| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت 26/4/2026
خنق النظام الإيراني: خطة ترامب للاستنزاف الاقتصادي
بقلم: رون بن يشاي
على الرغم من أن الحياة تعود تدريجيًا إلى طبيعتها في معظم أراضي دولة إسرائيل، باستثناء الجليل، إلا أن الجبهات الأربع الرئيسية التي يقاتل عليها الجيش الإسرائيلي لا تزال عرضة للاشتعال. في لبنان، تدور معارك حقيقية، ولكن بسبب القيود التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إسرائيل، لا يستطيع الجيش الإسرائيلي العمل في جميع أنحاء البلاد واستهداف جميع الأهداف التي يحتاجها.
في نظرة شاملة وموجزة، يتبين الوضع التالي: في إيران، تخوض الولايات المتحدة والنظام الإيراني حاليًا حرب استنزاف، اقتصاديًا وأيديولوجيًا، بهدف إجبار الطرف الآخر على قبول الحد الأدنى من المطالب في المفاوضات الدبلوماسية التي ستؤدي إلى إنهاء الحرب.
أما إسرائيل، فهي الآن في وضع المراقب من بعيد، تستعد تحسبًا لتجدد الصراع. ويبدو في الوقت الراهن أن ترامب يعتزم استنفاد كل ما في وسعه من أضرار يمكن إلحاقها بالنظام الإيراني، قبل اللجوء – إن لزم الأمر – إلى تصعيد الصراع وإلحاق الضرر بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. إنها لعبة وقت يعتزم كل من الإيرانيين والأمريكيين خوضها خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين.
حزب الله يسعى إلى إحباط خطة السلام الأمريكية السعودية
في لبنان، ما لم يطرأ تغييرٌ على الوضع عقب سلسلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوجيهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ”الهجوم بالقوة”، قررت إسرائيل التعاون مع الخطة التي وضعها ترامب وولي العهد السعودي، بهدف إضعاف حزب الله وحرمانه من شرعية مواصلة القتال، وذلك عبر مفاوضات سلام وتطبيع العلاقات بين الحكومة اللبنانية، التي تمثل غالبية الطوائف اللبنانية وأغلبية الرأي العام في لبنان، والحكومة الإسرائيلية.
ستتطلب هذه الخطوة الدبلوماسية المتقنة تنازلات من إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بالأراضي التي تسيطر عليها حاليًا في جنوب لبنان، لكن البيت الأبيض والرياض يعتقدان أن اتفاقًا مع إيران، إلى جانب اتفاق سلام بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية، سيجبر حزب الله على وقف القتال، وربما حتى وضع أسلحته الثقيلة تحت إشراف دولي. وهذا من شأنه أن يحقق الأمن لشمال إسرائيل على المدى البعيد.
يبذل حزب الله قصارى جهده لإحباط هذه الخطوة السعودية الأمريكية والتي تتعاون معا إسرائيل، وبالتالي فإن وقف إطلاق النار، الذي يُزعم أن ترامب مدده لثلاثة أسابيع، يسير تمامًا كما كان عليه الحال في وقف إطلاق النار الذي أُعلن في نهاية عام 2024 بين لبنان وإسرائيل، والذي واصلت خلاله إسرائيل إلحاق الضرر الممنهج بمحاولات حزب الله لإعادة البناء والتقوية. مع ذلك، في الوضع الراهن، قرر حزب الله الرد بالمثل، ليثبت أنه صامد ويدافع عن لبنان، وبالتالي يجب عليه حمل السلاح.
من جهة اخرى، تكتسب حماس شرعية، ويقترب تجدد القتال. لقد أصبحت غزة ساحة ثانوية بعد إيران ولبنان، ويبدو أن حالة الطوارئ تسود هناك. ترفض حماس نزع سلاحها، وبالتالي لا يوجد تقدم في جميع المجالات الأخرى التي كان من المفترض أن تتحقق وفقًا لخطة ترامب المكونة من 21 بندًا. لكن حماس تستغل هذا الوضع لترسيخ حكمها، وأيضًا، على ما يبدو، لتعزيز قوتها العسكرية. أُجريت أمس انتخابات بلدية دير البلح في غزة، الخاضعة لسيطرة حماس، بالتزامن مع انتخابات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. تُضفي هذه الانتخابات شرعية على حماس، وتستغل حماس حالة الجمود على الأرض لتعزيز شرعيتها لدى المنظمات الدولية ومجلس السلام.
