المسار : يواجه نحو 50 فردًا من عائلة أبو القيعان بالنقب واقعًا قاسيًا بين فقدان المأوى ومرارة الفقد، في ظل ظروف إنسانية صعبة ألقت بظلالها على تفاصيل حياتهم اليومية وأطفأت فرحة رمضان.
حلّ رمضان هذا العام بشكل مختلف على عائلة أبو القيعان في منطقة النقب، جنوبي البلاد، حاملاً معه غصّة كبيرة وألما عميقا، بعد أن غابت فرحة الشهر الفضيل وحلّ مكانها القهر والتشرد، في ظل إجبار الأهالي على هدم منازلهم وتركهم في العراء من دون مأوى، وذلك بعد نقلهم من قريتهم أم الحيران بموجب تعهّد شفهي من قبل ما تسمى “سلطة تطوير النقب” إلى الحارة رقم 9 في قرية حورة، وهو ما تنصّلت منه السلطات الإسرائيلية بعد هدم المنازل.
وأُجبرت العائلات على هدم منازلها ذاتيًا تفاديًا للغرامات المالية الباهظة بذريعة البناء من دون ترخيص، حيث هدم أبناء الشهيد الأستاذ يعقوب أبو القيعان وأبناء أشقائه 10 منازل كان يقطنها نحو 50 فردًا، من بينهم أطفال ونساء وكبار في السن، باتوا اليوم في العراء من دون مأوى، بعد اقتلاعهم من أم الحيران وهدمها من قبل السلطات الإسرائيلية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لصالح بناء بلدة استيطانية على أنقاض قريتهم.
واستشهد المربي يعقوب أبو القيعان (47 عامًا) في قريته أم الحيران برصاص الشرطة الإسرائيلية يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2017، وترك خلفه 13 ابنًا وابنة، باتوا اليوم في العراء مرة أخرى بعد هدم منازلهم في حورة.
وقال الطبيب حسام يعقوب أبو القيعان، نجل الشهيد ووالد لأربعة أطفال : “قُتل والدي في أم الحيران في كانون الثاني/ يناير 2017 برصاص الشرطة على خلفية هدم منازلنا، وقد نسبت الشرطة حينها لوالدي تهمة ‘مخرب’ لتبرير الجريمة التي ارتُكبت بحق شخص بريء لم يرتكب أي مخالفة”.
وأضاف: “أُجبرنا على هدم منازلنا في حورة مرة أخرى، بعد ترحيلنا وإجبارنا على هدمها في أم الحيران عام 2024. وهدمنا منازلنا مجددًا بعد أن وافقت ‘سلطة تطوير النقب” على نقلنا إلى الحارة رقم 9 في حورة. وبعد انتقالنا إلى حورة بعدة أشهر، قررت السلطات هدم منازلنا مرة أخرى، لذلك قمنا بهدمها ذاتيًا تفاديًا للغرامات المالية الباهظة التي كانت ستُفرض علينا في حال قامت السلطات بهدمها”.
وعن تفاصيل الوضع العائلي، أوضح أبو القيعان: “لدي أربعة أطفال، أصغرهم لم يتجاوز عمره بضعة أسابيع. إخوتي كانوا يسكنون هنا، ولكلٍّ منهم عائلة، وكذلك أبناء عمومتي كانوا يسكنون هنا ولديهم عائلات وأطفال، أصغرهم يبلغ خمسة أيام وأكبرهم ست سنوات. هؤلاء الصغار بلا مأوى، يبيتون في المركبات وفي العراء”.
وأشار إلى تزامن الهدم مع شهر الصيام قائلاً: “نحن في شهر رمضان، ولا يوجد مكان تجتمع فيه العائلات، والأطفال في حالة نفسية صعبة في ظل هدم المنازل. ما نواجهه صعب، خصوصًا على النساء والأطفال”.
