الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 3/3/2026 

ملخص مؤتمر ميونخ للأمن 2026

بقلم: تامير هايمن 

يُعدّ مؤتمر ميونخ الأمني ​​السنوي أهمّ ملتقى دولي يُعنى بقضايا الأمن. ففي كل عام، يجتمع رؤساء الدول والوزراء وقادة الرأي لمناقشة القضايا ذات الصلة بالأمن القومي والدولي. وقد تميّز مؤتمر هذا العام بنهج أكثر تصالحًا بين أوروبا والولايات المتحدة مقارنةً بالمؤتمر السابق. واستمرّ اتجاه زيادة الاستثمارات الأوروبية في مجال الأمن، كما استمرّت إعادة النظر في التحالفات في ضوء التهديد الذي تُشكّله روسيا وديناميكيات الشرق الأوسط. وتركز النقاش حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على انتقاد إسرائيل، في ظلّ ما وُصف بالضمّ الفعلي (تغيير إجراءات تسجيل الأراضي في الضفة الغربية). إلى جانب ذلك، برز النهج العدائي الذي تتبنّاه المملكة العربية السعودية تجاه الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، مع وجود رسائل منسقة بشكلٍ مثير للريبة بين المتحدثين الأتراك والقطريين والمتحدثين السعوديين.

 العلاقات الأوروبية الأمريكية: نبرة أمريكية تصالحية، وردّ أوروبي مماثل

ألقى ماركو روبيو، وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي الأمريكي، خطابًا مؤثرًا ومهذبًا ومحترمًا أمام الجهات المضيفة. كان هذا تناقضًا صارخًا مع الخطاب الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر ميونيخ العام الماضي. فقد خاطب فانس ممثلي الدول الأوروبية مشددًا على قيم الديمقراطية وحرية التعبير، مطالبًا إياهم بالاعتماد على أنفسهم، بينما أكد روبيو على المطلب الأمريكي بأن تتحمل الدول الأوروبية عبء الأمن. ووفقًا له، فإن الرئيس ترامب يحل النزاعات في جميع أنحاء العالم، وبفضله، من بين أمور أخرى، تم التوصل إلى اتفاق إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين من حماس، وتغيير الحكومة في فنزويلا، و”السلام مع إيران”. ومع ذلك، فقد شدد على القيم المشتركة، والأصل المشترك، والثمن الذي دفعه العالم الديمقراطي الليبرالي لتحقيق الحرية.

ومن قبيل الصدفة (أو ربما ليس كذلك)، أشاد القادة الأوروبيون بالرئيس ترامب طوال المؤتمر، ولم يوجهوا له سوى انتقادات قليلة. وجاءت أشد الانتقادات من حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم (الذي أظهر كاريزما وفخامة رئيس أمريكي من النوع المألوف في أفلام هوليوود). في المقابل، ألقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خطابًا شديد التعاطف مع الولايات المتحدة، وحرص على توجيه الشكر مرارًا وتكرارًا للرئيس ترامب، إلى جانب شكره الجزيل للدول الأوروبية. ومما لا شك فيه أن أوكرانيا ورئيسها كانا بطلَي المؤتمر. فعلى سبيل المثال، كان جناح أوكرانيا – وهو فندق تم تحويله إلى متحف حيّ – مجاورًا للمؤتمر، يُخلّد ثقافة أوكرانيا ومأكولاتها وتاريخها وروحها.

لم يكن زيلينسكي الوحيد الذي أشاد بالولايات المتحدة. فقد تبنى رئيس الوزراء الدنماركي، الذي يخوض نزاعًا مع ترامب بشأن مطالبته بالسيادة الأمريكية على غرينلاند، نبرة تصالحية أيضًا، بل وأشار إلى أنه في ختام النزاع: “خرجنا جميعًا أقوى”. وقد تم الاتفاق على توسيع وجود حلف الناتو في غرينلاند، ومن الواضح أن الجزيرة الاستراتيجية ستبقى تحت السيادة الدنماركية، بحيث استقرت الأمور سلميًا. كما تبادلت دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، عبارات الثناء مع الرئيس، حيث أشاد المتحدث باسمها بالرئيس على حزمه، وإنهاء الحرب في قطاع غزة، وتفاؤله بالمستقبل. أشادت تركيا وسوريا بالرئيس لشجاعته وثقته، واستمرت الإشادات.

خلال المؤتمر، بدا جلياً استمرار الصحوة الأمنية في أوروبا، مع إدراك واضح بأن القارة لا تستطيع الاستغناء عن الولايات المتحدة. وقد طُرحت فكرة القوة الأوروبية مجدداً، والمثير للدهشة أن الهند أيضاً طرحت الفكرة، حيث طرح وزير خارجيتها فكرة تشكيل مجموعة اقتصادية تضم أكبر دولتين اقتصاديتين باستثناء الولايات المتحدة والصين. ورأى الوزير قائلاً: “إذا أرادوا الخلاف، فليستمروا، أما باقي الدول الكبرى فستواصل مسيرتها بمفردها”.

 جوانب الاستقلال الأوروبي التي نوقشت خلال المؤتمر:

الجانب الاقتصادي: البحث عن مصادر تمويل بديلة ونوع مختلف من الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على ضرورة تخفيف القيود التنظيمية وتمكين اقتصاد أسرع وأكثر تنافسية، بما يتماشى مع الحاجة إلى التكنولوجيا الثورية وريادة الأعمال.

الجانب الدبلوماسي: تبني أوروبا سياسة خارجية مستقلة وواضحة، بقيادة معارضة روسيا – “الجبهة الشرقية”؛ ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية – “الجبهة الجنوبية”؛ والتنافس في القطب الشمالي على طرق التجارة والقدرات العسكرية الجديدة – “الجبهة الشمالية”؛ والمواجهة مع الولايات المتحدة كشريك رئيسي، ولكن بقيادة إدارة متقلبة وغير متوقعة، والتي قد تكون معادية لأوروبا في بعض الأحيان – “الجبهة الغربية”.

الجانب العسكري: سيؤدي استثمار 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع إلى بناء جيوش كبيرة وقوية. ويُعدّ تحقيق هذه الميزانية تحديًا، كما أن إمكانية التعاون في إطار جيش أوروبي موحد تُمثل تحديًا كبيرًا أيضًا. مع ذلك، من الواضح أن ثمة حاجة إلى رؤية جديدة، رؤية تتسق مع القدرات الجديدة والتعزيز المتجدد القادم.

 خطأ إيران التاريخي في دعم روسيا

خلال المؤتمر، برزت النظرة السلبية لإيران، ليس فقط بسبب القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية هناك (والذي ذُكر بشكل طفيف)، بل أساسًا بسبب دعمها لروسيا. ومع ذلك، لوحظ أن هذا الدعم لم يُفِد النظام في طهران. فروسيا لا تُساعد إيران خلال أكبر أزمة في تاريخها، بينما أدى الدعم الإيراني لروسيا إلى انفصال إيران عن أوروبا. وقد أكد العديد من القادة على ضرورة إسقاط النظام في طهران أو استبداله سلميًا. حتى أولئك الذين يُعارضون الحرب مع إيران ويُؤيدون الاتفاق معها، ولا سيما منظمات المجتمع المدني ودول من بينها الهند، يُقرّون بمشاكل النظام، ويسعون إلى الاستقرار، ويُفضلون “إيران مختلفة”.

في المنتديات التي ركزت على العمل الأمريكي المُرتقب ضد إيران، لم يكن هناك وضوح بشأن توقيت العمل وهدفه، فضلًا عن فرص التوصل إلى اتفاق. من بين أمور أخرى، تم التركيز على مسألة “اليوم التالي”، بافتراض تنفيذ ضربة عسكرية لتقويض النظام. واتفق المتحدثون على ضآلة احتمالية اندلاع ثورة داخلية تُفضي إلى تغيير النظام وظهور حكم ديمقراطي. وفي هذا السياق، تطرقت السيناريوهات المختلفة إلى صعود دكتاتورية عسكرية، أو حكومة بيروقراطية محافظة غير ثورية، أو نظام شعبوي علماني بقيادة جديدة. وكان السيناريو الأكثر تفاؤلاً هو تصوير إيران كدولة مثل تركيا – ديمقراطية ظاهرياً تخفي نظاماً محافظاً أيديولوجياً دينياً.

وظهر رضا بهلوي في مقابلة حادة مع كريستيان أمانبور، دعا فيها إلى احتجاجات جماهيرية، وهو ما دفع الكثيرين إلى الشوارع، لكن المظاهرات جرت في ميونيخ لا طهران. ووفقاً له، فإن قيادته ضرورية للجماهير في إيران، كما يبدو، بسبب الهتافات باسمه. ويؤكد أنه لا يسعى إلى دعم الحكومة الأمريكية، ولن يحصل عليه، بحسب تصريح السيناتور ليندسي غراهام. بالإضافة إلى ذلك، أدان رضا بهلوي عنف المتظاهرين المؤيدين له، والذين يهاجمون المعارضين الديمقراطيين للنظام. وقد عززت هذه الكلمات الفهم السائد بأن الانقسام بين فصائل المعارضة الإيرانية يُصعّب توحيد الجهود ضد النظام. وفي مواجهة مزاعم معارضيه، الذين يدّعون رغبته في إعادة النظام الملكي الإيراني، ترك رضا بهلوي المسألة غامضة: سنتولى السلطة أولاً، ثم سنقرر نوع النظام بناءً على نتائج استفتاء شعبي.

ابتعاد إسرائيل عن التكامل في الشرق الأوسط، وتماسك العرب، باتا في خطر

وبحسب ما قيل في المؤتمر، يُنظر إلى إسرائيل كدولة قوية تسعى للهيمنة الإقليمية، وتُفضّل مصالحها الأمنية على غيرها. بل إنها، في سبيل هذه المصالح، مستعدة لتقويض أمن دول أخرى في المنطقة. وهذا النهج الإسرائيلي، كما يُنظر إليه، غير مقبول. ويُقال إن إسرائيل تُبالغ في ردود أفعالها تجاه أي شبهة، ولو كانت طفيفة، بوجود تهديد محتمل.

وتقود هذا النهج النقدي المملكة العربية السعودية، وإلى حد أقل تركيا وقطر. فالسعودية، التي ينطبق عليها القول “ما يُستبعد في الأحلام يُستبعد”، ترى في الهيمنة الإقليمية (المُتصوّرة) لإسرائيل تهديدًا، وتربط الصراع الحالي بينها وبين الإمارات العربية المتحدة بعلاقاتها مع إسرائيل. ترى الرياض أن إسرائيل تسعى لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، لا سيما في البحر الأحمر عبر ربطها بأرض الصومال، وفي الخليج العربي عبر ربطها بالإمارات العربية المتحدة. وفي هذا السياق، أعرب ممثلو المملكة العربية السعودية عن معارضتهم الشديدة لسياسة إسرائيل (مع الحرص، بطبيعة الحال، على مجاملة الرئيس ترامب وعدم معارضته). صحيح أن النهج التصادمي السعودي يعزز التماسك بين الإمارات وإسرائيل، إلا أنه يُبعد كثيراً احتمالية التطبيع الإسرائيلي السعودي، ويُصعّب تنفيذ المشاريع الرامية إلى تعزيز التكامل الإقليمي الذي يشمل إسرائيل، ولا سيما ممر البنية التحتية الذي سيربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط (IMEC). وقد أوضح وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل، هذا الموقف، منتقداً الوجود العسكري الإسرائيلي في سوريا، لما يُسببه من صعوبة في استقرار النظام السوري الجديد. كما انتقد السياسة الإسرائيلية، التي أقرتها الحكومة مؤخراً، بشأن حقوق تسجيل وبيع الأراضي في الضفة الغربية، وهي سياسة تُوسّع نطاق تسجيل الحقوق باسم الدولة.

وقد حظيت الحرب في السودان باهتمام خاص في المؤتمر. أكد مسعود بولس، المبعوث الخاص للرئيس ترامب لحل النزاعات، أن الحرب في السودان تُعدّ أخطر أزمة إنسانية في القرن الحادي والعشرين، حيث تُرتكب خلالها جرائم خطيرة ضد الإنسانية، لا سيما في مجال العنف ضد المرأة (أفادت 90 في المئة من النساء بتعرضهن للاغتصاب، بدءًا من سن الثامنة). ومن بين أمور أخرى، قال متحدثون من منظمات حفظ السلام إنه يجب المطالبة باتخاذ إجراءات ضد الإمارات العربية المتحدة لدعمها “قوة الرد السريع” في السودان.

مع ذلك، اتهم ممثلو الإمارات في المؤتمر السعودية بالتعاون مع إيران والوقوف وراء الهجوم المنظم عليها. وكان رد الفعل الأمريكي على هذا التطور محدودًا. فباستثناء دعوة السيناتور غراهام للطرفين – السعودية والإمارات – لوقف هجماتهما المتبادلة، لم يُبدِ أي قلق بشأن تدهور العلاقات بين الحليفين المقربين للولايات المتحدة في الخليج.

