المسار: تواصل الولايات المتحدة الحشد العسكري في منطقة الخليج تحسباً لاستهداف إيران، في وقت تتواصل فيه المحادثات بين الطرفين بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما يلوّح الرئيس دونالد ترامب بعمل عسكري مباشر إذا لم يفضِ المسار الدبلوماسي إلى النتائج المرجوة. وبحسب مجلة نيوزويك، فإن أي هجوم قد يقرره ترامب سيتجاوز من حيث الحجم العملية العسكرية التي استهدفت الصيف الماضي منشآت نووية إيرانية متفرقة، وقد يتطور إلى سيناريوهات تصفها المجلة بـ”حرب خليج ثالثة”.
وقالت المجلة إن أمام ترامب خيارات متعددة تشمل جولات جديدة من الضربات العسكرية الموجهة، أو اغتيالات لكبار القادة الإيرانيين، أو إطلاق حملة عسكرية طويلة الأمد قد تشبه حرب خليج ثالثة. وفي الوقت نفسه، أعرب ترامب مراراً عن تفضيله للحل الدبلوماسي وسعيه لاتفاق نووي يتجاوز اتفاق عام 2015 الذي حدّ من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، إلا أن الهوة لا تزال قائمة بين موقفي واشنطن وطهران. ونقلت المجلة عن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قولها إن الطرفين لا يزالان “بعيدين جداً” عن بعضهما البعض بشأن قضايا رئيسية.
ونقلت نيوزويك عن ميك مولروي، نائب سابق لمساعد وزير الدفاع خلال ولاية ترامب الأولى، أن البيت الأبيض يرغب في اتفاق أكثر تقييداً من اتفاق 2015، ومن المرجح أن يتضمن قيوداً على برنامج إيران للصواريخ الباليستية. ووفق مولروي، إذا رفضت إيران هذه الشروط، فإن واشنطن ستتخذ إجراءات عسكرية حاسمة ضد المنشآت النووية الإيرانية ومواقع إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية، مع الرد على أي تصعيد من جانب إيران.
وفي سياق استهداف المواقع العسكرية والاستراتيجية، أشارت نيوزويك إلى أن إيران تمتلك أكبر ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة، ما يشكل تهديداً كبيراً في حال نشوب نزاع، لافتة إلى أن طهران وسّعت نطاق ترسانتها الصاروخية بشكل كبير في ردها على الهجوم الذي نفذه الاحتلال في يونيو/حزيران الماضي. وبحسب المجلة، يصل أقصى مدى لصواريخ إيران إلى 2000 كيلومتر على الأقل، ما يجعل منطقة الشرق الأوسط بأكملها وأجزاء من جنوب شرق أوروبا ضمن نطاقها. ورغم تركيز معظم تصريحات ترامب على التوصل لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، فإنه صرح أحياناً، إلى جانب مسؤولين أميركيين كبار، بأن القدرات الصاروخية الإيرانية ستخضع أيضاً لقيود بموجب أي اتفاق جديد. كما ركّز رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي زار ترامب الأسبوع الماضي في البيت الأبيض، على ملف الصواريخ الباليستية.
في المقابل، يرفض المسؤولون الإيرانيون إدراج الصواريخ الباليستية في أي اتفاق مبدئي، ويؤكدون حق بلادهم في تخصيب اليورانيوم بمستويات منخفضة. ورغم تأكيدهم السعي إلى حل دبلوماسي، فإنهم يحذرون من أن أي ضربة أميركية ستؤدي إلى حرب شاملة، حيث هدد المرشد الأعلى علي خامنئي بإغراق سفن حربية أميركية بشكل مباشر. ولا يستبعد ريتشارد غولدبيرغ، المدير السابق لمكافحة أسلحة الدمار الشامل الإيرانية في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض خلال إدارة ترامب الأولى، أن تكون القدرات الصاروخية من بين أهم أهداف ترامب إذا قرر اللجوء إلى عمل عسكري ضد إيران.
