“لوموند” تكشف خبايا شقة جيفري إبستين الباريسية الفاخرة التي تحولت إلى “مركز لشبكة استغلال جنسي”

المسار : كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تحقيق مطول أن رجل الأعمال الأمريكي والمدان بجرائم الاعتداء الجنسي على القاصرات جيفري إبستين، استخدم شقته الفاخرة في العنوان: L’avenue Foch (مبنى رقم 22) في باريس كمركز رئيسي لنشاطاته في أوروبا لمدة نحو 18 عاماً.

وأوضح التحقيق أن هذه الشقة الواقعة في الدائرة السادسة عشرة الراقية من باريس، بالقرب من ساحة شارل ديغول وقوس النصر، لم تكن مجرد مكان للإقامة، بل تحولت إلى مقر يجمع بين الأعمال والعلاقات الاجتماعية واللقاءات مع شخصيات سياسية واقتصادية وفنية، وفي الوقت نفسه كانت أحد المواقع التي يُشتبه في أن اعتداءات جنسية قد وقعت فيها.

وبحسب الوثائق القضائية الأمريكية المعروفة بملفات إبستين، كان الملياردير الأمريكي يزور باريس بانتظام، وأحياناً لمدة تصل إلى أسبوعين كل شهرين، حيث كان يجمع بين اجتماعات العمل واللقاءات الاجتماعية واستقبال شابات يتم جلبهن إلى شقته بحجة العمل في مجال الموضة أو تقديم جلسات تدليك. وقد أظهرت المراسلات الإلكترونية والوثائق التي ظهرت لاحقاً أن بعض هؤلاء الفتيات كن قاصرات، وأن هناك شبكة من الوسطاء والمساعدين كانت تساعده في العثور عليهن واستقدامهن.

وكانت شقة إبستين في باريس شديدة الفخامة، إذ تبلغ مساحتها أكثر من 700 متر مربع، إضافة إلى شقق صغيرة أخرى في الطابق العلوي. وقد كشفت عمليات التفتيش التي أجرتها الشرطة الفرنسية في سبتمبر عام 2019 عن ديكور غريب يمزج بين التحف الغريبة والتماثيل والصور، إضافة إلى عدد كبير من الصور لنساء عاريات موزعة في عدة غرف، خصوصاً في الغرف الخاصة وغرفة التدليك. كما عُثر على أجهزة كمبيوتر ووسائط تخزين إلكترونية ووثائق مختلفة.

ومن بين ما عثرت عليه الشرطة، ملف إلكتروني يتضمن قائمة بأكثر من ستين امرأة مع تفاصيل تتعلق بأعمارهن والأفعال الجنسية المرتبطة بهن، بما في ذلك إشارات إلى ما إذا كانت الفتاة قاصراً أو بالغة وقت حدوث الوقائع. كما عُثر على صور لفتيات شابات عاريات، وبعضهن يُعتقد أن أعمارهن كانت صغيرة.

وأشار تحقيق “لوموند” أيضاً إلى أن شقة باريس كانت جزءاً من شبكة عالمية من الممتلكات التي استخدمها إبستين، إلى جانب منزله الضخم في نيويورك، والفيلا الخاصة به في فلوريدا، ومزرعته في ولاية نيو مكسيكو، وجزيرته الخاصة في البحر الكاريبي. وكانت هذه المواقع تشكل نقاطاً رئيسية لنشاطاته، سواء في ما يتعلق بعلاقاته المالية أو باستغلال النساء والفتيات.

وخلال إقاماته في باريس، كان إبستين يلتقي برجال أعمال ومستثمرين وشخصيات سياسية من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، وكان يقدم نفسه كمستشار مالي أو وسيط استثماري. كما كان يقيم علاقات اجتماعية مع بعض الشخصيات الثقافية والفنية، ويظهر في أماكن معروفة في العاصمة الفرنسية مثل المقاهي التاريخية في حي سان جيرمان أو الفنادق الفاخرة.

وفي الوقت نفسه، كشفت شهادات بعض العاملين في الشقة أن عدداً كبيراً من الشابات كن يزرن المكان يومياً، أحياناً لتقديم جلسات تدليك لإبستين. وذكر أحد الموظفين أن ما بين 10 إلى 15 فتاة كن يأتين بانتظام، بعضهن في الصباح وبعضهن في المساء، بينما قالت عاملة تنظيف إن شابات كن يزرن الشقة مرتين أو ثلاث مرات يومياً، تنقل “لوموند”.

كما تحدثت بعض النساء اللواتي تقدمن بشهادات أمام الشرطة الفرنسية عن تعرضهن لاعتداءات جنسية داخل الشقة. وروت عارضة أزياء فرنسية سابقة أنها تعرضت للاغتصاب عام 2008 بعد أن جرى تقديمها إلى إبستين عبر شخص وعدها بفرصة للعمل في مجال الموضة. كذلك ذكرت امرأة أخرى أنها أصبحت تحت سيطرته لسنوات، وكانت تقيم في إحدى الشقق المرتبطة بالمبنى نفسه، وقالت إنها تعرضت لاعتداءات متكررة عندما كان إبستين في باريس.

وأدى ظهور هذه المعلومات إلى فتح تحقيقات قضائية في فرنسا للنظر في احتمال وجود شبكة منظمة للاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي مرتبطة بإبستين في أوروبا. وقد ركزت التحقيقات بشكل خاص على علاقته بوكيل عارضات الأزياء الفرنسي جان-لوك برونيل، الذي اشتبه المحققون في أنه كان أحد الأشخاص الذين ساعدوه في استقطاب فتيات شابات للعمل معه أو السفر إلى أماكن أخرى.

وأوضح تحقيق “لوموند” أن إبستين حاول في السنوات الأخيرة قبل اعتقاله توسيع وجوده في أوروبا وربما الاستقرار فيها بشكل دائم، حيث حاول شراء طابق إضافي في المبنى نفسه في باريس، كما بحث عن عقارات أخرى في فرنسا وعلى ساحل البحر المتوسط.

لكن هذه الخطط توقفت عندما تم اعتقاله في الولايات المتحدة في يوليو عام 2019 بعد عودته من رحلة كان قد مر خلالها بباريس. وبعد شهر واحد فقط، عُثر عليه ميتاً داخل زنزانته في أحد السجون الأمريكية، في قضية أثارت جدلاً عالمياً واسعاً حول شبكة علاقاته الواسعة والجهات التي ربما كانت على علم بأنشطته.

Share This Article