بقلم اسماعيل الريماوي/إسبانيا البعيدة… والقواعد الأمريكية في بلاد العرب

المسار :في لحظات التاريخ الكبرى تنكشف الحقائق القاسية بلا أقنعة، والحرب على غزة كانت واحدة من تلك اللحظات التي عرّت كثيراً من المواقف وأسقطت الكثير من الشعارات التي طالما رُفعت باسم التضامن مع فلسطين. بينما كانت غزة تحترق تحت القصف وتغرق في واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخها، ظهرت مفارقة سياسية وأخلاقية يصعب تجاهلها: دولة أوروبية بعيدة جغرافياً عن الصراع اتخذت مواقف عملية ضد الحرب، بينما بدت المنطقة العربية، الأقرب إلى المأساة، مقيدة بالصمت أو بالعجز، بل وتحولت في بعض الأحيان إلى جزء من معادلة الحرب نفسها.

إسبانيا، تلك الدولة الأوروبية البعيدة، لم تكتفِ بإصدار بيانات دبلوماسية أو التعبير عن القلق الإنساني، بل اتخذت خطوات سياسية ملموسة، فقد أعلنت رفضها مرور شحنات السلاح المتجهة إلى إسرائيل عبر موانئها وأجوائها، ورفضت أن تتحول أراضيها إلى منصة عسكرية تستخدمها الولايات المتحدة لتوسيع دائرة الصراع في المنطقة، بما في ذلك أي عمليات عسكرية قد تستهدف إيران.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ قررت مدريد خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وسحب سفيرها من تل أبيب، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة توتر غير مسبوقة. لم يكن القرار مجرد إجراء بروتوكولي، بل رسالة سياسية واضحة بأن ما يجري في المنطقة تجاوز حدود الصمت الدبلوماسي التقليدي، وأن استمرار الحرب لا يمكن التعامل معه كحدث عابر في السياسة الدولية.

في المقابل، تكشف المقارنة مع الواقع العربي مفارقة أكثر قسوة. ففي الوقت الذي كانت فيه غزة تتعرض للقصف والحصار والتجويع، بقيت القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدد من الدول العربية جزءاً من البنية العسكرية التي تستخدمها واشنطن لإدارة صراعاتها في المنطقة، بل وكانت جزءاً من توريد الأسلحة إلى حرب الإبادة هناك. هذه القواعد لم تكن مجرد منشآت عسكرية صامتة، بل منصات عمليات تُستخدم في الترتيبات العسكرية الأمريكية، وفي ظل التصعيد الإقليمي الأخير أصبحت المنطقة مسرحاً لعمليات عسكرية تُدار من هذه القواعد، بما في ذلك عمليات قصف استهدفت إيران انطلقت من قواعد أمريكية موجودة على أراضٍ عربية.

وهنا تتجلى المفارقة الصادمة: بينما كانت دولة أوروبية بعيدة مثل إسبانيا ترفض استخدام أراضيها لتوسيع دائرة الحرب، كانت الجغرافيا العربية نفسها تتحول إلى منصة عسكرية للصراعات الكبرى، وبينما حاولت مدريد أن تنأى بنفسها عن المشاركة في الحرب، وجدت شعوب المنطقة نفسها أمام واقع مختلف، حيث تُدار كثير من الحروب من أرضها وسمائها.

ولم تكن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة يوماً مشروع حماية حقيقي للشعوب كما رُوِّج لها، فقد وُلدت منذ البداية في سياق استراتيجي هدفه حماية الأنظمة وضمان تفوق المشروع الصهيوني، وجعل المنطقة قاعدة متقدمة لأي مواجهة مع القوى أو الدول التي ترفض الاصطفاف في الخندق الأمريكي الإسرائيلي. ومع مرور السنوات تكشف بوضوح أن هذه القواعد لم تجلب الاستقرار الذي وُعدت به المنطقة، بل تحولت إلى عبء ثقيل وخطر دائم يهدد أمنها ويضعها في قلب الصراعات الدولية.

فالواقع أثبت أن هذه القواعد لم تحمِ نفسها أولاً، ولم تحمِ الدول التي تستضيفها ثانياً، بل جعلت أراضي تلك الدول أهدافاً مفتوحة في أي مواجهة، وهكذا تحولت الجغرافيا العربية إلى ساحات متقدمة لحروب الآخرين، تُستخدم منصاتٍ للضرب حيناً وأهدافاً للرد حيناً آخر، وبدلاً من أن تكون هذه القواعد عنصراً للردع يحفظ الأمن، أصبحت عنواناً دائماً للتوتر ونقطة جذب للصراعات ومصدراً لتهديد الأمن الإقليمي.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فشل هذه القواعد في توفير الحماية العسكرية الموعودة، بل في نتائجها السياسية العميقة. فوجودها كرّس ربط القرار السيادي العربي بإرادة خارجية لا ترى في المنطقة سوى مخزن للثروات ومسرحاً مفتوحاً لتمرير استراتيجياتها الكبرى، وبفعل هذا الارتباط تحولت بعض الدول إلى مواقع متقدمة في شبكة النفوذ الأمريكي، حيث تُصاغ السياسات الكبرى وفق حسابات واشنطن ومصالحها، لا وفق مصالح الشعوب ولا احتياجات الأمن القومي العربي.

وعندما جاءت لحظات الاختبار الحقيقية، ظهر الوجه الحقيقي لهذا التحالف غير المتكافئ. فقد تبين أن الولايات المتحدة لا تدخل الحروب دفاعاً عن حلفائها بقدر ما تديرها وفق ميزان المصالح البحتة، تترك شركاءها في الواجهة بينما تتحكم هي بمسار الصراع من الخلف، وتقرر متى يبدأ ومتى ينتهي، ومتى يجب التصعيد ومتى يجب التهدئة. فالأولوية في النهاية ليست أمن المنطقة، بل أمن إسرائيل وضمان استمرار الهيمنة الأمريكية.

أما كلفة هذا الوجود العسكري، فلم تكن مالية فحسب رغم المليارات التي تُنفق سنوياً على صفقات السلاح وتمويل القواعد، بل كانت كلفة سيادية وأمنية وأخلاقية في آن واحد، إذ تحولت هذه القواعد إلى أداة ضغط وابتزاز سياسي دائم، تُفرض عبرها الإملاءات وتُوجَّه السياسات، في مشهد يكشف حجم الاختلال في موازين العلاقة بين القوة الراعية والأنظمة المضيفة.

وهكذا، بينما تحاول دولة أوروبية بعيدة مثل إسبانيا أن تضع حدوداً لاستخدام أرضها في الحروب، تتحول أجزاء من العالم العربي إلى منصات لتلك الحروب نفسها. وهذه المفارقة القاسية تكشف أن المشكلة لم تعد فقط في موازين القوة مع إسرائيل، بل في طبيعة النظام السياسي والاستراتيجي الذي جعل المنطقة مفتوحة أمام صراعات الآخرين.

فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يُستورد من الخارج، ولا يمكن أن يقوم على قواعد عسكرية أجنبية، بل على إرادة الشعوب واستقلال القرار وبناء منظومة أمن إقليمي حقيقية تنبع من مصالح المنطقة نفسها لا من حسابات القوى الكبرى. وربما لهذا السبب ستبقى هذه الحرب لحظة فاصلة في الوعي السياسي العربي، لأنها لم تكشف فقط حجم المأساة، بل كشفت أيضاً حجم التناقض بين الخطاب والواقع، وبين من يملك الجرأة ليقول “لا”، ومن لا يزال يكتفي بالصمت.

Share This Article