 الصراع الإسرائيلي الفلسطيني – ليس محور المؤتمر

لم يحظَ تغيير إسرائيل لسياستها بشأن تسجيل الأراضي وحقوق بيعها في الضفة الغربية باهتمام إعلامي واسع في إسرائيل، إلا أن مؤتمر ميونيخ اعتبر هذا التطور بمثابة زلزال. فالاعتراف الفعلي بجزء من أراضي الضفة الغربية كأراضٍ خاضعة للقانون الإسرائيلي، رغم وجود القانون الإسرائيلي، يُعدّ، من وجهة النظر الأوروبية، تغييراً في السياسة يتعارض مع القانون الدولي الذي ينص على عدم جواز تغيير وضع الأراضي المحتلة والمُسيطر عليها عسكرياً. ويُفند هذا التغيير في السياسة الإسرائيلية، في هذا السياق، الادعاء القانوني الإسرائيلي القديم بأن الوضع في الضفة الغربية مؤقت. ويرى النقاد أن هذا دليل قاطع على الضم الفعلي، دون إعلان رسمي.

ولم يُفوّت القادة والناشطون الفلسطينيون الحاضرون في المؤتمر أي فرصة في كل جلسة طُرحت فيها القضية الفلسطينية، لدعوة الدول الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل بدلاً من الاكتفاء بالكلام. الرسالة الفلسطينية، التي تكررت وبرزت، هي أنه بما أن أوروبا قد اعترفت بدولة فلسطين (إعلان نيويورك)، فعليها التحرك ضد إسرائيل التي تنتهك السيادة الفلسطينية وحق فلسطين في الوجود. ويبدو أن وراء ذلك رغبة فلسطينية في استغلال التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، ودفع الدول الأوروبية إلى تبني سياسة مستقلة، حتى لو تعارضت مع السياسة الأمريكية.

وكانت ردود الفعل على هذه الرسالة اعترافًا كاملًا بحقوق فلسطين، وإدانة للحكومة الإسرائيلية، واعتذارًا عن عدم بذل المزيد من الجهود لصالح الفلسطينيين. ومع ذلك، لم يوافق أي من المتحدثين على المطلب الفلسطيني بفرض عقوبات على إسرائيل، إذ ادعى معظمهم أن ذلك يتطلب إجماعًا أوروبيًا شاملًا، وأن هذا حدث سياسي معقد. ومع ذلك، كان من المستحيل تجاهل ارتياح الفلسطينيين لحصول القضية على تعاطف. وقد أكد جميع المتحدثين، دون استثناء، التزام أوروبا بحل الدولتين.

طرح بعض المتحدثين الفلسطينيين نهجًا مختلفًا لحل الدولتين، إذ رأوا أن الحل الأمثل هو قيام اتحاد إسرائيلي فلسطيني – دولة واحدة، ولكن ليس بمعنى دولة فصل عنصري، بل كدولة اتحادية على غرار النموذج الأوروبي. وقد أيّد هذا الرأي مسؤولون أوروبيون رفيعو المستوى، شركاء في مجلس السلام ومجلس إدارة قطاع غزة. ورأوا أن ربط قطاع غزة بالدولة الفلسطينية مستقبلًا يمكن أن يتم وفقًا للنموذج الاتحادي. ماذا لو لم يكن ذلك ممكنًا؟ كان من بين أكثر التوقعات تشاؤمًا ما طرحه زعيم فلسطيني سابق. ففي رأيه، لن تقوم دولة فلسطينية، وستستمر إسرائيل في الحكم، ولكن نظرًا للتفوق الديموغرافي العربي (إذ ستتشكل أغلبية عربية راسخة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ​​في المستقبل البعيد، أي بعد حوالي عشرين عامًا)، ستتحول إلى دولة فصل عنصري. ولن تصمد مثل هذه الدولة. وكما حدث في جنوب إفريقيا، سيعزل العالم إسرائيل ويفرض عليها عملية سياسية تؤدي إلى حكم الأغلبية العربية في أرض إسرائيل.

مجلس السلام وخطة ترامب لقطاع غزة – ارتباك أوروبي

خلال المؤتمر، عُقدت جلسات عديدة تناولت مجلس السلام والحكومة في قطاع غزة. وتعرض ممثلو مجلس إدارة غزة لانتقادات متكررة بسبب افتقارهم للتخطيط المُفصّل، وعدم جدواهم السياسية، وعدم مشاركة السلطة الفلسطينية في التنظيم، وغير ذلك.

وفي سياق مجلس السلام، وُجّهت انتقادات حادة للرئيس ترامب لإنشائه هيئة غير ديمقراطية يُفترض أن تحل محل الأمم المتحدة. ومن المثير للاهتمام الادعاء بأنه قد ينوي الاستمرار في رئاسة المجلس حتى بعد انتهاء ولايته، إذ ينص ميثاق تأسيس المجلس على أنه رئيس مجلس الإدارة.

وينبع الارتباك الأوروبي من حقيقة أن خطة ترامب لقطاع غزة تتضمن أيضًا فوائد للفلسطينيين: نزع سلاح حماس، وإعادة إعمار القطاع، والسيادة الفلسطينية بدعم دولي. وهناك اتفاق على هذه الروابط. لكن مجلس السلام يضم أيضًا بنيامين نتنياهو والرئيس ترامب نفسه، اللذين يعارضان، وفقًا للعديد من المتحدثين في المؤتمر، إقامة دولة فلسطينية، وبالتالي فإن الخطة لن تؤدي إلى حل سياسي، بل إلى ترتيب مؤقت لن يدوم (وكان من بين أبرز المنتقدين رئيس وزراء إسبانيا). اضطر أعضاء مجلس قطاع غزة للدفاع عن أنفسهم والاعتذار في مواجهة الانتقادات، وحاولوا توضيح أن هذه مجرد بداية، وطالبوا بإعطاء السلام فرصة. ومن بين أمور أخرى، أشاروا إلى التزامهم بإقامة دولة فلسطينية، باعتبارها الحل النهائي. كما تم التطرق إلى أهمية الحفاظ على الأمن، بما في ذلك أمن المواطنين الإسرائيليين.

 خلاصة القول

تتمثل الخلاصة بالنسبة لإسرائيل في سلسلة من الفرص والمخاطر. تتمثل أكبر فرصة في الإمكانات الاقتصادية للصناعة الدفاعية الإسرائيلية. فصورة إسرائيل وخبرتها تخلقان رصيدًا هائلاً من الفرص. في الوقت نفسه، يتمثل أكبر خطر في تصنيف إسرائيل كدولة تقوض الاستقرار الإقليمي والعالمي. تتجه إسرائيل نحو الابتعاد عن التطبيع الإقليمي نتيجة لتغير نهج السعودية والإمارات تجاهها، فضلاً عن الجمود الذي يكتنف القضية الفلسطينية. قد يُوحي هذا بخيار التريث وعدم المبادرة. إلا أن هذا التوجه يُشير إلى ضرورة انتظار حلٍّ يُتيحه تطور التغيرات الديموغرافية في ساحة الصراع، والتغيرات الدولية. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتعين على إسرائيل أن تُكيّف سياستها مع هذه الفرص والتحديات.

——————————————

هآرتس 3/3/2026

لقد تغيرت الظروف التي يواجهها حزب الله، سيتبين ان قراره بالهجوم كان خطأ

بقلم: اورنا مزراحي

لقد انضم حزب الله أول امس للحرب الى جانب ايران رغم الثمن الباهظ الذي سيدفعه. البعض يقارنون هذا القرار مع الخطأ الذي ارتكبه حسن نصر الله عندما قرر شن حرب ضد إسرائيل كجبهة داعمة لحماس في تشرين الأول 2023، وهو القرار الذي أدى الى قتله واضعاف الحزب بشكل كبير.

لكن هذه المقارنة لا تصلح اليوم. فالواقع الإقليمي ووضع حزب الله ومكانته مختلفة كليا عما كان عليه في حينه. لقد اعتمد حسن نصر الله في حينه على القوة العسكرية لحزب الله و”توازن الردع” بين الحزب والجيش الإسرائيلي، الذي تفاجأ في 7 أكتوبر واختار في البداية التركيز على قطاع غزة كجبهة رئيسية، وامتنع لمدة سنة تقريبا الدخول الى حملة واسعة النطاق ضد حزب الله. اما الآن فان الوضع مختلف في جوانب كثيرة.

أولا، حزب الله الذي تم اضعافه بعد الحرب، يتعرض للهجوم كل يوم من قبل الجيش الإسرائيلي منذ وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الامر الذي صعب عليه التقدم في جهود إعادة البناء لنفسه. الأمين العام الجديد للحزب، نعيم قاسم، لا يملك القدرة على القيام بدور حسن نصر الله، ويواجه خلافات داخلية. لقد فقد الحزب حوالي 80 في المئة من قدرته العسكرية وهيكله القيادي العسكري المخضرم، ويواجه صعوبات مالية. رغم استمرار دعم ايران الا ان جهود ايران الاغاثية تواجه صعوبة بسبب فقدانها حرية الحركة في سوريا ومعارضة الحكومة اللبنانية الجديدة لتدخلها في شؤونها.

ثانيا، إسرائيل، بالتعاون مع أمريكا، تخوض حرب واسعة النطاق في ايران، لكن الجيش الإسرائيلي يتمتع بقدرة متطورة  على التعامل مع حزب الله المهزوم. قواعد اللعب تغيرت، واصبح الجيش الإسرائيلي له حرية عمل وسيطرة كاملة على المجال الجوي، ناهيك عن سيطرته على شريط واسع على طول الحدود، الامر الذي يسمح له بالعمل بحرية ضد حزب الله الذي (دفع نحو الشمال) بدون الحاجة الى اخلاء المدنيين في الطرف الإسرائيلي.

ثالثا، تراجع مكانة حزب الله في لبنان. الحزب فقد القدرة على التاثير في عمليات صنع القرار في لبنان، وجعلت القيادة اللبنانية الجديدة التي تشكلت بعد الحرب من مهمتها إرساء سيادة الدولة، وفي هذا الاطار نزع سلاح حزب الله. ورغم ان الحكومة ما زالت ضعيفة وتواجه صعوبة في ذلك، بسبب ضعف الجيش اللبناني والخشية من صراعات عنيفة مع الحزب، الا انها مصممة على الاحتفاظ بصلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة بقضية الحرب والسلام التي استاثر بها حزب الله لنفسه. في هذا السياق لا بد من النظر الى ردود الفعل الحادة للرئيس اللبناني الذي ادان مهاجمة إسرائيل، ورئيس الوزراء اللبناني الذي اصدر بيان يمنع الحزب من مواصلة العمل ضد إسرائيل.

وقد تم اتخاذ قرار الانضمام للحرب الى جانب ايران (مع معرفة انه من غير المؤكد ان نعيم قاسم هو الذي قاده، ربما كان القرار من قبل احد العسكريين، لكن هذا لا يهم لان حزب الله اعلن المسؤولية عنه)، بعد مداولات مطولة وتصريحات غامضة عشية عملية “زئير الأسد”. وقد انبثقت هذه التصريحات من الوضع الراهن للحزب، ومن تحذيرات القيادة اللبنانية بعدم اقحام لبنان في حرب ليست حربه، ومن تهديدات إسرائيل والولايات المتحدة.

على خلفية رد إسرائيل فانه يبدو ان هذا كان خطأ فادح من ناحية حزب الله، لكن ما حسم الامر وادى الى هجوم أمس، في مرحلته الأولى عبر اطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على نطاق محدود، هو اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي وصفه الحزب بانه “خط احمر”. وهكذا التزم الحزب بالفعل برد عسكري. إضافة الى ذلك دفع التزام حزب الله بايران، حليفته، الى تفضيل التدخل لخدمة مصالحها على ولائه لدولة لبنان، أيضا ساهمت دعوات الانتقام في مسيرات العزاء ودعم ايران التي شارك فيها عشرات آلاف الشيعة في لبنان في اعقاب عملية الاغتيال، ساهمت في هذا التوجه.

هجوم حزب الله كان في صالح إسرائيل، التي كانت تنتظر الفرصة المناسبة لاستكمال مهمتها وتنفيذ الخطط التي اعدها الجيش الإسرائيلي مسبقا لشن جولة قتال واسعة النطاق ضد الحزب بهدف تعميق الضرر الذي لحق بقدرته، التي تمكن من استعادتها منذ وقف اطلاق النار، فضلا عن الحاق الضرر بقيادته (حيث جاءت انباء عن اغتيال محمد رعد، رئيس قائمة حزب الله في البرلمان اللبناني مساء أمس، وان المزيد من الاغتيالات في الطريق).

