هآرتس: صخب بلا استراتيجية….حرب ترامب الفاشلة على إيران

ألون بن مئير

المسار: فشل خطاب ترامب الذي وجهه للأمة في بداية الشهر بشأن الحرب على إيران في إقناع أي شخص خارج قاعدته الشعبية بأن الحرب قد عززت الأمن القومي الأميركي. وكشف عن رئيس يكافح للسيطرة على صراع لم يستطع تحديده بوضوح، راسماً صورة مقلقة من الارتباك. في لحظة، احتفل بـ”إنجاز المهمة”، مدعياً النصر على القدرات العسكرية الإيرانية؛ وفي اللحظة التالية، تعهد بـ”إنهاء المهمة”. ولم تُسهم مزاعمه غير المتماسكة، وأهدافه المتغيرة، ونبرته المُشيدة بنفسه إلا في تعميق الشكوك حول منطق الصراع وغايته. وقد أظهرت تبريراته المتغيرة، ومزاعمه المبالغ فيها وتجاهله للحقائق، ضعفاً لا ثقةً، ما جعل حتى أقرب مستشاريه في حيرة من أمرهم بشأن معنى النصر.

رفض تسميته حرباً

رفض ترامب، في تطور غريب، تسمية الصراع الدائر مع إيران “حرباً”، مفضلاً مصطلح “عملية عسكرية”، حتى وهو يقارنه بفيتنام والعراق وأفغانستان. ويعكس هذا التناقض تلاعباً بالخطاب ونسياناً للتاريخ. كان هدفه من هذه المناورات اللغوية التقليل من المساءلة، مع استحضار مكانة القادة العسكريين السابقين. لكنها كشفت بدلاً من ذلك عن تناقضه. كانت محاولةً منه لإعلان النصر من دون الاعتراف بالتكاليف الأخلاقية والاستراتيجية للحرب المفتوحة.

لغز اليورانيوم المخصّب

تطرق ترامب بإيجاز إلى مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، مدعياً أن الضربات الأميركية “دمرت” المواقع النووية الإيرانية، ومصرحاً بأن “الأمر سيستغرق شهوراً للوصول إلى غبار اليورانيوم”، في إشارة على ما يبدو إلى اليورانيوم المخصب نفسه -وهو تصريح سخيف بقدر ما هو ملتوٍ بشكل مؤسف. كان هذا التعليق مثالًا على خطاب مليء بالمبالغات والتشويهات، مما زاد من الشكوك حول الأمن النووي.

التباهي باقتصاد متدهور

أشاد ترامب بما أسماه “أعظم اقتصاد في التاريخ”، متجاهلًا البيانات التي تُظهر ارتفاع التضخم وتزايد البطالة طويلة الأجل وتضخم العجز. وبدا خطابه أقرب إلى تجمع انتخابي منه إلى تقرير رصين عن زمن الحرب. ومن خلال ترديد نقاط نقاش عفا عليها الزمن، بدا منفصلاً عن الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الأميركيون. وبدلاً من إظهار الثقة، عزّز خطابه الأجوف الانطباع بأن الرئيس معزول عن الواقع ويائس للحفاظ على وهم الكفاءة.

استقلال الطاقة ومفارقة أسعار الغاز

بإعلانه أن الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً في إنتاج النفط والغاز، تجاهل ترامب حقيقةً مُزعجة: يدفع الأميركيون أكثر من 4 دولارات للغالون، أي بزيادة تقارب 40 في المائة عما كان عليه الوضع قبل الحرب. ومحاولته إلقاء اللوم على “المضاربة العالمية” تجاهلت حقيقة أن أفعاله هي التي زعزعت استقرار الأسواق. ويُبرز التناقض بين ادعائه بالاستقلال والأثر الاقتصادي السلبي لأسعار الوقود انفصاله عن عواقب سياساته، مما يُقوّض الثقة في قيادته الاقتصادية.

سوء فهم دوافع إيران

أساء ترامب في خطابه تفسير هجمات إيران على دول الخليج، مُصوّراً إياها على أنها أعمال عدوانية غير مُبررة بدلاً من كونها ردود فعل استراتيجية. بدا وكأنه غير مُدرك -أو غير راغب في الاعتراف- بأن إيران استهدفت القواعد الأميركية لأنها لا تستطيع ضرب الأراضي الأميركية. وهذا الفشل في استيعاب منطق الردع يُعمي إدارته عن التصعيدات الإقليمية المتوقعة. هذا الإغفال لا يُشير إلى قوة، بل إلى جهل بالديناميات الأساسية التي تُحرك الصراع الذي أشعله بنفسه.

