المسار : تسببت الضربات الإيرانية لدول الخليج بجرّها إلى صراع حاولت تجنبه، مع استهداف منشآتها المدنية والاقتصادية، ما عمّق القلق الإقليمي، كما كشفت الهجمات عن هشاشة المظلة الأمنية الأميركية، وأثارت شعورا متزايدا لدى حكومات الخليج بعدم إمكان الاعتماد على الحماية الأميركية.
فرضت الهجمات الإيرانية على دول الخليج أن تكون طرفا في حرب طالما تجنبّتها، حرب من شأنها أن تنشئ واقعا جديدا في الإقليم، أحد مظاهره شهودُ المنطقة تعاونا عربيا إسرائيليا جليّا، وفيما يتصاعد القصف الإيراني للدول العربية المجاورة، وتتعطل مصالحها، وتُحرم الأمن، ويتضرر اقتصادها، فإن هذه الدول تشعر بخيانة أميركية لوعود الحماية، ما ينذر بجديّة من احتمال انتهاء الهيمنة الأميركية على الخليج في وقت غير بعيد.
يرى بروفيسور العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة “جورج واشنطن” ومدير مشروع “العلوم السياسية المختصة بالشرق الأوسط”، مارك لينش، أنه “قد ولّت الأيام التي كانت فيها القيادات العربية في الخليج متوافقة مع إسرائيل بشأن ضرورة تبني إستراتيجية مواجهة تجاه إيران”.
ويعلّل ذلك بقوله “لقد صُدم قادة الخليج بقدرة إيران وحلفائها على استهداف مصافي النفط السعودية في عام 2019، دون وجود أي قدرة دفاعية فعالة أو رد أميركي مؤثر. ثم جاءت جولة لاحقة من الطائرات المسيّرة فوق أبوظبي لتعزز الدرس القاسي، المتمثّل في وجود ضعف حقيقي لا يمكن للتحالف مع الولايات المتحدة تعويضه، أو أن الولايات المتحدة لا ترغب في ذلك أصلا”.
وقد نشأ تقارب دبلوماسي سعودي إيراني في عام 2023 برعاية الصين اشتمل على تهدئة شاملة، وأظهر رغبة مشتركة بخفض حروب الوكالة بين الطرفين، وصمدت هذه التهدئة في حرب الاثني عشر يوما في حزيران/ يونيو 2025، إذ لم تستهدف إيران السعودية أو أيا من دول الخليج.
غير أنّ الهجوم الأميركي الإسرائيلي العنيف على إيران أرسى قواعد جديدة في الإستراتيجية الإيرانية، فبعد أن ظهر استعداد أميركا وإسرائيل لخوض حرب شاملة ومنسقة تهدف إلى تغيير النظام، أدركت طهران أن المنطقة قد دخلت بالفعل في منعطف جديد لا يمكن العودة منه إلى الوضع السابق، وأن التقارب الدبلوماسي مع السعودية لم يعد يؤتي أُكُله، ولا طائل من ورائه.
ومن جهة دول الخليج التي أملت ألّا تنشب حرب في الإقليم، فإنها رجت، بعد تيقنها من حتمية اندلاعها، على الأقل أن تضع الولايات المتحدة إستراتيجية الحملة العسكرية بحيث تحيد دول الخليج من الصراع.
وفي ذلك يقول لينش عن دول الخليج، “لقد تمنوا حربا قصيرة تأتي بقيادة (إيرانية) أخرى أكثر براغماتية، دون تحطيم الدولة بطريقة تؤدي إلى نشر عدم الاستقرار واللاجئين والغموض. كما أملوا أن يظل الصراع محصورا بين إسرائيل وإيران، بما يحيد دول الخليج وحركة شحن النفط عن التأثر بالصراع”.
إلا أن طهران رفضت هذا السيناريو، وذلك بردها على الهجوم الأميركي الإسرائيلي بقصف مكثف ومتصاعد طال كافة جيرانها في الخليج. وبينما تركزت الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية على الإمارات والبحرين بشكل خاص، إلا أنها هاجمت أيضا الكويت والسعودية، وحتى قطر وعُمان الصديقتين.
ويقول لينش عن هذه الهجمات “توحي أنماط استهدافها بإستراتيجية واضحة بعيدة كل البعد عن تشنجات العنف البدائي التي تصوّرها أغلب وسائل الإعلام؛ إذ استهدفت إيران مراكز مدنية في قلب دول الخليج، مما بعث برسالة لمواطني تلك الدول وقادتها مفادها أنهم معرضون لخطر غير مسبوق”.