وفي سياق تهجير أهالي أم الحيران لصالح بناء بلدة استيطانية على أنقاضها، قال أبو القيعان: “هذه ذروة العنصرية أن يُقتلع مواطنون من أراضيهم ومنازلهم لصالح بناء منازل للمواطنين اليهود. يتوجب على الدولة أن تتعامل مع المواطنين العرب على أنهم مواطنون لهم حقوق. لا يُعقل أن تُهدم منازل المواطنين العرب لصالح بناء منازل لليهود”.
وقال الطبيب أكرم أبو القيعان، والد لثلاثة أطفال، والذي هدم منزله ذاتيًا للمرة الثانية : بعد تهجيرنا من قريتنا أم الحيران، نُقلنا إلى الحارة رقم 9 في قرية حورة، حيث سكنّا نحن أقارب وأبناء الشهيد يعقوب أبو القيعان الذي قُتل برصاص الشرطة في كانون الثاني/ يناير 2017. واليوم أُجبرنا على هدم منازلنا مرة أخرى بعد اقتلاعنا من قريتنا قبل نحو عامين، بذريعة البناء من دون ترخيص”.
وأكمل: “كنا نسكن هنا في الحارة رقم 9 نحو 10 عائلات تضم 50 فردًا، من بينهم نساء وأطفال وكبار في السن. بتنا اليوم مشرّدين من دون مأوى في هذا البرد القارس، وذلك بعد تعهّد السلطات لنا، حين كنا في أم الحيران، بالسكن في هذه المنطقة في حورة، لكن كل ذلك كان هباءً وكذبًا”.
وأضاف: “السلطات الإسرائيلية تتهرب من مسؤوليتها وإيجاد حل قابل للتطبيق على أرض الواقع، وهدفها الوحيد هو الهدم والتشريد، وهذا ما تعرضنا له. لم يكتفوا بتهجيرنا واقتلاعنا من أرضنا في أم الحيران، والآن أجبرونا على هدم منازلنا في حورة، وهي مبنية أصلًا من بناء خفيف كمأوى للأطفال والنساء”.
وأشار إلى التوجهات التي قام بها الأهالي، قائلاً: “توجهنا إلى جميع الجهات والسلطات، بدءًا من رئيس الحكومة وحتى المحكمة العليا، مرورًا بالوزارات المختلفة والمحاكم. إلا أن المحكمة العليا رفضت التدخل ووافقت على الادعاءات الصادرة عن المؤسسات الحكومية ضدنا، وهي ادعاءات كاذبة وغير صحيحة، وبذلك بتنا في العراء من دون أي حلول”.
وعن ملاحقة الأهالي من أم الحيران وحتى حورة، قال: “هُدمت بيوتنا عدة مرات في عام 2017، وحينها قتلت الشرطة عمي يعقوب أبو القيعان، وفي عام 2024 أيضًا في أم الحيران، والآن مرة أخرى هدم ذاتي في حورة، حيث إن هدف هذا الهدم هو اقتلاعنا من أرضنا وتهجيرنا”.
وعن ظروف العائلات بعد هدم منازلهم، أوضح أن “ظروف العائلات صعبة جدًا، وقد باتوا في العراء في ظل الأجواء الماطرة والبرد القارس. جميع الأسر لديها أطفال صغار وكبار في السن، ويسكنون في مركباتهم وينصبون خيامًا غير صالحة للعيش”.
وفيما يتعلق بمحاولة مجلس حورة المحلي مساعدة الأهالي، قال: “حاول مجلس حورة المحلي مساعدتنا بكل الطرق، لكن دون جدوى، في ظل السياسات الحكومية المتبعة تجاه المواطنين العرب، إذ باتت هذه الأساليب أكبر من الجميع، والسلطات المحلية والمواطنون العرب في حالة عجز أمامها”.
واختتم أبو القيعان حديثه بالقول: “عندما أعود من عملي في المستشفى بعد تقديم العلاجات الطبية للمرضى، أعود إلى العراء. مطالبنا بسيطة وتتمثل في توفير قسائم أرض لنعيش بكرامة”.