وعلى صعيد استهداف القادة الإيرانيين، تذكّر نيوزويك بأن ترامب سدد أول ضربة مباشرة لإيران في يناير/كانون الثاني 2020 حين أمر بتنفيذ العملية التي أسفرت عن مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني في مطار بغداد الدولي. وبعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استهدف الاحتلال قيادة حماس في طهران وقادة إيرانيين في سوريا، وردّت إيران بموجتين من الضربات الصاروخية. وفي يونيو/حزيران 2025 شنّ الاحتلال ضربات عسكرية على إيران استمرت 12 يوماً، ردّت عليها طهران بموجة من الضربات الصاروخية، وقبل التدخل الأميركي المباشر بقصف منشآت نووية إيرانية، لوّح ترامب علناً بإمكانية اغتيال علي خامنئي، مشيراً إلى معرفته بمكان وجوده.
وأشارت المجلة إلى أن ترامب أبدى أخيراً استعداداً لاستهداف القيادة الإيرانية على غرار ما حصل في فنزويلا، حيث جرى اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو بعد حملة ضغط عسكرية أميركية استُخدمت فيها حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد”، التي ستنضم إلى حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” في الخليج. وبدأ تصعيد الضغط العسكري الأميركي على إيران عقب العملية في فنزويلا، حين كانت إيران تشهد احتجاجات واشتباكات واسعة، وحمّل ترامب قوات الأمن الإيرانية مسؤولية مقتل آلاف الأشخاص. وصرّح محللون لنيوزويك في ذلك الوقت بأن البيت الأبيض قد يسعى في نهاية المطاف إلى تطبيق “نموذج فنزويلا”.
ومع تزايد التكهنات بشأن من سيقود البلاد في حال وفاة خامنئي، بما في ذلك احتمالات تولي شخصيات من القيادات السياسية والعسكرية زمام الأمور، أقرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أواخر الشهر الماضي بأنه “لا أحد يعلم من سيتولى السلطة”. لكن كينيث بولاك، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، يرى أن خيار تغيير النظام في إيران “مستبعد تماماً” في هذه المرحلة، وأن الأهداف النووية والعسكرية هي الخيار الأرجح لترامب حالياً. وأضاف بولاك لنيوزويك أن الاستهداف قد يطال منشآت تصنيع الصواريخ الباليستية ومواقع نووية لم تُستهدف بالكامل في يونيو/حزيران الماضي، إضافة إلى مقرات الحرس الثوري وقوات الباسيج نظراً لدورها في الحفاظ على سيطرة النظام. كما أشارت المجلة إلى أن من الأهداف المحتملة الأخرى ما يُعرف بـ”أسطول الأشباح” من ناقلات النفط التي تواصل تصدير النفط الإيراني رغم العقوبات الأميركية، وهو ما يتطلب حملة أوسع نطاقاً تشمل عدة جبهات بحرية.
وفي سياق الحديث عن حرب طويلة الأمد، قالت المجلة إنه لا توجد مؤشرات كثيرة على تخطيط أميركي لغزو واسع النطاق على غرار غزو العراق عام 2003، المعروف أحياناً بحرب الخليج الثانية، مشيرة إلى أن تلك الحرب سبقها حشد أميركي ضخم للقوات والمعدات، بما في ذلك في دول مجاورة مثل الكويت، لدعم إنزال قرابة نصف مليون جندي أميركي في المرحلة الأولى من الحرب. وبينما لم يتم حشد شيء بهذا الحجم في محيط إيران اليوم، فإن وجود حاملتي طائرات وطائرات قتالية ومعدات أخرى قد يكون كافياً لدعم عمليات جوية لفترة طويلة.
وخلافاً للتدخلات العسكرية الأميركية السابقة في المنطقة منذ حرب الخليج الأولى المعروفة أيضاً بعملية عاصفة الصحراء، يرى بولاك أن الإدارة الأميركية الحالية تميل إلى “مغامرات خارجية سهلة ورخيصة وسريعة”، موضحاً أن أي تدخل عسكري قد يبدأ بتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية قبل قصفها وإلحاق أضرار جسيمة بالنظام الإيراني. غير أن ذلك، وفق بولاك، لا يعني بالضرورة أن التصعيد سيقتصر على جولة واحدة، إذ تتمثل الرسالة الأساسية التي سيوجهها ترامب لطهران في أن الضغط سيستمر حتى تحسّن عرضها التفاوضي وتصبح مستعدة لإبرام الصفقة التي يريدها.