سعت إيران لإحداث ضرر اقتصادي عالمي سريع للضغط من أجل وقف إطلاق النار؛ فأغلقت مضيق هرمز دون جهد كبير، بمجرد إطلاق تهديدات لم تجرؤ ناقلات النفط على اختبار جديتها.
كما توقفت مصافي النفط السعودية وإنتاج الغاز المُسال القطري، ومع الارتفاع المتسارع لأسعار النفط والغاز، تبدو الولايات المتحدة غير مستعدة للرد.
وقد حدث كل هذا في حين لم ينضم الحوثيون إلى القتال بعد، الذين عرقلوا بفاعلية حركة الملاحة في البحر الأحمر تحديا للهجمات الأميركية والإسرائيلية خلال الحرب على غزة.
تسعى إيران، كما تفعل مع إسرائيل، إلى إنهاك أنظمة الدفاع الصاروخي الخليجية والأميركية عبر موجات متتالية من الطائرات المسيرة من طراز “شاهد” رخيصة الثمن وسهلة الإنتاج، بالتوازي مع استهداف منهجي لأنظمة الرادار والاتصالات التي تشغل تلك الدفاعات.
وفي ذلك يقول لينش “لا ينبغي لأحد أن ينخدع بمعدلات النجاح العالية للدفاعات الصاروخية في بداية صراع كهذا، حين تصد أنظمة دفاعية باهظة الثمن هجمات منخفضة التكلفة؛ إذ يأتي الاختبار الحقيقي عندما تنفد الصواريخ الاعتراضية ويبدأ إطلاق الصواريخ عالية الجودة (من طرف إيران)”.
وقد اعتمد النظام الخليجي بأكمله على الضمانات الأمنية الأميركية ضد إيران زمنا طويلا، وساد الشعور في هذه الدول بأنهم يتمتعون بعلاقات مع ترامب أفضل من تلك التي كانت مع إدارات أميركية سابقة، وهذا ما يجعل شعورهم بـ “الغدر” في الوقت الراهن أكثر حدة، بحسب لينش.
الذي يرى أن “لدى قادة الخليج أسبابا وجيهة للاعتقاد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا حربا ذات تأثير مباشر ليس فقط على مصالحهم، بل على بقائهم، وذلك دون مشاورات جادة معهم”.
وقال “إنهم يشعرون بعدم ارتياح عميق تجاه الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية إلى ’تغيير النظام’، التي تتضمن تدمير مؤسسات الدولة الإيرانية، لإدراكهم أنهم (خلافا لإسرائيل) لن يكونوا في مأمن من التداعيات الكارثية. كما أنهم لا يكادون يصدقون العجز الأميركي عن حماية المنشآت النفطية وحركة الملاحة، وعدم قدرة الولايات المتحدة (أو رغبتها) في تجديد مخزوناتهم المتناقصة من الصواريخ الاعتراضية بسرعة”.
الأمر الذي أدى إلى رسوخ “شعور عميق بأن القواعد العسكرية الأميركية قد تحولت إلى مصدر للتهديد، بدلا من أن تكون مصدرا للأمن”.
وأدركت دول الخليج أن هذه الحرب قد وضعتها بين المطرقة والسندان، فإذا نجا النظام الإيراني أو استُبدل بديكتاتورية مماثلة، فإن “قوة الإكراه” التي اكتسبها من خلال مهاجمة الخليج ووقف شحن النفط ستبقى محفوظة لديه، وقد تدخل في إستراتيجيته العسكرية مستقبلا.
وأما إذا سقط النظام وانهارت الدولة، فستكون دول الخليج مكشوفة أمام تدفقات اللاجئين، وتعطل الملاحة، وشيوع التطرف، والتبعات المسلحة العابرة للحدود التي يخشونها.
وختاما، فإن ضراوة الحرب الإسرائيلية وطبيعتها المنفلتة، والمشاركة الأميركية النشطة فيها، لن تؤدي إلا إلى تفاقم المخاوف الخليجية، فالأنظمة العربية التي خشيت توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية وطموحاتها غير المكبوحة لن تشعر بالاطمئنان وهي تشاهد تدمير إيران، بل سيساورها القلق من أن تكون هي التالية، مدركة أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة لحمايتها.
وقد يكون ذلك، وفق لينش، “نذير التفكك السريع للشرق الأوسط الخاضع للهيمنة الأميركية”.