تجاهل دور إسرائيل في الصراع

من اللافت للنظر غياب أي إشارة في تصريحات ترامب إلى دور إسرائيل في تشكيل مسار الحرب. صحيح أن تأثير نتنياهو في حثّ طهران على المواجهة المباشرة موثق جيداً، إلا أن ترامب تجنّب الخوض في هذا الموضوع تماماً. هذا الصمت الانتقائي يوحي بشعوره بالامتنان السياسي وتردده في مواجهة الانتقادات الداخلية. ومن خلال التعتيم على دور إسرائيل في الصراع، شوّه ترامب فهم الرأي العام للمسؤولية، وعزّز فكرة أن الرئاسة تُسيّرها التحالفات الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.

التبجّح والمقارنات مع الأسلاف

كعادته، ملأ ترامب خطابه بالتباهي بإنجازات زعم أنها تفوق إنجازات أوباما وبايدن. وصوّر نفسه على أنه الزعيم الوحيد المستعد للتحرك بحزم، لكنه لم يقدم أي دليل على أن نهجه حقق نتائج أفضل. وكشفت المقارنات المبالغ فيها عن انعدام الأمن لا عن القوة. وتحول خطاب ترامب إلى استعراض للذات، وليس للقيادة، مؤكداً وجهة النظر القائلة بأن ساحة معركة ترامب ليست إيران، بل هي التنافس على إثبات الذات.

إلقاء اللوم على الحلفاء الأوروبيين بشأن هرمز

انتقد ترامب الحلفاء الأوروبيين لتقاعسهم عن الانضمام إلى جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز. وأصر على أن الولايات المتحدة لم تعد في حاجة إلى نفط الشرق الأوسط، وأن على أوروبا “معالجة مشاكلها بنفسها” زاد هذا الخطاب الأحادي من عزلة شركاء الناتو وعمّق التوترات القائمة عبر المحيط الأطلسي. ولم تقدم رسالته أي جديد لتغيير المسار الكئيب للصراع، مما عزز مخاوفهم من أن واشنطن أكثر التزاماً بالتصعيد من الدبلوماسية. وبدلاً من حشد الوحدة، أكدت تصريحاته عزلة واشنطن وعزّزت التصورات عن قوة عظمى متقلبة وغير موثوق بها.

أسطورة الاحترام الأميركي المتجدد

لا شك أن خطاب ترامب كشف زيف ادعاءاته المتكررة في الماضي بأن “أميركا تحظى باحترام أكبر من أي وقت مضى”. لكن الواقع مختلف تماماً: أصبحت الولايات المتحدة موضع خوف وعدم ثقة متزايدين، ويُنظر إليها على أنها غير قابلة للتنبؤ. وقد أدى خطابه العدائي وتجاهله للتحالفات إلى تآكل السلطة الأخلاقية التي كانت تُشكل ركيزة القيادة الأميركية. وما يُقدمه على أنه قوة ليس إلا عزلة -قوة عظمى تائهة، تضاءلت سمعتها بسبب رئيس يخلط بين الترهيب والاحترام.

خطاب كشف عن قصور أميركا

لم يُقنع خطاب ترامب الرأي العام أو حلفاء أميركا بأن الحرب ضد إيران تُعزز الأمن القومي الأميركي. بدلاً من ذلك، كشفت تصريحاته عن قوة عظمى مقيدة بتناقضاتها الداخلية، مما أدى إلى نفور شركائها في الخليج، وتوتر العلاقات مع أوروبا، وإظهار تشتت الاستراتيجية الأميركية. وبدلاً من بثّ الثقة، زادت كلماته من انعدام الثقة والشك. وبدا أضعف وأكثر ارتباكاً وغروراً وتبجحاً كعادته، بينما شعر خصومه بالرضا، وشعر مؤيدوه بالإحباط والحيرة.

لا استراتيجية للخروج في الأفق

على الرغم من تبريراته المطولة لاستمرار الأعمال العدائية، فشل ترامب في تقديم أي خطة أو جدول زمني أو هدف قابل للقياس لإنهاء الحرب. لم يقدم أي رؤية لتحقيق الاستقرار، ولا قناة دبلوماسية، ولا معايير للنجاح. ويؤكد هذا الإغفال على إدارة تعمل بدافع الاندفاع بدلاً من الاستراتيجية. وكما قال سابقاً، سيشعر في قرارة نفسه متى ينهي الحرب. ولغياب خطة للخروج دلالات كثيرة، وهو يعكس رئيساً تحركه المظاهر السياسية بدلاً من الجوهر، تاركاً أميركا متورطة في مستنقع مكلف آخر.

لم ينجح خطاب ترامب في إقناع أي شخص خارج دائرة مؤيديه المخلصين بأن الحرب عززت أمن أميركا. فقد أظهرت مزاعمه المتناقضة وتفاخره الأجوف ضعفاً لا قوة، مما أدى إلى نفور الحلفاء وتعميق انعدام الثقة. وكان ما برز هو صورة لقائد تائه في أوهامه، معزول ويصبح دوره هامشياً بشكل متزايد.

*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي. يركز على سياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، ويدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين.

Share This Article