رمضان على الحاجز… إفطار بنكهة التفتيش

كتب اسماعيل جمعه الريماوي: في مكانٍ ما بين البيت والحاجز، يكتشف الفلسطيني أن هناك نوعًا جديدًا من الصيام لم يرد في كتب الفقه: صيامٌ عن الوصول في الوقت المناسب، رمضان هنا ليس سوى تمرينًا يوميًا على ضبط الأعصاب، وإتقان فن الوقوف الطويل دون أن تفقد ابتسامتك أو أعصابك أو ما تبقى من بطارية هاتفك.
قبل أذان المغرب بساعة، يبدأ السباق الكبير، الأب يخرج من عمله وهو يحسب المسافة بالدقائق، لا بالكيلومترات ، الأم في البيت تضع اللمسات الأخيرة على المائدة، لكنها تؤجل الافطار فيطول الصيام لساعات اخرى ، فالتجربة علمتها أن الحاجز لا يعترف بالمواعيد، الأطفال يسألون: “متى سيصل أبي؟” فتجيبهم بجملة أصبحت جزءًا من الثقافة الوطنية: “إذا مشّوه على الحاجز”.
وعلى الحاجز نفسه، المشهد أقرب إلى مسرحية يومية مفتوحة، سيارات مصطفة، نوافذ نصف مفتوحة، وجوه شاحبة من الصيام، وأعين مثبتة على ساعة الهاتف، أحدهم يقترح مازحًا: “لو نطلب منهم يعلنوا الأذان من البرج العسكري حتى  نوفر الوقت!” يضحك من حوله ضحكة سريعة، تلك الضحكة التي لا تغيّر شيئًا لكنها تمنع الانفجار.
الأذان يرفع صوته من المساجد القريبة، فيتحول الحاجز إلى مائدة إفطار متنقلة، تمرات تتوزع بين السيارات، زجاجات ماء تنتقل من يد إلى يد، وسائق يمد رأسه من النافذة ليقول لجاره: “صحتين وعافية… إن شاء الله السنة الجاي منكون مفطرين ببيوتنا مش هون” لا أحد يصفق للنكتة، لكن الجميع يفهمها.
الطريف المبكي أن الجنود أنفسهم يبدون أحيانًا كأنهم جزء من المشهد العبثي، يراقبون طابورًا من الصائمين الذين لا يريدون أكثر من المرور، لا خطب سياسية، لا شعارات، فقط رغبة بسيطة في اللحاق بافطار قبل أن يبرد ، ومع ذلك يتحول الأمر إلى اختبار صبر جماعي، وكأن الوصول إلى مائدة الإفطار يحتاج إلى تصريح خاص من الجغرافيا.
في البيوت، تُلتقط الصور بعد وصول المتأخرين، ويُقال مازحين: “الحمد لله لحقنا المعلقه الأخيرة من الشوربة” تتحول المعاناة إلى نكتة عائلية، والحاجز إلى قصة تُروى على المائدة بدل أن يكون حاجزًا يمنعها ، هكذا يتعامل الفلسطيني مع يومه: يسخر من الوجع كي لا يمنحه سلطة كاملة عليه.
رمضان على الحاجز واقعي إلى حد القسوة، وهزلي إلى حد العبث ، مزيج من التعب والضحكة، من الغضب والصبر، من الجدية الثقيلة والنكتة الخفيفة التي تُقال لتخفيف الحمل لا لإنكاره ، فحين يصبح الانتظار جزءًا من طقوس الإفطار، لا يبقى أمام الناس إلا أن يحوّلوا المأساة إلى حكاية، والحاجز إلى مشهد عابر في ذاكرة شهرٍ يفترض أن يكون شهر رحمة، حتى لو مرّت تلك الرحمة عبر بوابة تفتيش.
السخرية هنا ليست ترفًا لغويًا، بل وسيلة دفاع أخيرة أمام عبث المشهد، حين يصبح الوصول إلى مائدة الإفطار إنجازًا يوميًا، وحين يتحول الدعاء إلى رجاء بالمرور، يدرك الفلسطيني أن عليه أن يبتكر لغة جديدة لوصف حياته، لغة تقول إن رمضان باقٍ رغم الحاجز، وإن الأذان سيعلو فوق صوت التعليمات العسكرية، وإن العائلة التي تنتظر ستبقى تنتظر مهما طال التأخير.
رمضان على الحاجز ليس قصة عابرة، بل صورة مكثفة لواقع يُراد له أن يكون اعتياديًا، غير أن الفلسطيني بسخريته المرّة، يرفض أن يمنح هذا الاعتياد شرعيته، يفطر أحيانًا متأخرًا، وأحيانًا في السيارة، وأحيانًا على عجل، لكنه يفطر وهو يعرف أن الحاجز مؤقت مهما بدا ثابتًا، وأن الموائد التي تُنصب كل مساء أقوى من البوابات الحديدية، لأن ما يجمع العائلة لا يمكن أن يخضع لتفتيش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article