في إسرائيل، يُقال إنه لا مفر على الأرجح من استئناف القتال لطرد حماس من القطاع ونزع سلاحها، لكن الجيش الإسرائيلي يُلمّح سرًا إلى أنه في حال عدم التوصل إلى اتفاقات في لبنان وإيران، سيواجه الجيش الإسرائيلي مشكلة، لا سيما فيما يتعلق بالكوادر القتالية، لتنفيذ ما هو مطلوب في القطاع.
على حافة الفوضى في الضفة الغربية
تسود حاليًا حالة من الفوضى تقترب من الفوضى العارمة في الضفة الغربية. تتعرض المجتمعات الفلسطينية، التي تعاني من ضائقة اقتصادية، لحصار متزايد من قبل مثيري الشغب اليهود، الذين تنطلق عملياتهم من المزارع الواقعة على قمم التلال ومن البؤر الاستيطانية غير الشرعية المنتشرة بين هذه المجتمعات. يكاد الوضع هناك أن يتحول إلى فوضى عارمة، وقد باتت حالة الاضطراب الفلسطينية واضحة للعيان وتجلّت يوم السبت بدخول عشرات الفلسطينيين إلى مخيم جنين المهجور للاجئين، رغم حظر الدخول الصادر عن قائد المخيم.
في الضفة الغربية، تواجه إسرائيل صعوبة في تطبيق القانون، لا سيما ضد مثيري الشغب اليهود، على غرار عجز الشرطة عن تطبيق القانون في الوسط العربي. وتتزايد أعداد القتلى الفلسطينيين على أيدي اليهود بمعدل يُذكّر بمعدلات القتل في الوسط العربي.
المقامرة الإيرانية
وبالعودة إلى إيران، يبدو أن كلا الجانبين قد تحولا إلى حرب استنزاف اقتصادي، لأنها، من وجهة نظر إيرانية وأمريكية، أفضل من القتال المباشر. أما فيما يتعلق بإيران، فالسبب واضح تماماً. لا يملك حكام طهران الحاليون أي وسيلة ضغط فعّالة على الولايات المتحدة، ولا على إسرائيل بشكل غير مباشر، سوى إغلاق مضيق هرمز. ويأمل الإيرانيون أن يُؤدي الضرر الذي لحق بالاقتصاد العالمي، ولا سيما أزمة أسعار الطاقة التي تسببوا بها، إلى الضغط على ترامب لوقف القتال. كما تُمارس دول الخليج العربي المنتجة للنفط ضغوطًا في هذا الاتجاه، ويراهن الإيرانيون على أن الرئيس الأمريكي، الذي ارتفعت أسعار البنزين في بلاده أيضًا، سيُجبر في نهاية المطاف على الاستسلام.
من جهة أخرى، يسعى ترامب، من خلال منظومة حرب اقتصادية متنوعة ومنهجية وشاملة، إلى خنق النظام في إيران عمليًا، مُهددًا بذلك بقاء الحرس الثوري وآيات الله. وقد اختار ترامب ومستشاروه الحرب الاقتصادية لاعتقادهم أنها قادرة على تحقيق نفس التهديد لبقاء النظام في طهران الذي يُمكن تحقيقه بتدمير البنية التحتية الوطنية الإيرانية، مثل الكهرباء وإنتاج النفط والغاز والجسور. والأهم من ذلك، أن الحرب الاقتصادية، التي لا يُمثل الحصار البحري سوى جزء منها، لا تُسبب معاناة مباشرة للسكان المدنيين في إيران.