الجيش الإسرائيلي سارع الى الرد من خلال سلسلة هجمات في مناطق واسعة في لبنان، واعلن رئيس الأركان عن بدء حملة ستستمر لبضعة أيام، ويبدو انها ستشمل عملية برية. يصعب التنبؤ أي حزب الله يمكن رؤيته بعد انتهاء الحرب، لكن يمكن التكهن بان هذا القرار قد يكون بمثابة “بكاء لاجيال” للحزب وانصاره.

——————————————

هآرتس 3/3/2026 

في شن حربه على ايران يراهن ترامب على الرأي العام في امريكا

بقلم: ياعيل شترنهل

رغم الإنجاز الباهر الذي يتمثل في القضاء على قمة القيادة في ايران، على رأسها الزعيم الأعلى علي خامنئي، ما زال رد فعل الشعب الأمريكي حول الهجوم العسكري في ايران فاتر. حتى وسائل الاعلام المحافظة والتي في العادة تدعم سياسة خارجية متشددة، مثل “وول ستريت جورنال” تظهر الشكوك وتطرح التساؤلات حول اهداف العملية والقدرة على تحقيقها. وقد اظهر استطلاع أجرته “رويترز” بعد بدء العملية بان 27 في المئة من المستطلعين فقط يؤيدونها، و56 في المئة اعتبروا ان الرئيس ترامب متسرع جدا في استخدام القوة العسكرية.

يتبين انه رغم التغييرات العميقة التي حدثت في السياسة الامريكية في العقد الأخير، والهوس المتواصل الذي يميز عهد ترامب، الا ان الأمريكيين، بما في ذلك الجمهوريين، لم ينسوا الدرس القاسي لحروب الشرق الأوسط التي دخلتها الولايات المتحدة بعد عمليات 11 أيلول. وقد بنى ترامب نفسه في بداية مسيرته السياسية صورته العامة، ضمن أمور أخرى، على الصراحة اللافتة التي ادان فيها قيادة الحزب الجمهوري بسبب الحروب الفاشلة التي قادها.

لقد نجحت الولايات المتحدة في العراق وفي أفغانستان في اسقاط الأنظمة القمعية، ولكنها فشلت فشلا ذريعافي ترسيخ بدائل قابلة للبقاء. ففي العراق أدت الحرب الى تفكك الدولة وصعود تنظيم داعش، وفي أفغانستان انتهت الحرب بعد 18 سنة بانسحاب مهين شوه سمعة الرئيس في حينه، جو بايدن، الى درجة أن البعض ينسبون انهيار شعبيته لذلك.

حتى الذين لا يعرفون أو لا يتذكرون التاريخ الطويل والمحرج لعمليات التدخل الامريكية في دول أخرى خلال القرن الماضي، الا انهم يتذكرون الطائرات الامريكية التي أقلعت بذعر من كابول في العام 2021 عندما استعادت طالبات السيطرة على البلاد، وكشفت لكل العالم عجز اقوى قوة في العالم. الأغلبية الساحقة من الأمريكيين لا تدرك الفرق بين ايران وأفغانستان والعراق، وهي تعتبرها كلها دول شرق أوسطية بعيدة وعنيفة، والتي من الأفضل للولايات المتحدة ان تبعد نفسها عنها. بالنسبة لهم الحرب التي بدات في صباح السبت بدون أي استعداد هي حدث ليس له معنى أو أي صلة حقيقية بعالمهم. بالنسبة لترامب فان تصدر الحرب على جدول الاعمال في نهاية الأسبوع بدأ بكونه اخبار سارة أبعدت الانشغال اللانهائي بالفضائح المتواصلة في قضايا المتحرش الجنسي وصديقه السابق جيفري ابستين، أو بانتخابات نصف الولاية التي بدات تقترب وتهدد بعودة الحزب الديمقراطي الى السيطرة على الكونغرس.

لقد أعاد نبأ اغتيال خامنئي بضربة واحدة ومفاجأة تامة الى الاذهان اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في بداية كانون الثاني، الذي يعتبره ترامب نجاح كبير ونموذج للتدخل العسكري الذي يرغب في تنفيذه: سريع وجذاب إعلاميا وبدون خسائر في الطرف الأمريكي. ولكن بعد ثلاثة أيام اصبح من الواضح ان الحرب في ايران معقدة اكثر بكثير، وان قرار شنها يمثل مقامرة كبيرة على مكانة الرئيس في الراي العام.

لقد تم افتتاح أسواق الأسهم على انخفاض في يوم الاثنين، في حين ارتفعت أسعار النفط، واعلن قادة البنتاغون في مؤتمر صحفي عن ارسال قوة إضافية الى الشرق الأوسط، ورفضوا تحديد موعد نهاية. مع مرور الوقت تتضح التناقضات في رسائل الإدارة الامريكية حول هدف الحرب.

وزير الدفاع الأمريكي بيت هاغست صمم على ان الحرب لن تورط الولايات المتحدة بالالتزام بإقامة نظام ديمقراطي في ايران، لان الإدارة الامريكية الحالية غير معنية بـ “حروب سليمة سياسيا”، وان الهدف العملية يقتصر على اضعاف القدرات العسكرية لإيران. يصعب التوفيق بين هذه التصريحات وتصريحات ترامب نفسه في بداية العملية، عندما دعا الشعب الإيراني الى استغلال الهجوم من اجل التحرر من حكم آيات الله، مع ان ترامب نفسه، بعد يومين وفي مقابلات مستمرة مع وسائل اعلام مختلفة، ظهر مختلف، حيث ذكر أربعة اهداف للحرب لم تتضمن اسقاط النظام.

في غضون ذلك تنشغل إسرائيل حاليا بالطلبات الملحة لخوض الحرب والدفاع عن الجبهة الداخلية، لكن من حيث علاقتها المعقدة مع الرأي العام الأمريكي، فانه يوجد هنا رهان غير بسيط. فقد تراجعت مكانة إسرائيل في الراي العام الأمريكي الى ادنى مستوى على الاطلاق بعد سنتين من الحرب على غزة. وترفض أصوات كثيرة، من اليمين الانفصالي واليسار التقدمي على حد سواء، التسليم بالمسلمة التي تقول بان الولايات المتحدة تلتزم بدعم حليفتها التاريخية في الشرق الأوسط.

على الرغم من تأكيد الرئيس ترامب على قوة الجيش الأمريكي في خطاباته، الا ان الخطاب العام يصور الحرب كعملية مشتركة بين الجيشين. ومن بين التفسيرات المقدمة لقرار شن الحرب هو قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على الاقناع، إضافة الى مصالح أخرى مثل المملكة العربية السعودية. واذا ما تدهورت الأمور، مثلما هي الحال على الاغلب في الحروب، فسيسهل تصور كيف سيتم القاء اللوم على إسرائيل بالفشل.

في غضون ذلك يتمتع ترامب بالوضع الخاص للقائد الأعلى للقوات المسلحة في زمن الحرب، بما في ذلك التغطية الإعلامية المتواصلة والوتيرة السريعة التي تبدو وكانها صممت خصيصا لشخصية تلفزيونية تحب الدراما. ولكن السؤال كالعادة هو الى متى سيبقى مركز على الهدف ومتى سيشعر ان السحر يتلاشى وينتقل الى موضوع آخر لامع اكثر ومعقد اقل. ماذا ستفعل إسرائيل عندما سيحدث ذلك.

——————————————

هآرتس 3/3/2026

ايران تحاول اقتياد الحرب الى استنزاف ويبدو ان إسرائيل تجتذب اليها

بقلم: تسفي برئيل 

ان دخول حزب الله الى المعركة الامريكية – الإسرائيلية ضد ايران، واطلاق الصواريخ على إسرائيل وقبرص أمس، يشير الى طبيعة الحرب التي تسعى ايران الان لفرضها في المنطقة. يبدو ان ادراك ايران لعجزها عن حسم المعركة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وضعفها العسكري، وفقدانها للقيادة العليا في الجيش والحرس الثوري، واغتيال المرشد الأعلى وعدد من صناع القرار والمستشارين على اعلى المستويات السياسية، كل ذلك أدى الى تفعيل ما يمكن تسميته بـ “الخطة البديلة”، التي بحسبها سيسمح للقوات المسلحة من أي نوع، داخل ايران وخارجها، بالتصرف بشكل مستقل وفقا لخطة تم تحديدها مسبقا، حتى لو لم تتمكن من الحفاظ على اتصال هرمي مع القيادة العسكرية والسياسية العليا في ايران.

وحتى قبل اندلاع الحرب، عندما كانت تناقش في ايران سيناريوهات محتملة لطبيعة الحرب التي ترغب الدولة أو تستطيع خوضها، تحدث احد قادتها عن شن حرب استنزاف طويلة، لا تقتصر على الحاق الضرر بالاهداف العسكرية الامريكية أو أراضي إسرائيل فقط. أيضا حدد اهداف “مؤلمة” في الخليج الفارسي تشمل البنى التحتية المدنية واهداف اقتصادية لها أهمية دولية، وأمل في ان يساهم ذلك في استخدام ضغط دولي لتقصير مدة الحرب أو حتى انهاءها.

اول امس، عندما استهدفت مواقع في قطر والكويت والامارات، حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تبرير ذلك بانه “هجوم مشروع على اهداف عسكرية أمريكية للدفاع عن النفس، وليس هجوم على دول أخرى”. في نفس الوقت أفادت التقارير بان الأمين العام للمجلس الأعلى للامن القومي علي لاريجاني اظهر استعداده للتفاوض مع الولايات المتحدة، ولكن سلسلة الهجمات على الدول العربية الجارة، التي شملت مطارات وفنادق ومنشآت نفط الى جانب قواعد عسكرية، قد تشير الى ان ايران بدات في تنفيذ خطة حرب الاستنزاف، أو ان عملية اتخاذ القرار حول طبيعة الحرب قد نقلت من لاريجاني الى قادة عسكريين آخرين، يتخذون القرارات بشكل مستقل حول كيفية رد ايران.

في سياق هذا التحول نشاهد أيضا دخول حزب الله الى ساحة القتال، رغم ان فروع أخرى مثل المليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن، تمتنع عن ذلك في هذه المرحلة. وما زال من غير الواضح اذا كانت ستنضم أو لا ومتى. في حينه وضع علي خامنئي مبدأ تشغيل واضح لهذه الفروع، وبحسبه يحق لكل تنظيم ان يقرر العمل “حسب ظروف واحوال الدولة التي يعمل فيها”. لقد كان الهدف من هذا المبدأ هو الحفاظ على توازن سياسي للقوى، يهدف الى منع أي احتكاك غير ضروري بين الحكومات والمواطنين في الدول المضيفة وبين التنظيمات التي تعمل في اطار حلقة النار الإيرانية. وقد سمح هذا المبدأ لإيران ليس فقط استخدام القوات العسكرية ضد الأعداء الخارجيين، بل أيضا توظيفها لتعزيز نفوذها في هذه الدول، وقد كان الحوثيون استثناء لهذه القاعدة. فبصفتهم “أصحاب الأرض” في المنطقة التي يسيطرون عليها في اليمن، كان يمكنهم اتخاذ قرار مستقل بشان وقف اطلاق النار مع القوات الامريكية، ومواصلة مهاجمة إسرائيل، ناهيك عن الاستفادة من التمويل غير المباشر من السعودية إضافة الى المساعدة المباشرة من ايران.

لكن الحرب في قطاع غزة، التي طورت ذراع في لبنان، غيرت بشكل جذري شروط وجود حزب الله في لبنان. سقوط نظام الأسد واستيلاء احمد الشرع السريع على السلطة في الدولة أدى الى قطع اهم طريق لوجستية لحزب الله. وقد أدى اغتيال القيادة العسكرية والسياسية العليا برئاسة الأمين العام للحزب حسن نصر الله، الى وضع الحزب في يد الشيخ نعيم قاسم غير الكفؤة. وقد حاصر اتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024، الذي لم ينفذ بالفعل، الى جانب الضغط الأمريكي الشديد على الحكومة اللبنانية، الحزب في ظروف سياسية صعبة جدا، سواء في علاقته مع ايران والحكومة اللبنانية أو علاقته مع الأقلية الشيعية. اما القرار التاريخي لحكومة لبنان والرئيس جوزيف عون، بدعم الزعيم الشيعي المخضرم نبيه بري، جمع السلاح في يد الدولة وتفعيل الجيش اللبناني لتنفيذ القرار، فقد قضى بالفعل على شرعية “المقاومة المسلحة” ومكانتها كجزء من منظومة الدفاع الحكومية.

حتى الان عملية جمع السلاح وتدمير البنى التحتية لحزب الله في جنوب الليطاني لم تحقق الا نجاحا جزئيا. ولكن ادراك الحزب بان هذه العملية ستستمر في الأسابيع القادمة في شمال الليطاني والبقاع، إضافة الى تعزيز القوى الشيعية المدنية التي بدات في تحدي سلطة حزب الله في تمثيلها، شكل تهديد سياسي كبير له قبل الانتخابات المقرر اجراءها في أيار القادم. وقد اجبره ذلك على محاولة رسم مسار سياسي جديد.

