المسار :في الذكرى السابعة والخمسين لانطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، لا يستعيد الفلسطينيون مجرد حدث سياسي، بل يفتحون دفاتر الذاكرة على مسار طويل من الصمود الإنساني في وجه واحدة من أكثر الحروب قسوة في العصر الحديث.
إنها لحظة تتجاوز الاحتفال الرمزي لتطرح سؤالاً وجودياً: كيف يواصل شعبٌ محاصرٌ مقاومته بينما تُستهدف حياته اليومية، وذاكرته، وحقه في البقاء؟
*انطلاقة الجبهة الديمقراطية… حين تلاقت الوطنية مع الوعي الديمقراطي*
تأسست الجبهة الديمقراطية في أواخر الستينيات، في زمن كانت فيه فلسطين فكرة تُحمل في المنفى أكثر مما تُرى على الخرائط. لم تكن مجرد تنظيم سياسي جديد، بل مشروعاً لإعادة تعريف التحرر الوطني عبر ربطه بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية.
منذ اللحظة الأولى، قدّمت الجبهة تصوراً مختلفاً:
المقاومة ليست فقط مواجهة عسكرية مع الاحتلال، بل معركة على الوعي، على الحق في التفكير، على بناء مجتمع قادر على صياغة مستقبله، وعلى حماية الفئات الأكثر هشاشة من الفقر والتهميش.
*من الذاكرة إلى الدم: غزة والضفة… جغرافيا الصمود*
57 عاماً مرت، تغيّرت خلالها خرائط العالم، لكن صورة الفلسطيني الذي ينهض من تحت الركام بقيت ثابتة في الوعي الدولي.
في غزة، حيث تُقصف البيوت والمدارس والمستشفيات، يتحول الصمود إلى فعل يومي يتحدى قوانين الطبيعة.
وفي الضفة الغربية، حيث تتسارع وتيرة الاستيطان والتهجير، يواصل الفلسطينيون تمسكهم بالأرض كأنها امتداد لنبضهم.
الذكرى هنا ليست طقساً سياسياً، بل مرآة لأسئلة كبرى:
كيف تبقى المقاومة متصلة بالشعب؟
كيف تتحول الوحدة الوطنية من شعار إلى شراكة؟
وكيف تُحمى العدالة الاجتماعية في ظل الحصار والفقر وانهيار البنى الأساسية للحياة؟
*الذاكرة كأداة مراجعة… لا كأرشيف مغلق*
الذاكرة الفلسطينية ليست تمجيداً للماضي، بل وسيلة لتقييم الطريق.
كل شهيد، كل منزل دُمّر، كل عائلة شُردت، ليست مجرد أرقام، بل جزء من سردية إنسانية تمنح القضية الفلسطينية بعدها الأخلاقي العالمي.
هذه الذاكرة هي ما يجعل فلسطين قضية حرية وكرامة وحقوق إنسان، لا مجرد صراع حدود أو نفوذ.
*جيل جديد… وإرادة لإعادة بناء المستقبل*
الرهان اليوم يتجه نحو الشباب والنساء، نحو الجيل الذي ينظر إلى السياسة بعين النقد والمساءلة.
فالإرث الذي لا يتحول إلى فعل يومي يفقد معناه، أما حين يصبح ممارسة مستمرة، فإنه يفتح الطريق لبناء فلسطين أكثر عدلاً وحرية.
*فلسطين… رمز عالمي للحرية*
الذكرى الـ57 لانطلاقة الجبهة الديمقراطية ليست سؤالاً عمّا تحقق فقط، بل عمّا يجب تغييره كي يبقى المشروع الوطني حيّاً.
الماضي يمنح الشرعية، لكن المستقبل وحده يمنح المعنى.
وهكذا تتحول الذكرى من حدث تاريخي إلى فعل مقاومة مستمر، ومن قصة تُروى إلى أفق يُصنع، يحمل فلسطين إلى العالم كرمز للحرية الإنسانية، ويضع الإنسان الفلسطيني في مركز القضية، كغاية لا كوسيلة.