لا يرغب الرئيس الأمريكي في أن يتعرض المواطنون الإيرانيون، ومعظمهم معارضون للنظام، لأضرار مادية واقتصادية جراء قصف البنية التحتية الوطنية في المدن الكبرى. كما لا يريد أن تنشأ كراهية لدى الإيرانيين تجاه الأمريكيين، وبالتالي الالتفاف حول النظام. ترامب، شأنه شأن نتنياهو وجزء من المؤسسة الأمنية، لا يزال يأمل في الإطاحة بالنظام عبر احتجاجات جماهيرية ستندلع بعد الحرب. وطالما أن القنابل تسقط بالقرب منهم، فلن تخرج الجماهير إلى الشوارع.
ومن الأسباب الأخرى التي دفعت البيت الأبيض إلى اختيار الحرب الاقتصادية أن الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي قد استنفدا تقريبًا كل ما يمكنهما فعله بالقدرات العسكرية والنووية للنظام الإيراني عبر القصف الجوي والبحري. والآن، يجب الحفاظ على هذه المكاسب ومنع النظام من إعادة بناء هذه القدرات لسنوات. إن حملة اقتصادية تتمحور حول الحصار البحري من شأنها أن تحرم النظام الإيراني من الأموال والموارد والروابط مع دول صديقة كالصين وروسيا، والتي من شأنها أن تسمح للإيرانيين بإعادة بناء ما تضرر. على الرغم من عدم تطبيق الحصار البحري في بحر قزوين، وإمكانية حصول إيران على بعض المساعدات من روسيا، إلا أنها لن تكون كافية لإعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية، ودفاعاتها الجوية المتضررة بشدة.
ثمة سبب ثالث: إن تضرر البنية التحتية الوطنية في إيران، بما في ذلك منشآت إنتاج النفط والغاز ومحطات توليد الطاقة وتحلية المياه، سيؤدي حتماً إلى رد إيراني عنيف على منشآت النفط والتكرير في دول الخليج العربي، مما سيزيد من تفاقم وضعها الاقتصادي ويضر بالاقتصاد الدولي، حتى بعد فتح مضيق هرمز، إن حدث ذلك. ولهذا السبب، تفضل الولايات المتحدة استخدام “القوة الاقتصادية والأيديولوجية الناعمة” ولا تتعجل في تصعيد الموقف.
الحصار البحري، والتهديد الإيراني
يُعد الحصار البحري أهم الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة. تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تقتصر على فرض حصار بحري مباشر على السفن الإيرانية في مضيق هرمز أو تلك التي تحاول دخول موانئ جنوب إيران. تتخذ الولايات المتحدة إجراءات ضد “الأسطول الخفي”، الذي استخدمته إيران لنقل النفط إلى الصين والهند ودول أخرى، متجاوزةً بذلك العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
لقد طوّر الإيرانيون، بتوجيهات من خامنئي، اقتصادًا “بديلًا”، أدارته بشكل رئيسي قوات الحرس الثوري. كان هؤلاء يُهرّبون النفط من إيران إلى دول مستعدة لشرائه بأسعار زهيدة، بل واشتروا موادًا تُستخدم في تصنيع الصواريخ والمتفجرات، ونقلوها على متن سفن من الصين وروسيا إلى إيران. وتعمل البحرية الأمريكية حاليًا على إحباط عمليات التهريب هذه، ليس فقط للنفط، بل أيضًا للمواد ذات الاستخدام المزدوج وغيرها من المواد الاستراتيجية، لا سيما عبر المحيط الهندي. وقد استولت البحرية الأمريكية على سفينتين من هذا القبيل في الأيام الأخيرة، وما زالت جهودها مستمرة.