قبل ثلاثة أسابيع تقريبا التقى محمد رعد، رئيس كتلة الحزب النيابية في البرلمان، مع الرئيس عون. وفي اعقاب الاجتماع قال رعد: “نعمل بجهد على التفاهم والتعاون مع الحكومة في كل ما يتعلق بتحقيق اهداف المواطنين اللبنانيين، بدءا بانهاء الاحتلال الإسرائيلي ومرورا باطلاق سراح الاسرى اللبنانيين لدى إسرائيل وعودة السكان الى بيوتهم وانتهاء بالبدء في مرحلة إعادة الاعمار والحفاظ على سيادة الدولة.

رعد لم يتطرق الى نزع سلاح حزب الله، لكنه كان احد المواضيع الرئيسية في النقاش الذي جرى في ظل تصميم نعيم قاسم على ان يتم نزع السلاح في اطار “استراتيجية دفاع وطني” يحدد فيها دور الحزب. وحتى ذلك الحين لن يتم ذلك الا بعد “انتهاء الاحتلال الإسرائيلي”. في نفس الوقت عدم رد حزب الله على الهجمات الإسرائيلية المتزايدة على لبنان، التي كانت تخرق وقف اطلاق النار، وعدم مواجهته للجيش اللبناني اثناء جمع السلاح في جنوب الليطاني، يشير الى ان الحزب، بشكل مستقل أو بموافقة ايران، بدأ يتساوق مع الوضع الجديد. كان الهدف من ذلك هو ضمان بقائه وبقاء مكانته السياسية بما يحافظ على نفوذ ايران في لبنان.

اطلاق الصواريخ امس على إسرائيل لم يقتصر على تجميد المفاوضات السياسية التي تجري بين الحكومة وحزب الله فقط، بل وضع الحكومة أيضا في مواجهة شاملة غير مسبوقة ضد الحزب. فقد اعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بان حزب الله محظور عليه القيام باي نشاط عسكري، بكونه غير مشروع، وعليه تسليم سلاحه للدولة وحصر نشاطاته في المجال السياسي حسب الدستور والقانون. وأضاف رئيس الوزراء توجيهاته للجيش بتنفيذ القرار ومنع أي عمل عسكري من قبل الحزب، بما في ذلك اطلاق الصواريخ أو المسيرات من أراضي لبنان، واعتقال كل من يقوم بفعل ذلك.

هذا القرار واضح ولا لبس فيه، وهو نظريا يرسخ قواعد لعب جديدة بين الدولة والحزب. مع ذلك، مثلما هي الحال مع قرارات الحكومة الأخرى، يبقى السؤال المطروح هو هل ستتمكن الحكومة من تنفيذه وكيف ستتمكن من ذلك بدون اثارة مواجهات عنيفة قد تتطور الى حرب أهلية في لبنان.

لقد استغلت إسرائيل بسرعة اطلاق الصواريخ وقامت بشن هجوم واسع النطاق في لبنان، حيث وعد رئيس الأركان ايال زمير بان هذه الحرب لن تنتهي الى حين “إزالة التهديد من لبنان”. وفي نفس السياق قال: “نحن سنواصل التصميم على نزع سلاح حزب الله”. هذه صيغة غامضة لا توضح اذا كان الجيش الإسرائيلي هو الذي سيقوم بنزع سلاح حزب الله أو اذا كانت إسرائيل مستعدة للتوصل الى اتفاق مع الحكومة اللبنانية لمساعدتها في ذلك. كل ذلك في حين لم تنجح إسرائيل حتى الان في نزع سلاح حماس في غزة. وما زال من غير الواضح متى سيتم نزع سلاحها.

تشير تصريحات رئيس الأركان الى ان إسرائيل تستعد لحرب شاملة في لبنان، يحتاج تحقيقها عمليات برية واسعة النطاق وطويلة المدى. هذا طموح جدير بالثناء، لكن تحقيقه قد يوقع إسرائيل في شرك خطة ايران، التي تسعى الى شن حرب استنزاف في كل جبهة ممكنة.

——————————————

هآرتس 3/3/2026

الجيش الإسرائيلي يسعى لالحاق اضرار ببرنامج الصواريخ البالستية والمنشآت النووية

بقلم: عاموس هرئيلِ 

في نهاية اليوم الثالث من الحرب ضد ايران يبدو ان الطريق ما زالت طويلة قبل تحقيق أهدافها. لقد حققت الولايات المتحدة وإسرائيل نجاح ملحوظ في الهجوم الافتتاحي، لكنه لم يترجم حتى الان الى استسلام سريع لكبار مسؤولي النظام في طهران الذين نجوا منه. ومثلما في البداية فان استمرار الحرب يعتمد بشكل أساسي على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: هل يملك الرئيس الصبر المطلوب لخوض حملة طويلة المدى على امل اسقاط النظام من الخارج؟. في غضون ذلك يبدو ان حزب الله قد سقط بشكل متعمد في الفخ الذي نصبته إسرائيل. قد ينضم هذا التنظيم اللبناني الان، على مضض، الى الحرب الإقليمية التي ستكلفه ثمنا باهظا.

وتترافق الحرب مثلما في الأسابيع التي سبقتها مع تصريحات ترامب المستمرة. ففي سلسلة محادثات مع المراسلين في أيام الاحد والاثنين قال الرئيس الشيء ونقيضه، ثم قال العكس مرة أخرى: العملية ستستمر ليومين أو ثلاثة أيام، وربما حتى أربعة او خمسة أسابيع. لدى الولايات المتحدة مرشحون لخلافة علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران الذي قتل في عملية اغتيال إسرائيلية خلال الضربة الافتتاحية، لكن تبين بعد ذلك ان هؤلاء المرشحين قد قتلوا معه. هكذا دواليك.

وزير الدفاع بيت هاغست أضاف عدة أمور خاصة به. جادل هاغست بانه خلافا لحرب العراق في 2003 لن تكون هذه الحرب حرب لا نهاية لها، وأضاف بان الهدف هو النصر وليس فرض الديمقراطية على الشعب الإيراني. في غضون ذلك أجريت مقابلة مع رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير، في برنامج “60 دقيقة” في قناة سي.بي.اس الامريكية، اعلن فيها استعداده للتطوع لقيادة بلاده خلال فترة انتقالية من الحكم الديكتاتوري لرجال الدين الى الديمقراطية.

ومثلما في المراحل السابقة من رئاسته الحالية، من الواضح ان ترامب متمسك بمبادئه الأساسية في الساحة الدولية، وهو مستعد لتطبيقها من خلال استخدام القوة بشكل استثنائي، وهو الامر الذي فضل معظم اسلافه في البيت الأبيض الامتناع عنه. من جهة أخرى، يبقى مشكوك فيه اذا كان يوجد لدى الأمريكيين خطة منهجية لاستغلال التفوق العسكري الكبير لتحقيق اهداف طموحة اكثر مثل تغيير النظام. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يحدث علنا عن نهاية النظام في ايران، ويامل ان يحقق جهد عسكري طويل بالتنسيق مع الولايات المتحدة هذا الهدف. ولكن إسرائيل تفحص أيضا احتمالية ان يمل الرئيس في وقت ابكر وان يعلن عن نهاية الحرب حتى لو حقق انجاز جزئي على شكل اتفاق نووي جديد بطلبات متشددة اكثر من قبل الإيرانيين.

رغم مرور ثمانية اشهر فقط على انتهاء حرب الـ 12 يوم تمكنت المؤسسات الأمنية في أمريكا وفي إسرائيل من اعداد موجة اغتيالات واسعة النطاق استهدفت كبار المسؤولين في النظام الإيراني. والمدهش اكثر هو القدرة على تضليل الإيرانيين ومهاجمتهم في اكثر مواقع اجتماعاتهم حساسية، مع ان النظام كانت لديه كل الأسباب للحذر في هذه المرة.

من الان فصاعدا تعتزم الدولتان القيام بجهود متزامنة: مواصلة ضمان التفوق الجوي والحاق الضرر بمنظومة الصواريخ البالستية، إضافة الى ملاحقة منصات الاطلاق وفرق الاطلاق، والهدف الاسمى هو الاضرار بالنظام نفسه. في غضون ذلك تتقدم الجهود المبذولة لكبح اطلاق الصواريخ من غرب ايران بنجاح، وتامل إسرائيل في ان تتمكن بالتدريج من تقليل مستوى الخطر على الجبهة الداخلية.

في الاستخبارات العسكرية يتحدثون أيضا عن تحركات لتقويض النظام، في الوقت الذي تهاجم فيه مقرات الاجهزة المعنية بالحفاظ على الامن الداخلي وقمع أي معارضة للحكومة. هذه القوات تظهر الان حضور متزايد في الشوارع، وفي نفس الوقت يتم ارسال رسائل تهديد نصية على هواتف المواطنين كي لا يتجرأوا على الخروج بأنفسهم. وفي إسرائيل ياملون ان تؤدي ضربة شديدة لقوة الباسيج والحرس الثوري الى عودة الجمهور الى الشوارع. وهناك مؤشر هام آخر لم يتم رصده حتى الان وهو استعداد عناصر من قوات الامن للانشقاق والانضمام الى صفوف المتظاهرين.

في الجيش الاسرائيلي لا يلتزمون باسقاط النظام، لكنهم يتحدثون عن هدف آخر مهم يجب تحقيقه في هذه المرة ولم يتحقق في حزيران، وهو الحاق ضرر كبير ببرنامج الصواريخ البالستية والمنشآت النووية، بطريقة لا تستدعي جولة قتال أخرى في غضون بضعة اشهر. الان ما كان ينبغي ان يكون واضح في نهاية الحرب اصبح واضح اكثر: الإنجازات التي تحققت في حزيران لم تكن كافية لتأجيل المواجهة التالية – ربما يكون النظام قد توصل الى استنتاج معاكس، فيما يتعلق بالحاجة الماسة الى إعادة بناء التشكيلات العسكرية بشكل سريع.

علاقات قوة مختلفة

شهد لبنان تطورات دراماتيكية خلال الـ 24 ساعة الأخيرة، حيث كثف الجيش الإسرائيلي هجماته على اهداف لحزب الله في الأيام الأخيرة، على خلفية بدء الحرب مع ايران. ورد حزب الله باطلاق ثلاثة صواريخ فجر امس، الامر الذي تم الرد عليه بهجمات إسرائيلية واسعة النطاق، بما في ذلك هجمات في بيروت تسببت باغتيال عدد من كبار قادة الحزب.

على الاغلب لم يكن امام حزب الله خيار آخر في ظل التوقعات الإيرانية، لكن يبدو ان هذا خطأ. ففي لبنان تعرض الحزب لانتقادات شديدة، الامر الذي دفع الدولة من جديد نحو كارثة، بعد سنة ونصف من الحرب السابقة مع إسرائيل في صيف وخريف 2024. وقد اصدر رئيس الوزراء نواف سلام بيان غير مالوف يدين فيه حزب الله. ما زال الحزب الشيعي قادر على الحاق الضرر بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، لكن ميزان القوة في هذه المرة يختلف عن الجولة السابقة. لم يكن لحزب الله الوقت الكافي للتعافي عسكريا، وما زالت قيادته مرتبكة ومتعبة من تداعيات الاحداث السابقة. القوى الأخرى في لبنان تدرك ان هذه فرصة لالحاق المزيد من الضرر بمكانة حزب الله، وربما القضاء عليه بشكل كامل بمساعدة إسرائيل. ووفقا لتصريحات رئيس الأركان ايال زمير امس فان إسرائيل تهتم بهذا الامر بالتأكيد.

بخصوص الرد الإيراني فهو يشمل هجمات واسعة النطاق ومتعمدة على دول المنطقة، بما في ذلك اطلاق الصواريخ والمسيرات بشكل كثيف على دول الخليج، وتدريب حزب الله على اطلاق المسيرات على قبرص، حيث توجد قاعدة جو كبيرة تستخدمها القوات الجوية البريطانية والأمريكية. مصدر استخباري إسرائيلي يقول بان النظام يتصرف مثل حيوان جريح يكافح من اجل بقائه، ولا يمكن استبعاد تحركات بعيدة المدى مثل هجوم متعمد على مواقع النفط والغاز في المنطقة، وهو الامر الذي امتنعت عنه ايران في حزيران الماضي.

هذه جوانب يتعين على ترامب اخذها في الحسبان، بما في ذلك الخوف من ازمة نفط عالمية يمكن ان ترفع أسعار الوقود في محطات البنزين في أمريكا، وذلك بالتزامن مع انتخابات نصف الولاية للكونغرس المتوقعة في تشرين الثاني. وقد زاد اعتماد العالم على الطاقة في الخليج على خلفية العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا، وقد خاض ترامب الحرب وهو يعلم بان هذا القرار سيكون غير شعبي بين الناخبين الأمريكيين، بما في ذلك هو نفسه. وتؤكد الاستطلاعات الأولية هذا الامر، لكن الرئيس لم يلمح حتى الان الى كيفية تصرفه.

