الكاتب جاد جرادي
تحليل يستحضر إرث القنبلة النووية من هيروشيما إلى تهديدات ترامب لإيران، في لحظة مفصلية قد تعيد العالم إلى شبح الدمار الشامل.
المسار: قبل سنوات، دعاني صديق لحضور فيلم «أوبنهايمر Oppenheimer» عن سيرة العالم الفيزيائي روبرت أوبنهايمر، الرجل الذي أصبح «المكافىء الموضوعي للموت… مدمر العوالم».
«أنا الآن صرت الموت ومدمر العوالم»، بهذه العبارة التاريخية تنفس العالم الأميركي «جي روبرت أوبنهايمر»، الملقب بأب القنبلة الذرية، بعد التجربة النووية التي أجراها في صحراء ولاية نيو مكسيكو. ثمّ عايش هذا العالك صيف عام 1945 إبادة مدينتين بأكملها، بشجرها وبشرها وترابها، وكل الكائنات الحيّة فيها.
اختيرت مدينة هيروشيما اليابانية أولًا، ثم مدينة ناكازاكي بعدها بأيام، في السادس والتاسع من آب 1945 كعنوان لهذا الموت، بتسميات قنبلة «الولد الصغير» و«الرجل البدين»…
صانع القرار الأميركي فضّل هاتين المدينتين على مدن أخرى مثل «كيوتو»، لرمزيتها الأثرية ولأنه قضى شهر عسل بها! تخيّل عزيزي القارئ، أنّ قرار قتل مئات الآلاف من البشر يتخذ لهذه الأسباب.
وللمفارقة، لم تكن المدينتان وحدهما الضحية، بل سكان ولاية نيومكسيكو، حيث أجريت تجارب التفجيرات النووية الأولى. هناك ما يزال يعيش سكان الولاية ذوي الأصل الإسباني وأفراد من قبيلة «ميسكاليرو أباتشي» وهم من سكان أميركا الأصليين آثار اللعنة الأميركية.
إيران تخشى الاندثار
اليوم، بعد 81 عامًا، ثمة من يدعو إلى موتٍ جديد، أكثر وحشية، ويُجملّه بعبارة جديدة «فلتفتح أبواب الجحيم». هذه المرّة الموت الأحمر لن يحلّ على اليابان التي صالحتها ديمقراطيات أميركا لاحقًا، وجاءها «الفاتح» باراك أوباما في أيار 2016 بخطاب قائلًا: «قبل 71 عامًا هبط الموت من السماء وغيّر وجه العالم إلى الأبد، جئنا حدادًا على الموتى، أرواحهم تخاطبنا يطلبون منا النظر إلى دواخلنا لندرك من نحن». من نحن؟ موت جديد في إيران هذه المرة.
إيران التي اختارت الخروج من عبودية أميركا بانتصار ثورتها في شباط 1979. ولفهم العلاقة الأميركية الإيرانية أكثر بعد الثورة، يخوص أحد مقدمي برامج الإعلام الجديد، سنصفه هنا بـ«بودكاستي»، ويُعرف عنه أنه أكثر من فهم إيران بماضيها وحاضرها. يشبه العلاقة الإميركية-الإيرانية تاريخيًا بعلاقة زواج لم تكتمل وانتهت بخيبة أمل!
إيران بلاد تخشى الاندثار ولا تستسلم
فهي علاقة رسختها معادلةُ لا حرب ولا سلام بينهما، إلى أن جاء ترامب ليفرض معادلة جديدة إما الحرب، وإما السلام، أو ما أطلق عليها سياسة «السلام بالتهديد بالقوة». وقد تدرجت ترجمة هذه المعادلة من نصف حرب في الطريق إلى السلام في حرب حزيران 2025 إلى حرب شاملة في شباط 2026، ليختم الـ«بودكاستي» الحذق وصف إيران: «أنها بلادٌ تخشى الإندثار، لا تنتحر ولا تستسلم، بل تهوى البقاء والصمود، تسعى للبقاء وتصنع عناصر البقاء. لديها هرم أولويات، يشبه هرم ماسلو، ينطلق من أولية الحفاظ على الوجود».
عام الحرب
إنه العام 2026، لا شيء تبدل، كما أمس، فعلُ الموت هنا بين زمنين. تحضر المقارنات والأفعال، بين زمان (هاري) ترومان وزمان (دونالد) ترامب، المولود بعد عام واحد من سنة إلقاء القنابل النووية على اليابان. بين رجلين، رجل أراد أن يكون معاقبة بلد طريقًا للاستسلام ونهاية للحرب، ورجلٌ يرى أن محو بلاد عن الخارطة طريقًا لانتصار مبادئه ومبادئ أميركا. وما بينهما لحظة مجنونة، شاهدها العالم سينمائيًا عام 2023 في ختام فيلم أوبنهايمر عن فناء الكوكب عبر تفجير ذري غير متحكم به، لقطة أراد مخرج الفيلم كريستوفر نولان أن يعيد فيها محاكاة تفجير القنبلة النووية كـ«أكثر لحظة درامية في التاريخ». لحظة يخشاها العالم من إحياء شبح الكابوس هذا والقلق من أن يفعلها ترامب، ليس عقابًا لنظام يكرهه، بل لحضارة لم يستطع إغواءها.
يشعر أوبنهايمر وكأن يديه ملطختان بالدماء
أَحسن علي أكبر ولايتي قراءتها مختصرًا بالقول: عندما كان اسلاف الانجلوساكسون يبحثون عن النار في الكهوف كان داريوس الكبير (كبير ملوك الفرس) يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر.
رحل أوبنهايمر عن دنياه، نادمًا بعد أن بدا مبتهجًا بإنجازه العلمي الأبرز في التاريخ، يردد بصوت عالٍ: «هؤلاء الفقراء الصغار، هؤلاء الفقراء الصغار»، ومشهد الجثث المتفحمة لا يفارقه.
تروي سيرة الرجل لقاؤه بالرئيس الأميركي ترومان في مكتبه البيضاوي. لم يكن لقاءًا وديًا، صارح الرجل بجملة إنه «يشعر وكأن يديه ملطختان بالدماء» في إشارة لعدم رضاه عن إلقاء القنبلة على ناغازاكي، مَد له ترومان منديلاً وأخبره أن الناس لن تتذكر من صنع القنبلة بل من ألقاها.
اللحظة «الترامبية»
ليلة هذا اليوم، وقبل نهاية مهلة ترامب لإيران مساء يوم الثلاثاء 7 نيسان. بين صانع الموت ومدمر العوالم. بين من ألقى القنبلة مفتخرًا وبين من يهدد بالجحيم. لحظة «ترامبية»، تُشبه نهاية فيلم أوبنهايمر. نهاية لفيلم أميركي طويل، نرددُ نحن المشاهدون في ختامه بعضًا من قصيدة مديح الظل العالي لمحمود درويش:
«أَمريكا هي الطاعون، والطاعونُ أمريكا
نعسنا… أَيقظتنا الطائرات وصوتُ أَمريكا
وأَمريكا لأمريكا
وهذا الأفق اسمنتٌ لوحشِ الجوِّ…
نفتحُ علبةَ السردين، تقصفها المدافعُ
نحتمي بستارةِ الشباك، تهتز البناية… تقفزُ الأبوابُ.
أمريكا وراء الباب أمريكا… ونمشي في الشوارعِ باحثين عن السلامة،
من سيدفننا إذا متنا؟
عرايا نحن… لا أُفقٌ يُغَطينا ولا قبرٌ يوارينا»
عن الأخبار اللبنانية