يزعم الإيرانيون أنهم ينجحون في عبور مضيق هرمز وتهريب النفط، إلا أن هذه العمليات تُحبطها القوات البحرية الأمريكية العاملة على مسافة آمنة من السواحل الإيرانية، بعيدًا عن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يمكنها استهداف حاملة الطائرات “لينكولن” ومدمراتها، وكذلك حاملة الطائرات “بوش” وقوة مهامها. وفي حال عبور ناقلة نفط مضيق هرمز، ينتظرها الأمريكيون ويصادرونها عند وصولها إلى المحيط الهندي، في طريقها إلى الصين. لذا، فإن الإيرانيين، لأغراض الدعاية الداخلية، يبالغون في التهديد. لكن تشير كل الدلائل إلى أن الحصار البحري هو ما يضرهم بشدة، ولهذا السبب يدّعون عدم رغبتهم في الجلوس إلى طاولة المفاوضات طالما استمر الحصار.
إلى جانب الحصار البحري، تمارس الولايات المتحدة حاليًا ضغوطًا اقتصادية على إيران عبر جميع القنوات المتاحة. ومن الأمثلة على ذلك تجميد حسابات العملات الرقمية التي تمكنت وزارة الخزانة الأمريكية من الاستيلاء عليها، والتي يستخدمها الحرس الثوري. أفادت شبكة CNN أن وزارة الخزانة الأمريكية تمكنت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية من تجميد 334 مليون دولار، أي حرمان إيران من هذه الأموال، وذلك عن طريق تجميد حسابات العملات الرقمية. يُعد هذا مبلغًا ضخمًا يُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الإيراني، الذي أصبحت فيه العملات الرقمية وسيلة مالية أساسية.
تشير التقديرات إلى أن جهات دولية وإيران ومواطنين داخلها قد جمعوا ما بين 7 و8 مليارات دولار من العملات الرقمية. واللافت للنظر أن نحو نصف هذا المبلغ موجود في محافظ رقمية تابعة للحرس الثوري. وكما يتذكر كل إسرائيلي، فقد حصل جميع الجواسيس الذين جندتهم إيران في إسرائيل على مكافآت مقابل أنشطتهم في مجال العملات الرقمية، والتي قاموا بتحويلها إلى نقود. من المحتمل أن تكون معلومات حسابات العملات الرقمية قد نُقلت إلى الأمريكيين وساعدتهم في خطوتهم الأخيرة، لكن هذا ليس كل شيء. فقد أفادت شبكة CNN أن قراصنة، يُرجح أنهم في مهمة إسرائيلية، سرقوا 90 مليون دولار من حسابات العملات المشفرة التابعة للحرس الثوري قبل عام.
وثمة قناة أخرى تتمثل في فرض عقوبات على مصافي تكرير صغيرة في الصين، والتي تمنع الولايات المتحدة التجارة معها لاستخدامها النفط الإيراني المهرب. تُظهر هذه البيانات أن الولايات المتحدة قد استعدت مُسبقًا لهذه الحملة الاقتصادية، ويبقى أن نرى ما إذا كانت ستنجح. السؤال هو: من سينهار اقتصاديًا أولًا؟ إنها لعبة وقت.
الوقت ضد إيران
إيران تُسبق الوقت، لكن الوقت ضدها. قد يُلحق الحصار البحري ضررًا لا يُمكن إصلاحه بصناعة النفط الإيرانية لسنوات، لأن الإيرانيين لا يملكون القدرة على تصدير النفط الخام، وخزانات التخزين في جزيرة خارك وفي حقول النفط نفسها ممتلئة بالفعل. قصفت إسرائيل معظم صناعة البتروكيماويات الإيرانية، لذا فهي أيضًا لا تملك قدرة على التكرير.
ونتيجةً لذلك، يُضطرون إلى تقليص ضخ النفط، وسرعان ما سيُضطرون إلى إيقافه تمامًا. والسبب هو أن بئر النفط المتوقف عن العمل لعدة أشهر يفقد الضغط الداخلي اللازم لتشغيل المضخة واستخراج النفط إلى السطح. وينتج عن ذلك توقف الإنتاج في حقل النفط لفترة طويلة. ولاستئناف ضخ النفط، يلزم ترميم نظام الإنتاج في حقل النفط، وهو أمر مكلف للغاية ويستغرق وقتًا طويلاً.