في الحكومة الإسرائيلية، وبدرجة كبيرة في المؤسسة الأمنية أيضا، لا توجد مثل هذه الشكوك، يكاد يكون اجماع على استغلال الفرصة، ليس فقط للتخلص من خامنئي بل من كل النظام الإيراني، لكن هنا أيضا يظهر سؤال محدد سيؤثر على المنظور الإسرائيلي: عدد صواريخ الاعتراض الدفاعية مقارنة مع عدد الصواريخ الهجومية التي تمتلكها ايران. فكلما زاد نجاح الجهود في ضرب منصات الاطلاق والصواريخ والفرق، تضاءل الخوف من خسائر واضرار جسيمة على الجبهة الداخلية.

——————————————

يديعوت احرونوت 3/3/2026

صيد المنصات والصواريخ

بقلم: رون بن يشاي 

تقلع طائرات سلاح الجو في طلعات مركزة تقطع فيها اكثر من 1500 كيلومتر كي يقلصوا منظومات معقدة من الشحن بالوقود. وعندما يصل “القطار”، تنقسم القوات الى اهداف مختلفة – اهداف النظام، مهاجمة الدفاعات الجوية والمهمة التي تبدو هي الأساس – منظومات اطلاق وإنتاج الصواريخ الباليستية في ايران.

هذه المنظومات تجري في عدة مستويات. ورغم أنها لا تزال تنجح في اطلاق الصواريخ نحو إسرائيل ونحو اهداف في الخليج الفارسي – فان مضاعف القوة للتعاون الإسرائيلي – الأمريكي يتيح التصدي الناجح نسبيا لقوة النار الإيرانية في الدولة الواسعة.

وينبع تعقيد التحدي من أنه في الحرب السابقة، في حزيران من العام الماضي، هاجمنا منظومة انتاج واطلاق لم تكن جاهزة بجدية لهجوم مفاجيء عليها. في اعقاب “الأسد الصاعد” وزع الإيرانيون منظومات التخزين والاطلاق للصواريخ بحث يكون صعبا جدا ضربها في عملية مركزة في مكان واحد. ولهذا فان العملية الجارية في هذه اللحظة تتركز في أربع مجموعات اهداف:

مواقع تخزين واطلاق:

 معظمها توجد في جبال زاغروس في شمال وغرب ايران حيث توجد كهوف كثيرة وسعت بسهولة لتصبح مواقع تخزين للصواريخ. وتوجد لها في الغالب بضع فتحات، أحيانا سرية ومموهة، وهدف الجيش الإسرائيلي هو كشفها وسدها. العمل الإيراني يجري على نحو يخرج فيه صاروخ أو بضعة صواريخ على منصة الاطلاق من احدى الفتحات نحو موقع مستوٍ جاهز مسبقا بحيث يمكن من اطلاق الصاروخ. اذا كان يتحرك بوقود صلبة، يمكن لهذا ان يحصل في غضون دقائق، واذا كان بوقود سائلة (معظم الصواريخ الأكثر بساطة للإنتاج هي هكذا) – فيتطلب الامر بضع عشرات دقائق لشحنها بالوقود بشكل مكشوف.

حيال هذه المواقع تعمل أساسا مُسيرات هجومية لسلاح الجو. فهي مطالبة بان تمسك بالاطلاق في الوقت المناسب – وهي غير ملزمة بان تتواجد بالضبط فوق ذاك الموقع كي لا تنكشف وكذلك لان إمكانية العثور على هذه المواقع بوسائل أخرى كالاقمار الصناعية والجساسات المختلفة من الأرض ومن الجو. ولكن عليها أن تكون قريبة بما يكفي كي تطلق النار وتضرب الصاروخ المكشوف قبل أن ينطلق. لهذا الغرض، في سلاح الجو يقولون انه تؤخذ غير قليل من المخاطر وفي اثناء الأيام الأخيرة أصيبت او حتى دمرت مُسيرات كهذه، لكن الامر أخذ بالحسبان مسبقا.

لغرض تدمير او سد تلك المواقع في الكهوف مطلوب عمل تقوم به طائرات حربية.

 مدن صواريخ تحت الأرض:

هدف آخر هو مواقع أكثر ذكاء وتحصينا، تماما “مدن صواريخ” توجد تحت الأرض (وعرضت أيضا في الأشرطة التي نشرها الإيرانيون، والتي تشاهد فيها مركبات تسافر تحت الأرض). هذه المواقع تضم أيضا منصات اطلاق تحت أرضية وهي اصعب بكثير على الكشف والاصابة.

هنا يدخل الى الصورة الامريكيون مع القذائف الخارقة للخنادق GBU57. وهذه القذائف توجد على طائرات B2 التي تصل أساسا في الليل بمرافقة F22 التي تحرسها، إضافة الى طائرات القتال الالكتروني. الـ B2 تقلع لاسباب لوجستية من الولايات المتحدة أساسا. هذه مهمة هامة على نحو خاص وتتطلب دقة شديدة في الإصابة. إذ ان فارق متر او اثنين من النفق – يضيع الأثر. هذا بخلاف المنشآت مع أجهزة الطرد المركزي مثلا حيث يكفي الهز لاجل احداث الضرر.

فضلا عن “مدن الصواريخ” يعمل الامريكيون كثيرا ضد مواقع التخزين والاطلاق من النوع الأول الذي ذكرناه والتي توجد شرقي قم. هناك مطلوب تسلل اعمل واكثر راحة لفعل هذا في طيران من جهة الجنوب.

 شاحنات الاطلاق:

مجموعة ثالثة من الأهداف هي شاحنات الاطلاق. لغرض التمويه اخذ الإيرانيون صواريخ كثيرة من طراز “شهاب” و”عماد” وركبوها على شاحنات، عندما تغلق تبدو كحاويات عادية ظاهرا. وهذه الحاوية المزعومة تفرغ حمولتها عندما تصل الى موقع الاطلاق المعد مسبقا، تنقل الصاروخ اليه لينطلق. وكان الإيرانيون نشروا في الماضي توثيقا لمثل هذا العمل.

ان التحدي في العثور على الشاحنات كبير، لانها في ساعات النهار تتحرك على الطرق كشاحنات عادية ومن المتعذر قصفها. يتم تشخيصها حسب مبناها بمساعدة الذكاء الاصطناعي أيضا وضمن أمور أخرى تجري محاولة فهم أنماط سفر ومواقع تنطلق منها. الوسيلة تجاهها هي المُسيرات. اقمارنا الاصطناعية الخاصة واقمار الأمريكيين يمكنها أن تتابع هذه الحركة تماما حتى مستوى لوحات الترخيص. بالمناسبة، فان احد أسباب قلة الاطلاقات في الليل هو أنه استثنائي ان تسافر الشاحنات في هذه الساعات.

مواقع انتاج الصواريخ:

عنصر هام آخر مطلوب ضربه هو مواقع انتاج الصواريخ. بعد “الأسد الصاعد” بقيت للايرانيين خلاطات لانتاج مواد متفجرة ومواد صلبة لمحركات الصواريخ. فضلا عن هذا يواصلون الإنتاج بسرعة نسبية لصواريخ تتحرك بوقود سائلة. توجد مواقع مختلفة وهي موزعة في كل الدولة – بعضها تنتج مواد كيماوية، أخرى تنتج عناصر لاجسام الصواريخ، أجهزة الكترونية وتوجيه وغيرها. معظمها مركزية في مناطق كرمنشاه، تبريز، كردج وقم. في الأسابيع ما قبل الحرب تم تفكيك الكثير من منظومات الإنتاج واخفاؤها، حتى في اطار الإنتاج ومعلوماتنا عنها ناقصة. الهدف هو ان في نهاية الحرب، حتى اذا ما رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن ايران، سيكون من الصعب حتى متعذر عليهم استئناف الصناعة.

بالاجمال يمكن القول انه حيال أساليب إيرانية تصعب الكشف والاصابة، يوجد أيضا تقسيم عمل استخباري هام جدا. هذه المرة وسائلنا ووسائل الأمريكيين تعمل معا على صيد الصواريخ ومنصات اطلاقها. هذه لعبة تغير الواقع، تتصدى لوسائل الاخفاء الإيرانية.

——————————————

معاريف 3/3/2026

الخطأ والفرصة

بقلم: آنا برسكي

تدخل إسرائيل اليوم الى يومها الرابع من الحرب، والجيش الإسرائيلي كفيل بان يكون في مكان آخر غير ذاك الذي كان عليه في ليل السبت.

الواقع يتغير. فجر أمس أضيفت ساحة أخرى جديدة – قديمة: لبنان. حزب الله يشبه رجلا يسير في الشارع ولا يفوت أي حفرة كي يتعثر بها. منظمة الإرهاب لم تضبط نفسها، وأول امس في الساعة 1:04 ليلا اطلقت عددا من الصواريخ نحو إسرائيل. معظمها اعترضت، أخرى سقطت في أرض مفتوحة دون أن تطلق نحوها صواريخ اعتراض.

حزب الله لم ينصت للتحذيرات من إسرائيل. لم ينصت لمناشدات حكومة لبنان الا يدخل الى المعركة. لم يكن منصتا أيضا للسكان الشيعة في لبنان الذين ادعوا بان المغامرة الان تجاه إسرائيل ستفاقم اكثر فأكثر وضعهم وضائقة اغلبية اللاجئين الشيعة من جنوب لبنان، الذين منذ حملة “سهام الشمال” بقوا بلا مأوى.

لقد كان الجيش الإسرائيلي جاهزا لهجوم واسع في لبنان منذ ما قبل شهرين، بعد أن كان واضحا بان حزب الله لا يعتزم نزع سلاحه. وكانت إسرائيل توشك على الهجوم، وكانت هذه مسألة أيام. لكن عندها نشبت الاضطرابات في ايران. بعدها انطلقت إعلانات الرئيس الأمريكي ترامب. في إسرائيل فهموا بان ما يحصل في ايران هو حدث لمرة واحدة في يوبيل. حدث يغير الواقع من الأقصى الى الأقصى.

وبالتالي انتقل الجيش الإسرائيلي فورا الى خيار ثان. الفرقة 91 من قيادة المنطقة الشمالية كلفت بالابقاء على مستوى اللهيب في لبنان: ان تنفذ اغتيالات مركزة؛ ان تجتاح بريا مخازن ومنظومات لحزب الله في منطقة الحدود، ان تدمر مخازن ومنصات في مناطق مختلفة في جنوب لبنان، واحيانا أيضا في البقاع اللبناني. بمعنى الا تسمح لحزب الله بان يتعاظم وان تخلق لديه إحساسا بالملاحقة.

لقد كانت المهمة المطلوبة الا تؤدي اعمال الجيش الإسرائيلي الى حالة تصعيد تجر الجيش الى أيام قتالية وتشوش الاحتجاج ولاحقا الاستعدادات للهجوم في ايران. في الجيش الإسرائيلي انتظروا كبوة لحزب الله، وهذه بالفعل جاءت ليلة أول أمس.

من ناحية منظمة الإرهاب يعد هذا اهمالا اجراميا – ليس اقل. قبل ساعات من ذلك اطلع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي العميد ايفي دفرين الجمهور بان الجيش الإسرائيلي جند 100 الف جندي احتياط معظمهم من الشمال. وأفاد الجيش بانه خصص فرقة نظامية مناورة أخرى في صالح الشمال. ورغم كل هذا، حزب الله اطلق النار.

وردا على ذلك تحرر الرفاص المتوتر للجيش الإسرائيلي دفعة واحدة. انطلقت الطائرات القتالية لطلعات قصف. الفرقة 91 وفرقة البشان انتقلتا على الفور الى وضع حرب. حزب الله تلقى ويتلقى الضربات.

بالتوازي، في ساحة ايران، الجيش الإسرائيلي لا يرفع قدمه عن دواسة الصراع. في غضون ثلاثة أيام نفذ سلاح الجو عددا من الغارات والقاء الذخائر الذي نفذه في كل الـ 12 يوم من حملة “الأسد الصاعد”. سلاح الجو يعمل فوق طهران وينفذ هجمات على مؤسسات الحكم والشرطة. يلاحق المنصات في غرب ايران ويصيدها بشكل منتظم.

النتيجة: ايران تجد صعوبة في اطلاق النار نحو إسرائيل مثلما ارادت. فهم يقفون عند نصف الاطلاقات التي نفذوها بالمتوسط في ثلاثة أيام من حملة “الأسد الصاعد”. الجنود الذين يستخدمون منصات اطلاق الصواريخ يخشون، وهم يفهمون بانهم محاصرون.

مصدر في قيادة المنطقة الشمالية شرح أمس عقيدة الجيش الإسرائيلي الان: انهينا أيام المعادلات. هم يطلقون مُسيرة وحيدة، فيتلقون على الفور كل الجيش الإسرائيلي على الرأس”. هذا صحيح في لبنان – وصحيح في ايران أيضا.

——————————————

معاريف 3/3/2026 

الحرب ستحدث تغييرات جيوسياسية وتحالفات ضد ايران في الشرق الأوسط

بقلم: زلمان شوفال

في 1942 خاض اليابانيون في واشنطن مفاوضات مكثفة، ظاهرا لاجل منع الحرب ضد الولايات المتحدة، فيما كانت حاملات الطائرات خاصتهم كانت تقترب من بيرل هاربر، حيث امسكوا بالامريكيين وهم غير مستعدين. مبعوثو آيات الله في عُمان وفي جنيف اتخذوا النهج ذاته كي يجدوا حلا دبلوماسيا مزعوما فيما انهم عمليا سرعوا استعداداتهم الهجومية في مجالات النووي والصواريخ. غير أن هذه المرة لم يتشوش الامريكيون وشنوا مع إسرائيل هجوما استباقيا.

الحرب في بدايتها فقط ونتائجها لا تزال غير واضحة. وان كان لا شك في موضوع الأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل: تصفية تامة لتهديدات النووي والصواريخ، تصفية الوكلاء وتشجيع اعمال لتغيير الحكم في ايران. منذ الان يمكن الإشارة الى تغييرات جيوسياسية تحققت في اعقاب الحرب. فقد نشأ عمليا تحالف ضد ايران في الشرق الأوسط كنتيج لاعمالها الهجومية ضد الامارات، قطر، السعودية، الأردن والكويت. من الصعب ان نعرف اذا كان هذا التحالف سيتجسد سياسيا بعد الحرب لكن واضح انه وقع تغيير أساسي. في الماضي، اجتهدت هذه الدول العربية بكل قوتها، تجاه الخارج على الأقل، لخلق أجواء تحسين العلاقات مع طهران. فقد حاولت دول الخليج على مدى سنين احتواء التهديد الإيراني، لكن هذا المفهوم انهار مع الضربات الأولى في أراضيها.

من هذه الناحية تبرز التقديرات المغلوطة للحكام في طهران – الهجمات التي استهدفت تشجيع دول الخليج للتأثير على واشنطن الا تتخذ اعمالا عسكرية ضد ايران حققت نتيجة معاكسة، إذ وسعت الجبهة المناهضة لإيران. القصف في قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي وسع هذه الجبهة اكثر فأكثر من حيث الامكانية الكامنة على الأقل. وفي هذه الاثناء يفضل الأوروبيون الجلوس على الجدار من ناحية عملية والاكتفاء باقوال وهمية عن أنه مع رحيل خامنئي بانتظار الشعب الإيراني مستقبل افضل.

تركيا، التي حسنت مؤخرا علاقاتها مع ايران بالنسبة للعداء المشترك تجاه إسرائيل أيضا، تجد نفسها في الوضع الجديد في تضارب للمصالح. فتركيا معنية بالانضمام الى الاتحاد الأوروبي وقد تقربت من الولايات المتحدة تحت حكم ترامب وهي لا تزال تسعى لان تكون قائدة العالم الإسلامي السُني. في كل حال لا يمكن لإسرائيل أن تغض النظر عن الخطوات التي تتخذها تركيا كي تنخرط في التسويات التي يخطط لها الرئيس ترامب في موضوع غزة كي تخلق لنفسها أساسا لعمل أوسع في المنطقة كلها وحيال إسرائيل بخاصة.

للوضع المتشكل في الشرق الأوسط تداعيات بعيدة الأثر اكثر من ذلك. في السنوات الأخيرة جرى الحديث عن حلف بين الصين، روسيا، كوريا الشمالية وايران وفي إدارة بايدن رأوا في هذا الحلف جبهة موحدة ضد الناتو والعالم الغربي بعامة بهدف التنافس على الصدارة الاستراتيجي السياسية، الفكرية، وفي المستقبل أيضا العسكرية. وضع ايران التي كانت عضوا مؤسسا في هذا الحلف، تغير الى الأسوأ. الصين تتجاهل في تنكر لطيف في ظل اطلاق تصريحات غير ملزمة، وروسيا التي تندد بلغة حازمة خطوات الولايات المتحدة وإسرائيل في ايران، تمر هي الأخرى على ذلك مرور الكرام. يبدو أن سواء الصين العقلانية ام روسيا التي أوكرانيا اقرب اليها من ايران قررتا التقدم الى الامام. حتى قبل ذلك كانتا تريان في ايران شريكا متـعثرا والمصالح الاقتصادية معها سيكون ممكنا حفظها حتى اذا ما تشكل فيها وضع سياسي جديد.

منذ عهد أوباما تعزز في الولايات المتحدة الميل للابتعاد عن تدخل كبير في الشرق الأوسط. وكان التقدير ان هذا الميل سيتعزز مع صعود دونالد ترامب الى الحكم بميوله الانعزالية، استنادا الى المعتقدات السياسية لحركة MAGA الأساس الأيديولوجي للرئيس. وها هو الدولاب انقلب تماما تقريبا. ترامب يرى نفسه من يصمم مكان الولايات المتحدة الأعلى في المعمورة كلها وان كان يقف في هذا الشأن بخلاف الآراء في الحزب الديمقراطي وفي الجناح اليميني المتطرف في حزبه.

لقد قرأت إسرائيل الخريطة من هذه الناحية قبل كثيرين آخرين وعملت بموجب ذلك. إدارة ترامب تفهم بان إسرائيل هي شريك يمكن التعويل عليه والعمل معه وهذا، كما يتبين في هذه الأيام، هو ذخر من الدرجة الأولى. فهل الواقع الجيوسياسي الجديد في منطقتنا سيستمر بل وسيتقدم؟ هذا لا يزال صعبا قوله بيقين. فالامر متعلق أيضا بتطورات سياسية سواء في الولايات المتحدة أم في إسرائيل. لكن توجد مؤشرات تدل على ذلك. في هذه الاثناء، على أي حال يوجد بالتأكيد شرق أوسط جديد.

——————————————

إسرائيل اليوم 3/3/2026

ثمانية اتجاهات من أجل تغيير النظام الإيراني

بقلم: مئير بن شبات

“حانت لحظة حريتكم”. عندما ننهي، تولّوا أنتم الحكم، هذه فرصتكم الوحيدة منذ أجيال”. هكذا دعا الرئيس دونالد ترامب مواطني إيران. تبعه رئيس الوزراء نتنياهو الذي ناشد بالفارسية: “قريباً ستحل لحظتكم للخروج الى الشوارع، لا تفوّتوا الفرصة”.

فضلاً عن الأهداف العسكرية المحددة، التي تقررت للهجوم على إيران والذي يجري حتى الآن بشكل رائع فإنه جاء بشكل معلن لأن يخلق الظروف التي تشجع الجمهور على الثورة وعلى إسقاط الحكم.

إن تصفية كبار رجالات الحكم، وعلى رأسهم الزعيم الأعلى علي خامنئي، مثلما هو أيضاً الهجوم على رموز النظام، تعطي مفعولاً حقيقياً لهذه الاتجاهات. هكذا أيضاً نزع قدرات النظام الإستراتيجية وعرضه مضروباً معزولاً ومُهاناً. يخيّل ان كل الخطوات السابقة لم تكن سوى شق الطريق لتنفيذ “زئير الأسد”.

ولا يزال، من الصعب التقدير ان يكون كل هذا كافياً لأجل دفع الجماهير في اللحظة المناسبة الى صدام جبهوي مع أجهزة النظام ومؤيديه وصولاً الى التغيير المنشود.

كيف نعمل لزيادة الفرص؟

  1. حفظ زخم الخسارة والتدهور. لهذا الغرض مطلوب جهد متواصل في كل المجالات يؤدي بالنظام من سيئ الى أسوأ، وبالشعب في إيران الى إحساس بانعدام الأمل تحت هذا النظام. من المهم تعزيز الرسالة التي تقول ان العملية في ايران غير محدودة الزمن وإغلاق الباب أمام اتفاق سياسي.
  2. التشويش، على مدى الزمن، على الجهود لانتخاب بديل لخامنئي، وتصفية “القيادة المؤقتة” والمس بالخلفاء المحتملين من داخل المعسكر المتطرف.

المرشح البارز في هذه اللحظة هو ابن خامنئي، مجتبى حسيني، الذي يُعد محافظاً متطرفاً وذا علاقات وثيقة مع الحرس الثوري. من الصواب العمل على تصفيته – هذا اذا لم يكن الأمر قد تم – حتى قبل أن يجلس على كرسي أبيه. هكذا أيضاً بالنسبة لعلي لاريجاني – سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي – الذي هو ليس رجل دين وبالتالي لا يحق له ان يُنتخب لمنصب الزعيم الأعلى. لكنه يجمع في يديه صلاحيات عديدة ويؤدي مهامه كـ “مدير عام الدولة”.

  1. توسيع القطيعة الجسدية والاتصالاتية بين القيادة والشعب، واختباء الزعماء الذي بحد ذاته يخلق حاجزاً بينهم وبين الشعب.

لأجل تعظيم هذا من الصواب شل قنوات الانترنت ووسائل الاتصال المؤسساتية التي يستخدمونها وعبرها يتصلون مع الجمهور ويطلقون رسائل الدعاية.

  1. تعظيم الضربة لقواعد النظام، مع التشديد على مراكز عمل الباسيج والمحافل الضالعة لوسائل قمع الاحتجاجات. للهجوم على القيادة العامة للأمن الداخلي قيمة عظيمة في هذا السياق.
  2. الهجوم على رجال حرس السجون بشكل يسمح بهروب آلاف معارضي النظام والسجناء السياسيين المحتجزين فيها.
  3. تشجيع فرار كبار المسؤولين الإيرانيين ومسؤولي وحدات من الجيش النظامي، الذي يُدار على نحو منفصل عن الحرس الثوري. خليط من الضغط العسكري مع الضائقة الاقتصادية والإحساس بانعدام الجدوى يزيد فرص النجاح. وبالطبع، تفترض هذه الاتجاهات عملاً سرياً مكثفاً لأجهزة الاستخبارات.
  4. دعم فاعل لمجموعات مختلفة في إيران وميليشيات مسلحة أخرى تعمل في حدود الدولة.

من الصواب تشجيع الشراكة بينها والتنسيق مع مجموعات الاحتجاج لأجل السماح بنمو قيادات معارضة.

  1. تشجيع زعماء السعودية والإمارات على تشديد خطواتهم ضد إيران.

من الصعب ان نعرف، اذا كانت هجمات إيران عليهم خلقت دافعاً كافياً لقرار بشأن انضمامهم الى الهجوم عليها، لكن حتى بدون هذا، توجد قيمة لتنفيذ خطوات مثل قطع العلاقات الاقتصادية والسياسية لأجل تعزيز عزلة النظام والإحساس بأن طريقه لا تؤدي الا الى نهاية طريق مسدود.

مع أنه من الصعب تقدير موازين القوى الحقيقية بين مواطني ايران المعارضين للنظام وبين مؤيديه، يمكن القول إنه في نهاية هذه المعركة سيحصل الشعب في ايران على الظروف الأفضل من أي وقت مضى لأجل تغيير النظام.

من ناحية إسرائيل من المشكوك فيه أن تكون لها فرصة كهذه لتعالج بشكل جذري النظام الذي يهدد وجودها، وعليه فينبغي لها ان تستنفدها حتى النهاية.

في حزيران الماضي، عندما هاجمنا إيران في إطار حملة “الأسد الصاعد” قال المستشار الألماني ان إسرائيل “تؤدي العمل القذر نيابةً عنا جميعاً”. حملة “زئير الأسد” هي الفرصة لإنهاء العمل، ولإحداث تغيير جذري في المنطقة والتأثير على تصميم النظام العالمي الجديد.

——————————————

هآرتس 3/3/2026

تصفية خامنئي مخرج جيد لإنهاء الحرب

قلم: رفيف دروكر

هذا نقاش ما زال في ذاكرتي. السنة هي 2003. هل يجب على الولايات المتحدة غزو العراق؟. كان صديقي، وهو دبلوماسي أميركي، يعارض بشدة الغزو. جادلت بأنه إذا كانت أميركا تتظاهر بأنها شرطي العالم فلا بد لها إنزال العقاب بديكتاتور يسيء معاملة شعبه مثل صدام حسين، الذي هدد استقرار العالم وخطط لامتلاك سلاح نووي. قلت: هذا ما يفترض أن تفعله قوة عظمى. جادل الدبلوماسي بأن أميركا لا تجيد بناء الدول، وانه بعد انتهاء المهمة العسكرية لن يكون للإدارة الأميركية أي فكرة عن كيفية إدارة العراق المعقد. سألت: “ألم تكن أي خطة مناسبة لما بعد الحرب خلال اشهر الإعداد تلك؟”.

لقد كان على حق. الولايات المتحدة تندم على اللحظة التي بدأت فيها تلك المغامرة. هناك إجماع في الرأي العام بأنها كانت خطأ فادحا. لكن أنا كنت محقا أيضا. لم يعد العراق يشكل أي تهديد لإسرائيل. لقد قضى عليه شرطي العالم، لكن ذلك كلفه دماء وأموالا، لا سيما استنزاف الطاقة التي تلزم لتكرار مثل هذه العمليات. أتذكر منذ 2003 مسؤولين كبارا في المؤسسة الأمنية لدينا يسألون بأسف: لماذا العراق؟ لماذا ليس ايران؟

يمكن الافتراض أن الولايات المتحدة حتى الآن لا تملك القدرة على بناء ايران جديدة. أيضا لا تملك خطة منهجية لإسقاط النظام. دونالد ترامب يعرف ذلك جيدا، ويعرف جيدا أيضا مستوى نفور شعب بلاده من الحرب الطويلة في الشرق الأوسط. هذه كانت حملته الانتخابية. لقد وفر القضاء على خامنئي المخرج المناسب له من سيناريو الحرب الطويلة: لقد اضعفنا النظام، أسقطنا الديكتاتور، نقترح على من يرثه أن يتعلم من دلسي رودريغس، نائبة رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو. لقد كانت جزءا من ذلك النظام، لكنها تعلمت الدرس، ومنذ اختطافه تتعاون مع الولايات المتحدة. وإذا لم يتعظ الوريث الإيراني فسنعيد حاملتي الطائرات لينكولن وفورد إلى جولة ثانية.

في هذا الوضع، لم يكن لإسرائيل أي خيار، وكانت مضطرة إلى الموافقة على وقف إطلاق النار، حتى لو لم يصاحبه اتفاق استسلام يتضمن إخراج اليورانيوم المخصب ووقف مطلق للتخصيب في ايران وتفكيك قدرتها البالستية. الحقيقة هي انه أيضا لا توجد لإسرائيل مصلحة في حرب استنزف، حيث لا يوجد يقين بأنه في نهايتها سيحدث تغيير حقيقي في النظام، ويتم استبدال نظام آيات الله بنظام صديق للغرب.

هل ستوافق ايران على وقف إطلاق النار من جانب واحد إذا اعلن ترامب ببساطة “لقد انتصرنا” ومضى قدما؟ لا ادعي القدرة على التنبؤ بخطوات الإيرانيين، لكن على فرض انهم لا يغفلون المنطق، فمن المعقول الافتراض بأنهم سيرغبون في تضميد جروحهم، وقبل أي شيء استقرار النظام.

من وجهة نظر إسرائيل، هذا الوضع سيجعل ايران ضعيفة ومردوعة واكثر عرضة للاحتجاجات والتفكك في المدى القريب. سيتمكن نتنياهو من القول، بقدر كبير من الإنصاف، إنه في ظل قيادته تم إضعاف المحور الشيعي بشكل كبير واستعادة الردع. وستترك سلسلة الاغتيالات والأعمال الوحشية التي قام بها الجيش الإسرائيلي أثرا كبيرا على كل من يريد أن يتحدانا. في الوقت ذاته يجب القول، إن ضررا كبيرا أصاب علاقتنا مع الولايات المتحدة ما بعد ترامب، وأيضا مع الدول الأوروبية. لقد قاد نتنياهو بوعي كامل الولايات المتحدة إلى حرب مع ايران. وهي حرب لا يرغب فيها معظم الشعب الأميركي. يظهر رئيس الحكومة التعاطف الكامل مع الرئيس الأميركي الأقل شعبية منذ فترة. أوروبا أيضا لم تغفر بعد لنتنياهو أسلوب قتاله في قطاع غزة. طالما انه هو ونحن نحظى بمظلة ترامب فإننا لا نشعر بذلك. لكن بمجرد أن يضعف ترامب، ربما بعد انتخابات التجديد النصفي، سيتغير الوضع كليا. بالنسبة لنتنياهو هذا مستقبل بعيد جدا إلى درجة انه لا حاجة إلى التفكير فيه.

——————————————

شهادات مروّعة على جرائم الجيش الإسرائيلي في العام 1948 لإجبار الفلسطينيين على الرحيل (2من2)

أوامر بـ «قتل العرب العزل»، وعدم أخذ أسرى، وقتل من يقع في الأسر

قتل 200 مدني فلسطيني في 30 دقيقة في اللد وقصف مسجد لجأ إليه المدنيون 

قتل الجنود إحدى النساء الفلسطينيات ورضيعها.. وفي الطنطورة «قتلنا كثيرين»

بقلم: آدم راز

قتل الأسرى

من بين الأمور التي تتكرر في الوثائق، التي يمكن نشرها الآن، التوجيه بعدم أخذ أسرى. اتضح أن تعريف الأسرى كان واسعًا جدًا، وشمل أحيانًا النساء والأطفال. كانت هذه المسألة جزءًا من خط دفاع المدعى عليه ضد لهيس، الذي ادعى أن نقل سكان القرية المحتلة إلى قاعدة خلفية كان “مخالفًا للأمر” الذي أصدره له قائده، “بأنه لا ينبغي لنا أخذ أسرى، وأنه يجب علينا تطهير المنطقة بأكملها من العدو”.

“لقد استوليت على بئر السبع”. أصدرتُ أمرًا بإبادة كل من يظهر في الشوارع، سواء قاوم أم لا. بتدمير كل شيء. بعد الاستسلام، توقف القتل. حينها، كان قد قُتل النساء والأطفال والجميع. ثم أُجبر الناس على الذهاب إلى الخليل. “من لم يذهب، طُرد”، قال إسرائيل كارمي، قائد كتيبة في اللواء السابع.

أدلى ضابط العمليات، حاييم بن دافيد، من لواء كارميلي بشهادته قائلاً إن الأمر في هذا الشأن أُعطي للمقاتلين شفهيًا، وكانت الرسالة واضحة لا لبس فيها. قال بن دافيد: “كان الأمر واضحًا للجميع، لم يسألوا عن معنى عدم أخذ أسرى”. ووفقًا له، خلال الحرب، لم يُعتبر الشبان “مدنيين”، وكان من الممكن قتلهم. وأوضح الجندي يتسحاق سوروكا أن الأمر كان يقضي بقتل الرجال الذين لم يفروا من القرى. عندما سُئل عن أعمار الرجال الذين صدرت أوامر بقتلهم، قال إنه تلقى ذات مرة “أمرًا عملياتيًا يُحدد أعمارهم بخمسة عشر عامًا”.

وأشار ضابط مخابرات يُدعى يعقوب د. (حُجب اسمه الكامل عند السماح بالاطلاع على الوثائق) إلى قتل عرب أُسروا في القرى، قائلًا: “هذا واضح ومعروف لي من دورة ضباط المخابرات – عندما يُعلن عدم أخذ أسرى، فهذا لا يعني طردهم، بل قتلهم”. وأضاف إنه في الحالات التي أسرت فيها القوات المقاتلة أسرى قتلتهم لاحقًا. ووفقًا له، فقد صدرت تعليمات للقادة بقتل من في القرى، وقد نُفذ ذلك بالفعل “في عدة قرى”. وتناول الشهود مرارًا مسألة القانون الدولي. قال بن ديفيد: “كنا نعرف القوانين الدولية، لكنني أعلم أيضًا أننا غالبًا لم نتصرف وفقًا لها”. استخدمنا وسائل غير قانونية.” ووفقًا لشهادته، فقد تمّت هذه الأمور بموافقته، بل وبأمر من القيادة العليا. وقال مردخاي مكليف إن الجنود لم يكونوا على دراية بما ورد في اتفاقية جنيف، وأشار قائد اللواء السابع، يوسف إيتان، إلى أنه من المحتمل أن يكون قد تم إرسال كتيب حول “قوانين لاهاي” إلى الوحدات، لكن “لم نولِه اهتمامًا خاصًا”. وصرح إسرائيل كارمي، قائد كتيبة في اللواء السابع، بأنه خلال فترة الأسر “لم نتصرف وفقًا لاتفاقية جنيف”، وقال قائد اللواء، مكسيم كوهين، إنه حتى خلال أيام “الهاجاناه”، صدرت أوامر “بقتل العرب العزل”.

وأضاف كرمي أنه كان يُصدر أحيانًا أمرٌ “بعدم إثقال كاهل الاستخبارات”، وكان القصد قتل الأسرى. فبالنسبة له، كان أي “رجل له ياين ورأس يُشكّل خطرًا”، وكان يُقرر مصيرهم لصالح قبيلة أو جمعية خيرية “بحسب ملامحهم”. وفي الحالات التي كان يشعر فيها أن العرب الذين أمامه خطرون، كان يقتلهم في الحال.

قتل من يسعى للعودة

إلى جانب قتل الأسرى، تُشير الوثائق في عدة حالات إلى قتل مدنيين سعوا للعودة إلى قراهم بعد سقوطها. فعلى سبيل المثال، تُشير مواد محاكمة عُقدت العام 1951 إلى قتل مدنيين عرب في بلدة المجدل، عسقلان حاليًا، العام 1949. وكان محور المحاكمة جنودًا من سرية كانت مُتمركزة هناك لمنع العرب من العودة إلى البلدة. وقد قضت المحكمة بأن “الجنود كانوا أحيانًا يفقدون صوابهم. وكان من بينهم من يعتقد أنه مُخوّل بمعاملة العرب، وخاصة المتسللين، كما يحلو لهم”. بحسب بعض الشهادات التي قبلتها المحكمة باعتبارها موثوقة، كان قتل العرب “يُعتبر قانونيًا” في نظر المقاتلين، وكان المقاتل الذي يقتلهم يُنظر إليه من قِبل رفاقه على أنه “رفيق”.

تناولت المحاكمة قضية تسلل فيها شبان عرب إلى المجدل لزيارة منزل والديهم المقيمين في البلدة. أخذهم الجنود الذين قبضوا عليهم إلى الخارج لإعدامهم، وفي حالة نادرة، ولأن الوالدين بقيا داخل الأراضي الإسرائيلية، أدليا بشهادتهما في المحاكمة: “جاء ابني من غزة إلى منزلي في المجدل”، كما أدلى الأب بشهادته. “قلت له: بعد انتهاء حظر التجول، سأسلمك لليهود”. ثم وصف كيف وجد جثة ابنه: “رأيت رصاصات في صدر ابني، وثلاث أو أربع رصاصات في رأسه وظهره. أُغمي عليّ وسقطت. كانت على ابني آثار ضرب مبرح”.

إن الشهادات المقدمة في هذا التحقيق ليست بمعزل عن سياقها. خلال العقد ونصف العقد الماضيين، ظهرت موجة من المنشورات حول طرد العرب العام 1949، لكنها لم تتبلور في سردية متماسكة ولم تُثر نقاشًا عامًا. بل إن بعضها لم يُترجم إلى العبرية. وتأتي هذه المواد من مصادر متنوعة: دراسات إسرائيلية (ألون كونفينو، شاي حزكاني)، ودراسات فلسطينية (صالح عبد الجواد، عادل مناع)، ونصوص نثرية عربية (إلياس خوري، سلمان ناطور)، وتحقيقات صحافية (هاجر شيزاف في هذا الملحق)، وكتب غير روائية (على سبيل المثال، كتاب آري شافيت “أرضي الموعودة”، الذي يصف طرد عرب اللد)، وأفلام وثائقية (“1948 – أن نتذكر وأن ننسى” لنيتا شوشاني، و”طنطورة” لألون شفارتس، و”على جدول الأعمال: المحو” لعينات وايزمان)، وأنشطة منظمات المجتمع المدني (جمعية زوخروت، ومعهد عكفوت).

سقوط اللد

… يروي كتاب شافيت، الذي لاقى صدىً واسعاً في الولايات المتحدة ولكنه لم يُوزّع على القراء العبريين، تفاصيل سقوط مدينة اللد استناداً إلى سلسلة طويلة من المحادثات مع القادة والمقاتلين. يروي شافيت كيف سقطت المدينة بسرعة، وكيف تجمّع آلاف السكان في مسجدين وكنيسة. في اليوم التالي، دخلت مركبتان مدرعتان أردنيتان المدينة عن طريق الخطأ، ما أشعل موجة جديدة من العنف بعد أن ظنّ السكان خطأً أنهما قوات عربية مساعدة. ردّ الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار في جميع الاتجاهات، وإلقاء القنابل اليدوية على المنازل، وإطلاق قذيفة من طراز فيات على أحد المساجد التي احتمى بها الحشد. يذكر شافيت، الذي يستشهد باعتراف المقاتل الذي أطلق القذيفة، أن 200 مدني قُتلوا في غضون 30 دقيقة، ويضيف أنه بعد أن هدأت النيران، أمر بن غوريون يغئال آلون بطرد السكان. يستشهد بأمر كتابي من إسحاق رابين إلى لواء يفتاح، تم تعميمه بعد ذلك بوقت قصير: “يجب طرد سكان اللد بسرعة، بغض النظر عن أعمارهم”.

كما ورد ذكر قذيفة فيات المذكورة في وصف شافيت في مواد محاكمة لهيس، والتي تُنشر هنا الآن. ووفقًا لقائد الكتيبة، إسرائيل كارمي، “في اللد، تم إدخال مئات العرب إلى المسجد وأطلقوا قذائف فيات في الداخل”.

يشير فيلم شوشاني أيضًا إلى ما حدث في اللد. يقتبس الفيلم من مذكرات مشتركة كتبها جنود في لواء يفتاح: “بعد الإفطار، ظهرت مركبتان مدرعتان للعدو فجأة وبدأتا بالاقتراب. وتناثرت أعقاب البنادق من كل نافذة. كان تمردًا. تغلبنا على العدو، لكن أصيب نحو 15 جنديًا آخر وقُتل ثلاثة. كان الرجال غاضبين، ومستعدين للقتل في الحال. صدر أمر بإجراء عملية تطهير شاملة، وبالفعل نُفذت. انتشرت رائحة كريهة في كل مكان. مرّ بقية اليوم في صمت نسبي، باستثناء تلك الحادثة المبهجة التي شهدناها”.

في فيلمها، تقدم شوشاني شهادة مؤثرة تُلقي مزيدًا من الضوء على واحدة من أصعب أحداث الحرب – مذبحة الدوايمة في لخيش. هذه الشهادة، التي لفتت انتباه المؤرخين سابقًا، طُمست أيضا. وهي عبارة عن رسالة كتبها رجل مسؤول يُدعى س. كابلان إلى محرر صحيفة “عل همشمار” إليعازر بيري. يُورد كابلان في رسالة شهادة شاهد عيان، جندي يُدعى مئير عفرون:

“كان الجندي رجلاً منّا، مثقفاً، وجديراً بالثقة تماماً. وصل إلى القرية فور الاحتلال. لم تكن هناك معركة ولا مقاومة. قتل المحتلون الأوائل ما بين 80 و100 عربي، من نساء وأطفال. أمر أحد القادة أحد المهندسين العسكريين بإحضار امرأتين عربيتين مسنّتين إلى منزل معين وتفجيرهما. تباهى جندي آخر بأنه اغتصب امرأة عربية ثم أطلق عليها النار. كانت إحدى النساء العربيات تحمل رضيعاً بين ذراعيها، تعمل كعاملة نظافة. عملت في الخدمة ليوم أو يومين، ثم أطلقوا عليها النار هي وطفلها.”

وأضاف فيلم وثائقي آخر، “طنطورة” للمخرج ألون شفارتس، معلومات مهمة عن المذبحة التي وقعت في القرية الواقعة على الساحل شمال زخرون يعقوب. يعرض شفارتس في فيلمه بعض الشهادات المباشرة. “لم أتحدث مع أحد عن ذلك”، هكذا شهد أحد قدامى محاربي لواء الإسكندروني، “ماذا عساي أن أقول، لقد كنت قاتلًا؟”. ووفقًا لشهادة أخرى، “أُخذوا إلى الحظائر وقُتلوا فيها. جن جنونهم في الطنطورة، كان الأمر مروعًا”. وقال شاهد ثالث: “قُتل الكثيرون”. دفنتهم.

بينما طُلب من عدد من صانعي الأفلام اليهود توثيق النكبة، اختار الكتّاب العرب نشر مذكرات الناجين نثرًا. هذا الشكل، الخالي من الأدلة أو الإشارات إلى الأماكن، مكّن المؤرخين الإسرائيليين من التبرؤ من الشهادات القاسية وتقديمها على أنها غير موثوقة. في كتاب نشره سلمان ناطور قبل عقد من الزمن بعنوان “الذاكرة تحدثت إليّ ثم رحلت”، يصف عملية إعدام بطريقة تكاد تكون مطابقة للوصف الوارد في الوثائق التي تُشكّل أساس هذا التحقيق. وهكذا، يصف الكتاب، الذي ترجمه يهودا شنهاف-شهرباني، مشهدًا وقع في قرية دخلها جنود الجيش الإسرائيلي للتو:

“ارفعوا أيديكم!” رفعوا أيديهم. “اركعوا.” ركعوا على الأرض. “قفوا.” نهضوا. “سلّموا أسلحتكم!” لم تكن لديهم أسلحة. “أنتم، أنتم، أنتم، أنتم. تعالوا معي”.

أربعة شبان، لم يبلغوا الثلاثين بعد. أمر جندي بأخذهم والابتعاد. ابتعد بهم مسافة خمسين مترًا. قال: “ارفعوا أيديكم، وأسندوا ظهوركم إلى الحائط”. تراجع بضعة أمتار وضغط على الزناد. سمع همسات: “اصمتوا، اصمتوا أيها الحمير”. ارتطمت الجثث. ارتطمت. ارتطمت. وبعد ثوانٍ، كانت الجثث ملقاة أمام أعيننا.

وهنا، بصورة معكوسة تقريبًا، شهادة جندي حول مذبحة الحولة، من محاكمة لهيس: “طلب مني الملازم أول شموئيل لهيس 15 شخصًا من السكان العرب. اختار الشبان. أخبرني أنني سأذهب معهم إلى منزل منعزل في القرية. كان قائد السرية يحمل سلاحًا، مسدسًا ورشاش ستن. كنت أحمل بندقية. عندما وصلنا إلى هناك، أمرهم قائد السرية، عن طريقي، بالتوجه نحو الحائط. توجهوا نحو الحائط. ثم طلب مني الملازم أول لهيس أن أسألهم عن مكان الأسلحة. قالوا إنهم لا يملكون أسلحة. بعد ذلك، بدأ لهيس بإطلاق النار عليهم برشاش ستن. أطلق النار عليهم على دفعات، وتوسل العرب وصرخوا ثم سقطوا. لم يكن لصراخهم وتوسلاتهم أي تأثير على أحد”.

عندما أدلى لهيس بشهادته، قال إن قائد الكتيبة، أبراهام بيليد، قرر أن السرية “ستخرج وتنتقم لرفاقنا”. التفت لهيس بنفسه إلى الجندي إفرايم هوبرمان وقال له: “إن كنت تريد الانتقام، فما زال هناك عرب على قيد الحياة، فاستغل الفرصة وانتقم”. يحتوي كتاب المؤرخ شاي حزكاني (“وطني العزيز – حرب 1948: الرسائل الخفية”) على رسالة خاصة من جندية زارت الجليل، تُلقي الضوء أيضًا على مسألة الانتقام. كتبت الجندية: “لم يُقم الشيطان احتلالًا كهذا بعد، فالموتى راكعون”. انتقدت الجنود الذين وصفتهم بـ”الوحشية المروعة”، لكنها تفهمت دوافعهم لما عاناه “أولئك الذين سقطوا في الجليل”. يُسمح لهم أيضًا بالخروج والقتل هكذا ببساطة بدافع الانتقام والمتعة”.

تعرّف القراء العبريون المهتمون بتاريخ الحرب على مؤرخين وصانعي أفلام وثائقية إسرائيليين. ولكن ماذا عن كتّاب التاريخ الفلسطينيين؟ لسنوات عديدة، تجنّب الباحثون الفلسطينيون جمع الشهادات والتعامل مع أهوال الحرب. كانت هناك أسباب عديدة لذلك: التركيز على البقاء على قيد الحياة في السنوات التي تلت الطرد، وتركيز الجهود على الكفاح الوطني، والخوف من مضايقة إسرائيل لأي شخص يتحدث علنًا، والشعور بالعار وتشتّت الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء العالم، من الشرق الأوسط إلى تشيلي. ومع ذلك، بعد عقود عديدة من النكبة، كان هناك من جمع شهادات من الناجين.

في العام 2017، نُشرت دراسة للمؤرخ الفلسطيني المقيم في إسرائيل، عادل مناع (“النكبة والبقاء: قصة الفلسطينيين الذين بقوا في حيفا والجليل 1948-1956”). ذكر مناع في كتابه أن “مجازر عملية حيرام نُظمت من جهات عليا، وكان الهدف منها تسهيل الهروب”. انتقد بيني موريس الكتاب، مدعيًا أن “مناع لم يذكر أي دليل يربط بين الأمرين”. تُظهر الأدلة المتراكمة أن مناع كان مُحقًا: فقد بدأ الجيش الإسرائيلي المجازر والقتل لتسريع عملية الهروب. وكما شهد مردخاي مكليف، “كان لا بد من وجود عنصر من الرعب الأولي ليتمكنوا من الرحيل”.

لكن ما مدى اتساع نطاق هذه المذبحة؟ أحصى موريس 24 مجزرة. وقد ذكر كاتب هذه السطور سابقًا في هذا الملحق أن العدد كان بالعشرات. واليوم، يبدو أنه حتى هذا التصريح كان حذرًا ومتحفظًا. إحدى أبرز الدراسات حول النكبة أجراها فريق من الباحثين من جامعة بيرزيت بقيادة المؤرخ الفلسطيني، صالح عبد الجواد. تستند دراسة عبد الجواد المطوّلة إلى 300 مقابلة معمقة مع ناجين، أُجريت بدءًا من أواخر التسعينيات. حتى أن الباحثين قرروا استجواب الشهود تحت القسَم. ثم جرى التحقق من الشهادات فيما بينها، وكذلك مع وثائق مختلفة. في البداية، ذكر عيد الجواد أن أكثر من 70 مجزرة وقعت. ومع ذلك، في السنوات الأخيرة، ومن خلال بحث إضافي استند إلى مصادر متنوعة ومجموعة إضافية من الشهادات الشفوية، توصل عبد الجواد إلى أن ما لا يقل عن 100 مجزرة قد وقعت. بعبارة أخرى: في قرية من كل خمس قرى سقطت في أيدي الاحتلال، قُتل مدنيون.

يمكن تقسيم المجازر إلى ستة أنواع: عمليات قتل واسعة النطاق وعامة (الدوايمة)؛ عمليات قتل عشوائية أثناء الاحتلال (بئر السبع)؛ عمليات قتل متعمدة بدافع الثأر لمقتل المقاتلين (بلد الشيخ)؛ إعدام انتقائي لمجموعة من المدنيين الذكور أمام الجدران (مجد الكروم)؛ إعدام جميع السجناء الذكور (الحولة)؛ وقتل المدنيين الذين حاولوا العودة إلى بلداتهم (المجدل).

تتيح الدراسات الحالية تحديد جزء كبير من المجازر بدقة عالية. فيما يلي قائمة جزئية بأبرز الحوادث: وقعت ثلاث من أشدها، حيث أودت كل منها بحياة 100 مدني أو أكثر، في دير ياسين، والدوايمة، واللد. أسفرت ست مجازر عن مقتل ما بين 50 و100 شخص، وذلك في كل من: الجش عند سفح جبل ميرون، وصفصاف وعين زيتون في منطقة صفد، وصالحة على الحدود اللبنانية، وأبو شوشة في منطقة الرملة، وقرية برير شمال غزة. كما قُتل عشرات المدنيين في طنطورة وبئر السبع وكفر عنان في منطقة صفد، والطيرة في منطقة حيفا، والحولة على الحدود اللبنانية. وسُجل نحو 20 ضحية في عيلبون غرب بحيرة طبريا، وفي نصر الدين قرب طبريا، وفي قرية صبارين قرب حيفا، وفي قرية البصة شمال عكا، وفي تجمع بدوي جنوب عكا. وقعت مجازر أخرى بارزة في مجد الكروم، وكفار سابا، ورحوفوت (في قرية زارنوغا)، وجنوب نهاريا، وبالقرب من كيبوتسات كاباري، ونيغبا، وكفار مناحيم.

قبل أربع سنوات، نُشرت مجموعة مختارة من الشهادات التي جمعها فريق عبد الجواد في كتاب بعنوان “أصوات النكبة: تاريخ حي لفلسطين”. يتميز الكتاب بأسلوبه المؤثر، ويتوافق مع شهادات الجانب الإسرائيلي. استنادًا إلى هذه الشهادات، حدد عبد الجواد نمطًا متكررًا من الأعمال الإجرامية خلال الاحتلال، شمل أربع مراحل: محاصرة القرى من ثلاث جهات مع بث الرعب العام من خلال إطلاق النار والقصف؛ وتوفير فرصة للهروب إلى الدول المجاورة؛ وقتل السكان الذين لم يغادروا، ومعظمهم من الرجال والفتيان الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و50 عامًا؛ وتفجير المباني وإضرام النار فيها عمدًا، غالبًا مع وجود السكان بداخلها. وهذا أيضًا من إرث “حرب الاستقلال”.

—————–انتهت النشرة—————–

Share This Article