المسار : حذّر باحثون ومحللون سياسيون من أن الحرب المتصاعدة في المنطقة قد تقود إلى حالة من الفوضى الإقليمية، وتؤدي إلى خلط الأولويات، بما ينعكس سلبًا على القضية الفلسطينية ومستوى التضامن معها، في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية بشار شلبي أن حجم الاندفاع الإسرائيلي، وقدرته على دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذا المستوى من “اللامبالاة” بإشعال الحروب والمعارك، قد يجرّ المنطقة إلى حالة من “الفوضى”.
وقال شلبي في حديثه لةإن التصريحات التي أدلى بها الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان بخصوص الاعتذار لدول الخليج، تُعدّ إيجابية، لأنها تعكس إدراك طهران للمخاطر المترتبة على تحويل المواجهة الحالية إلى حرب إقليمية واسعة.
وأضاف أن استهداف إيران لدول الخليج قد يخلق “حساسيات جديدة” داخل المنطقة، ويؤثر على مستوى التضامن العربي والإسلامي، كما سينعكس سلبًا على التضامن مع القضية الفلسطينية، خاصة أن التطورات الإقليمية جاءت في سياق الأحداث التي أعقبت هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأشار شلبي إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يراهن على إضعاف المنطقة بأكملها، موضحًا أن إضعاف إيران سينعكس على مجمل التوازنات الإقليمية. واعتبر أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يسعى إلى تحويل المنطقة إلى ما يشبه “الضفة الغربية”، بحيث يتمكن من التحرك فيها بحرية وفرض وقائع جديدة كما يشاء.
كما رجّح استمرار الاستهداف الإيراني للأمريكيين داخل دول الخليج، في ظل استمرار ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي–الأمريكي على إيران.
وذكر شلبي أنه منذ بداية الحرب يحاول الاحتلال الإسرائيلي استغلال الأوضاع الحالية وفرض وقائع جديدة بالضفة الغربية والمسجد الأقصى، من خلال بناء المزيد من المستوطنات وإغلاق المسجدة الأقصى ومنع الصلاة فيه، مؤكدا على غياب التفاعل العربي والإسلامي مع هذه التغيّرات الهامة بسبب الفوضى التي تجتاح المنطقة.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون إنّ الحرب الدائرة في المنطقة تخلط الأوراق وتضعف التركيز على العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني، كما تقلل من مستوى التعاطف الإقليمي والدولي مع القضية الفلسطينية، نتيجة انشغال الأطراف المختلفة بأزمات وصراعات أخرى.
وأوضح المدهون في حديث لـ”قدس برس” أن تفجير المنطقة قد يكون أحد أهداف العدوان الإسرائيلي على إيران، إذ يسعى الاحتلال إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة تُهمَّش فيها القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن قضايا المنطقة مترابطة وقابلة للانفجار، ما يستدعي من دول المنطقة الانتباه إلى أن التهديد الأساسي لاستقرارها يتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، محذرًا من أن “إسرائيل” لن تتردد في استهداف دول أخرى إذا تمكنت من إضعاف إيران، لأنها تسعى إلى تفكيك الدول المركزية في المنطقة.
وحذّر المدهون من أن أسوأ السيناريوهات يتمثل في اندلاع صراع عربي – إيراني، داعيًا إيران إلى تجنب إطلاق أي صواريخ باتجاه الدول العربية، والتركيز في ردها على الاحتلال الإسرائيلي باعتباره الطرف الذي دفع الولايات المتحدة والقوى الداعمة له إلى مواجهة طهران ومحاولة إضعافها.
وأضاف أن توسيع نطاق الحرب سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة واستجلاب خصوم جدد لإيران، معربًا في الوقت نفسه عن أمله في أن تلعب “أنقرة” وبعض الدول العربية دورًا في تحييد الدول العربية عن هذه الحرب.
وأكد المدهون أن استهداف دول الخليج يضر بالدعم العربي والخليجي للقضية الفلسطينية، وقد يفتح الباب أمام حساسيات ومشكلات جديدة في المنطقة. لكنه شدد على أن الشعب الفلسطيني يرفض استهداف أمن الدول العربية أو مصالحها، ويميز بين العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على إيران وبين أي استهداف للدول العربية.
وأضاف أن استقرار الدول العربية في هذه المرحلة يمثل ضرورة استراتيجية، لأن الفوضى الإقليمية لن تخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه في المنطقة.
ويرى المدهون أن الولايات المتحدة وإسرائيل عملتا خلال العقود الماضية على إدارة الصراعات الطائفية داخل المنطقة وإذكاء النزاعات الداخلية، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية قد تشهد محاولة لحسم بعض هذه الملفات.
وحذّر من أن الدول العربية نفسها قد تكون مستهدفة في المدى البعيد، تمامًا كما تُستهدف إيران اليوم، معتبرًا أنه إذا تفرغت إسرائيل من إيران فقد تتجه لاحقًا إلى استهداف دول أخرى في المنطقة، وربما حتى دول كبرى مثل تركيا والسعودية ومصر.
وفي تعليقه على تصريحات الرئيس الإيراني التي اعتذر فيها لدول الخليج بسبب استهدافها بصواريخ إيرانية، اعتبر المدهون أنها إيجابية من حيث المبدأ، لكنه شدد على ضرورة أن تقترن بخطوات عملية تؤكد عدم استهداف الدول العربية.
كما دعا الدول العربية إلى العمل من أجل وقف الحرب بشكل كامل، مؤكدًا أن استمرارها لا يخدم استقرار المنطقة. وأوضح أن العدوان على إيران يضر بالمنطقة، كما أن استهداف الدول العربية يضر بإيران نفسها.
وختم المدهون بالتأكيد على أهمية التفكير في صيغة تعاون إقليمي عربي – إسلامي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتغيير قواعد الصراع في المنطقة، بدلًا من ترك كل دولة تواجه التحديات منفردة، مشيرًا إلى أن سياسة الاستفراد بالدول بدأت بالعراق ثم غزة والشعب الفلسطيني، وصولًا إلى إيران اليوم.
ومنذ 28 شباط/فبراير الماضي، تشن دولة الاحتلال والولايات المتحدة عدوانا على إيران، أودى بحياة مئات الأشخاص، على رأسهم المرشد علي خامنئي ومسؤولون آخرون، فيما ترد طهران بإطلاق رشقات صاروخية ومسيرات باتجاه “إسرائيل” وقواعد عسكرية أمريكية متمركزة في عدد من الدول العربية.
كما تستهدف إيران بصواريخ ومسيرات ما تصفه بـ”مصالح أمريكية” في دول الخليج والأردن والعراق، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى وألحق أضرارا بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول العربية المستهدفة.