وكما ذُكر، يعوّل الإيرانيون على الضغط الدولي على ترامب بسبب أزمة الطاقة، وعلى معارضة الولايات المتحدة للحرب، وهو ما ينعكس في انخفاض شعبيته في استطلاعات الرأي. وهذا ليس مؤشرًا جيدًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، حيث قد يفقد ترامب أغلبيته في الكونغرس. لكن ترامب يُشير إلى أن لديه متسعًا من الوقت. وتشير كل الدلائل إلى أنه يأمل في إصلاح الضرر الذي ألحقه بالرأي العام الأمريكي من خلال التوصل إلى “اتفاق نصر” يستسلم بموجبه الإيرانيون.
في غضون ذلك، يحشد البنتاغون قواته، وتعمل القيادة المركزية الأمريكية، بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف، ووضع خيارات جديدة لإلحاق الضرر بالنظام، خيارات لم تكن متاحة لهم سابقًا. من جهة أخرى، لا يستطيع الإيرانيون فعل الكثير مما فعلوه ويفعلونه، لذا ستستمر الحملة الاقتصادية في إيران، ويستعد كلا الجانبين لاستئناف الحرب العسكرية، لكنهما يبذلان قصارى جهدهما لتجنبها. على أي حال، تشكك إسرائيل في إمكانية إخضاع إيران عبر حرب اقتصادية، وتزعم أن توجيه ضربة قاضية للبنية التحتية الوطنية هو وحده الكفيل بإجبار نظام متطرف كالنظام في طهران على التخلي عن قدراته النووية والحد من قدراته الصاروخية.
——————————————
هآرتس 26/4/2026
الاضرار تتراكم لكن ايران وترامب يتمترسان
بقلم: عاموس هرئيلِ
ما زالت المفاوضات الامريكية – الايرانية متعثرة. التقى رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، امس في اسلام اباد مع وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي، الذي حمل معه رد طهران على الطلبات التي طرحتها الولايات المتحدة في اطار محادثات وقف اطلاق النار. وحتى الان لم يعلن أي شيء بخصوص استئناف المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وايران، بل ان الرئيس دونالد ترامب اعلن بأنه لن يضيع الوقت في ارسال مبعوثين الى باكستان الى حين يظهر الايرانيون مرونة في موقفهم.
في يوم الثلاثاء نشر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو فيديو واصل فيه التفاخر بتغيير وجه الشرق الاوسط (خاصة في ايران). وافاد نتنياهو بـ اجراء “محادثة ممتازة” مع ترامب، واعلن بان الرئيس الامريكي يستخدم ضغوط اقتصادية وعسكرية على ايران، “بالتعاون الكامل” مع اسرائيل. ويشير الجيش الاسرائيلي الى ان منظومة الدفاع الجوي الايرانية تضررت بشدة واصبحت غير قادرة على توفير حماية فعالة ضد الهجمات الجوية المتجددة. وقد اصدر نتنياهو مساء امس اوامره للجيش الاسرائيلي بشن هجوم واسع النطاق في لبنان، ردا على اطلاق حزب الله لعدد كبير نسبيا من الصواريخ والمسيرات.
تشير التحليلات التي اجرتها المؤسسة الامنية الاسرائيلية في الفترة الاخيرة بمختلف اجهزتها، الى ان ترامب يمنح ايران فرصة اخرى للتفاوض ويسعى الى التوصل الى اتفاق، ولكن الفجوة بين الموقف الامريكي الادنى والموقف الايراني الاقصى ما زالت كبيرة. فبعد استنفاد كل المحاولات قد يختار ترامب استئناف القصف، وسيركز في هذه المرة على مواقع البنى التحتية الاستراتيجية في ايران.
يأمل الرئيس ان يعيد الايرانيون النظر في موقفهم وأن يظهروا مرونة بعد استعراض القدرات التدميرية الامريكية والاسرائيلية، لكن كل ذلك قد يستغرق وقت. ويؤكد ترامب في تصريحاته بأنه لا يشعر بضغط الوقت. ولكن الواقع عكس ذلك تماما. فالدعم للحرب في الولايات المتحدة يتراجع، ويخشى الرئيس من الوصول الى انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني، حيث تلقي ازمة الطاقة العالمية بطلالها على اسعار البنزين في محطات الوقود في الولايات المتحدة. ومع ذلك، يبدو انه يحافظ على موقفه حتى الآن.
