المسار: تدخل الولايات المتحدة خريفًا سياسيًا غير مسبوق هذا العام في ظل انتخابات نصفية تتحول تدريجيًا من استحقاق تشريعي تقليدي إلى استفتاء غير معلن على شرعية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، فالمشهد لا يُدار فقط داخل قاعات الكونغرس بل في الشارع وفي الإعلام وفي مراكز التفكير وحتى في أسواق التنبؤ التي باتت تعكس المزاج السياسي العام بصورة فاقعة، حيث بلغت احتمالات عزل الرئيس أعلى مستوياتها منذ عودته إلى البيت الأبيض في مؤشر لا يمكن فصله عن حالة التآكل العميق التي تعيشها المؤسسة الرئاسية نفسها .
عودة ترامب لم تكن عودة رئيس منتصر يستكمل مشروعًا سياسيًا بقدر ما كانت عودة شخصية صدامية محمّلة بملفات مؤجلة وصراعات مؤسسية قديمة سرعان ما انفجرت من جديد، فالرئيس الذي بنى خطابه على القوة والحسم وجد نفسه منذ الأسابيع الأولى محاصرًا باتهامات إساءة استخدام السلطة داخليًا وخارجيًا وسط انقسام حاد داخل المجتمع الأميركي حول معنى الأمن وحدود الدولة الفدرالية ودور الرئاسة في إدارة الأزمات .
في السياسة الخارجية أعادت إدارة ترامب إنتاج منطق البلطجة والهيمنة الفجة من دون أي مواربة دبلوماسية، فالتهديد بغزو غرينلاند لم يكن زلة لسان بل تعبيرًا صريحًا عن ذهنية توسعية ترى العالم مجال نفوذ مفتوحًا والسياسات العدوانية تجاه فنزويلا وخطف الرئيس مادورو جاءت في السياق ذاته، حيث جرى توظيف القوة الاقتصادية والتهديد والتدخل العسكري في تجاوز واضح للأعراف والقوانين الدولية، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام خصومه للقول إن الرئيس يتعامل مع السياسة الخارجية بوصفها استعراض قوة شخصية لا التزامًا بقواعد النظام الدولي .
هذا السلوك الخارجي ترافق مع تصعيد داخلي لا يقل خطورة ففي ملف الهجرة، تحولت الولايات المتحدة إلى مسرح عسكرة مفتوحة بعد نشر شرطة الهجرة والحرس الوطني في عدد من الولايات في خطوة كسرت التوازن الدقيق بين السلطات الفدرالية وحكومات الولايات وأعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول استخدام القوة ضد المواطنين الأميركيين أنفسهم خصوصًا بعد سقوط قتلى في مواجهات أعادت إلى الذاكرة مشاهد سوداء من تاريخ الصراع الداخلي الأميركي .
لكن ما يمنح دعوات العزل زخمها الحقيقي ليس فقط السياسات بل الرمزية السياسية والأخلاقية المتراكمة حول شخص الرئيس، ففضيحة إبستين التي عادت إلى الواجهة بقوة لم تعد مجرّد ملف قديم يُستدعى عند الحاجة بل تحولت إلى عنصر بنيوي في النقاش العام حول طبيعة النخبة الحاكمة في الولايات االمتحدة ووجودها في شبكة علاقات تتجاوز القانون والأخلاق معًا، وظهور وبروز الرئيس بصورة متكررة في هذا السياق عزّز الانطباع بأن المشكلة ليست فردًا بل في منظومة كاملة بالحكم .
رغم ذلك يبقى العزل مسارًا شديد التعقيد دستوريًا وسياسيًا، فمجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون لا يزال يشكل حاجز الصد الأول أمام أي محاولة جدية خصوصًا بعد إسقاط مشروع عزل سابق في ديسمبر 2025 حتى مع انقسام جزئي داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث يخشى بعض أقطابه من تحويل العزل إلى وقود تعبوي لترامب بدل أن يكون أداة محاسبة حقيقية .
أما مجلس الشيوخ فيمثل العقدة الأكبر إذ يتطلب قرار الإدانة أغلبية الثلثين وهو ما يجعل نجاح العزل مرهونًا بانشقاق جمهوري واسع لا يبدو متاحًا حتى اللحظة إلا إذا وقعت تطورات دراماتيكية تُجبر المؤسسة الحزبية على التضحية بالرئيس حمايةً للنظام لا للأفراد .
غير أن اختزال المشهد في الحسابات الدستورية وحدها يُفوّت جوهر اللحظة السياسية، فالعزل حتى وإن لم يكتمل قانونيًا فإنه يتحقق سياسيًا وإعلاميًا ورمزيًا حين يتحول الرئيس إلى عبء انتخابي على حزبه وحين تُخاض الانتخابات النصفية تحت ظل الشكوك والأسئلة بدل البرامج والسياسات، وهنا تحديدًا تكمن خطورة الخريف الأميركي المقبل إذ لا يُقاس فقط بعدد المقاعد بل بمدى تآكل الثقة في مركز السلطة ذاته .
الأخطر من ذلك أن ما يجري يكشف حدود النموذج الأميركي الذي طالما قُدّم بوصفه مثالًا للديمقراطية والمساءلة، فالعجز عن محاسبة رئيس متهم بإساءة استخدام السلطة داخليًا وخارجيًا والمتورط أخلاقيًا في فضائح كبرى يطرح سؤالًا وجوديًا حول حقيقة الدولة العميقة ودورها، وهل هي صمّام أمان للديمقراطية أم شبكة مصالح تحمي ذاتها مهما كان الثمن .
في هذا السياق تصبح انتخابات نوفمبر محطة مفصلية، ليس فقط لمستقبل ترامب بل لمستقبل النظام السياسي الأميركي برمّته، فإما أن ينجح النظام في امتصاص الصدمة وإعادة ضبط توازناته أو أن يدخل مرحلة استنزاف طويلة تتحول فيها الرئاسة من رمز وحدة إلى بؤرة انقسام دائم، وما بين هذين المسارين يقف الخريف الأميركي ثقيلًا مثقلًا بأسئلة أكبر من شخص الرئيس وأسوأ من مجرد معركة حزبية .
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسارالإخباري

