقاس قوة الإذاعة بعدد المستمعين فحسب، بل بقدرتها على الصمود، وعلى تحويل الميكروفون إلى مساحة مقاومة مدنية.
من ماركوني إلى غزة، تغيّرت التكنولوجيا، لكن جوهر الرسالة بقي ثابتًا: الصوت الحرّ قد يُحاصر، وقد يُستهدف، لكنه لا يُقصف.
وفي أرضٍ تتنازعها القوة والسردية، سيبقى الراديو شاهدًا حيًا على أن الحقيقة، مهما تعرّضت للضغط، تجد دائمًا من يبثّها.

Share This Article