تبين ان الضغط الاقتصادي المتبادل بين الطرفين – من خلال حصار ايران لمضيق هرمز ورد الولايات المتحدة الذي يوقف حركة الملاحة في جنوب المضيق – يلحق اضرارا جسيمة. وقد لحقت هذه الاضرار بالدرجة الاولى بالاقتصاد الايراني، فضلا عن اسواق الطاقة العالمية، وتاثرت بالتدريج بامدادات المواد الخام الاساسية غير المرتبطة مباشرة بالنفط. ويجبر الحصار الامريكي الايرانيين عن التوقف عن ضخ النفط من الآباء، الامر الذي قد يلحق ضرر بعيد المدى بالبنى التحية.
ويقدر النظام الايراني حجم الاضرار التي لحقت به جراء الحرب حتى الان بحوالي 250 مليار دولار، أي تقريبا ضعف تقديرات وكالة الاستخبارات. ورغم العزيمة التي اظهرها النظام حتى الان في المفاوضات فمن الواضح انه يتراجع تحت وطأة الضغط، وتزداد شدة التوتر بين كبار قادة الحرس الثوري والطبقة السياسية المدنية.
ونشرت “نيويورك تايمز” في نهاية الاسبوع ان مجتبى خامنئي، المرشد الاعلى الجديد، ما زال يختبيء بسبب اصابته، وان التواصل بينه وبين كبار المسؤولين الحكوميين الآخرين متقطع. لم يسمع عنه ولم تتم رؤيته علنا منذ بداية الحرب بعد اصابته في عملية الاغتيال الاسرائيلية التي اودت بحياة والده علي خامنئي وزوجته وابنه. وقد تم بث رسائل باسمه في التلفزيون الايراني عدة مرات. ونقلت الصحيفة عن مصدر ايراني مقرب من النظام قوله ان خامنئي الابن يدير شؤون البلاد بمشاركة محدودة منه في الاحداث، “كرئيس مجلس ادارة والجنرالات اعضاء فيه”. وقد فوضت بعض الصلاحيات لجنرالات الحرس الثوري بسبب حالته الصحية.
حسب التقرير اصيب خامنئي في وجهه وساقه، التي خضعت لثلاث عمليات جراحية، ويبدو انها قد بترت جزئيا. والرئيس مسعود بزشكيان، وهو طبيب قلب، من بين الاطباء المعالجين له. ويمتنع المرشد عن الالتقاء مع كبار القادة خشية الكشف عن مكانه، ويتم التواصل معه عبر رسائل تنقل يدويا بواسطة سلسلة طويلة من الرسل. وقد وصفت المصادر التي تحدثت للصحيفة خامنئي بانه “يتمتع بذهن متقد”، لكنها اضافت انه سيحتاج الى جراحة تجميلية، وانه يتجنب الظهور علنا حتى لا ينظر اليها بانه ضعيف بسبب اصابته الظاهرة.
خداع لا ينتهي
قبل البيان المتعلق بترامب وايران نشر نتنياهو ايضا بيان مطول حول صحته في يوم الثلاثاء الماضي. وكما هي العادة تبين ان رئيس الحكومة وحاشيته اخفوا معلومات عن امراضه عن الجمهور، بل وقدموا عمدا روايات متاخرة وجزئية ومضللة. هذا ليس بالامر المفاجيء. فنتنياهو يواصل التعتيم على الحقائق وخداع المواطنين بشان الانقلاب ومذبحة 7 اكتوبر والحرب التي اندلعت في اعقابها.
لكن البيان الذي نشره يشمل جانب آخر مثير للغضب بشكل خاص. فالمقارنة بين اصابته بسرطان البروستاتا، الذي اعلن عنه بشكل متاخر، والمذبحة المذكورة في الغلاف. كتب نتنياهو في وسائل التواصل الاجتماعية: “انتم تعرفونني جيدا. وعندما احصل على معلومات في الوقت المناسب عن خطر محتمل، اريد علاجه على الفور. هذا ينطبق على الصعيد الوطني والشخصي”.
تعتبر هذه الاقوال جزء من محاولة فاشلة ولكنها مستمرة من قبل نتنياهو ومستشاريه لترسيخ رواية مزيفة في الوعي العام. فهو لم يحذر ابدا مما سيحدث. لو ان الجيش الاسرائيلي وجهاز الشباك قد كلفا انفسهم عناء تنبيه نتنياهو في الليل قبل اقتحام قوات “النخبة” للكيبوتسات ومعسكرات الجيش لكان الوضع مختلف تماما. في الواقع تم تحذير نتنياهو مرارا وتكرارا من كارثة امنية وشيكة في ظل تصميمه على تمرير قانون الانقلاب، والانقسام العميق الذي احدثه في المجتمع الاسرائيلي، والطريقة التي ينظر فيها اعداء اسرائيل اليه. أما بالنسبة لعدم تلقيه أي تنبيه (هذا خطأ بالفعل)، فلا شيء في سلوكه السابق يشير الى انه كان سيتصرف بشكل مختلف عن رئيس الاركان أو رئيس الشباك.
الامر الذي يثير الاستياء ايضا هو المقارنة بين ما وصفه بـ “جرح صغير” وجد على جسده، حسب قوله، بينما هو “الحمد لله بصورة جيدة وفي حالة صحية ممتازة”، وبين حدث فظيع قتل فيه اكثر من 1100 اسرائيلي وتم اختطاف 251 شخص. وقد نشرت هذه الاقوال في ختام اسبوع حافل بفعاليات احياء الذكرى والاستقلال. وظهرت عدة امور اخرى في هذا البيان، ترتبط بنبرة الغموض التي اتسم بها تصريحه الاخير. فقد تجلت هذا الاسبوع بالتحديد جهود نتنياهو لعرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية خلال جلسات الاستماع في المحكمة العليا، وتستر انصاره في المحكمة (الذين ما كان بعضهم ليأتي لولا رغبته)، وحفل اشعال الشعلة الذي هيمنت عليه محاولة اعادة كتابة التاريخ، من خلال المقارنة الفاضحة بين عملية “عنتيبة” واطلاق سراح المخطوفين من غزة الذين عاد العشرات منهم قتلى.
——————————————
هآرتس 26/4/2026
خطة بناء ابراج عملاقة في قلب مدينة القدس، وقرب البلدة القديمة
بقلم: زيفا شترنهل
كانت اضطرابات الحرب فرصة مثالية لتمرير القوانين والقرارات بدون لفت الانظار. ففي خضم الحرب قررت اللجنة اللوائية في القدس عقد اجتماع لمناقشة احد اكثر مشاريع البناء تدميرا، الذي كانت ابراج هولي لاند سيئة الصيت تتقزم امامه، وهي ثلاثة ابراج عملاقة يزيد ارتفاعها عن 45 طابق في مجمع حسبون، وهو احد المناطق التاريخية الحساسة في مركز المدينة وقريب البلدة القديمة، وكان في السابق بملكية عائلة عربية مسيحية.
لم يشارك في الاجتماع الا عدد قليل من اعضاء اللجنة. واكتفت رئيسة اللجنة، شيرا تلمي – بباي، بالمشاركة عبر الزوم. وبسبب ضيق الوقت لم يأت الا عدد قليل من معارضي المشروع. ولكن القائمين على المشروع ملأوا نصف مقاعد قاعة الاجتماعات الصغيرة. في ختام النقاشات ظهر ان هذا المشروع قليل الاهمية ويقع على اطراف المدينة، وليس خطة طموحة يمكن ان توجه ضربة قاضية للهوية الفريدة لمركز المدينة والمشهد الطبيعي التاريخي للقدس.
يمثل مشروع حسبون خرق لكل قيود الارتفاع التي تروج لها بلدية القدس بانفعال، وهو جزء من نهج رئيس البلدية موشيه ليئون ومهندس المدينة يوئيل ايفن، اللذان يحظيان بدعم تلمي بباي واللجنة اللوائية. ولا يقتصر الامر على خرق القيود المفروضة خلال فترة الانتداب، بل يتعداه الى تجاهل الخطط العمرانية التي اعدتها البلدية منذ ذلك الحين، والتي تشمل قيود على ارتفاع 30 طابق، وهي قيود فرضت ايضا على المستوى المحلي والمستوى الوطني.
تركز بلدية القدس على ايجاد حلول للسكن واقامة بنية تحتية للمجمعات التجارية، متجاهلة حقيقة ان هذه المدينة التاريخية التي تشخص اليها انظار العالم، تعتبر وجهة سياحية مهمة، ولها ايضا رمزية سياسية. لقد تلاشت الحساسية والحذر التي كانت متوقعة في المدينة بالضبط في السنوات الاخيرة، الامر الذي ينعكس في الخطة الجديدة التي تهدد بابعادها وموقعها الاشكالي صورة البلدة القديمة، بل وقد تعزز عدوانية دولة اسرائيل.
تشهد القدس نمو متسارع في السنوات الاخيرة، وتعتبر سياسة البلدية بمثابة احتفال للمطورين للعقارات الذين لا يخشون من الضغط على ادارات التخطيط. ناحوم روزنبرغ، صاحب فكرة الخطة، وهو شخص متدين متشدد جاء الى القدس من نيويورك. وقد صرح في السابق بأن “لديه شغف” بالابراج التي يمكن بناءها في المدينة، وهو لا يرى أي فرق بين برج في القدس وبين الابراج في نيويورك أو هونغ كونغ. ومن المرجح ان موشيه ليئون له علاقة جيدة معه، حيث شارك في الاجتماع الذي وافقت فيه اللجنة المحلية على الخطة، وقد جاء للاجتماع بالضبط في اللحظة التي تم فيها اتخاذ قرار رفضها. ومثلما ابلغ مشاركون مندهشون في الاجتماع، فقد اعتبروا تدخله حدث نادر وعدائي وغير متوقع (“ذي ماركر”، 19/3/2025).
يتفاخر روزنبرغر، المعروف بنشاطه، بتخصيص مساحة قيمة للاغراض العامة في الطوابق الاولى في المجمع، والحفاظ على المباني التاريخية. ولكن هذا لا يعتبر عمل خيري، فمقابل 7 آلاف متر مربع مخصصة للاغراض العامة حصل على 165 ألف متر مربع للبناء الخاص، بما في ذلك الاستيلاء على جزء من حديقة عامة. هذا موقف مبالغ فيه يصعب ايجاد تفسير منطقي له، لا سيما في مجمع تاريخي حساس كهذا.
رغم انه استعان بمجموعة معمارية هولندية عالمية الشهرة، “ام.في.آر.دي.في”، لتصميم المشروع الذي سيربح منه ارباح طائلة، يبدو انه لم يدرك ان المشاريع التي منحت هذه المجموعة شهرتها لا تتناسب مع مدينة تاريخية مثل القدس. ان هوس التصميم الذي يميز اعمال المجموعة يزيد الانطباع الذي تخلفه الابراج العملاقة وغرابتها عن محيطها وعن اللغة المقدسية المنضبطة.
لا جدال في اهمية اعادة احياء وتجديد مركز المدينة. ولكن الثمن الباهظ للدفع قدما بخطة بناء ضخمة في منطقة تاريخية حساسة كهذه، تبعد كيلومتر واحد فقط عن البلدة القديمة، مع اعطاء اهتمام قليل وسطحي للحفاظ على التراث القائم وتطويره، ناهيك عن تجاهل نماذج عالمية ناجحة في دمج التقدم مع التاريخ، يثير التساؤل حول جودة التخطيط في القدس والآلية التي تعتمد عليها الخطط من قبل اللجان المحلية والاقليمية.
ان حقيقة ان مدينة تاريخية بهذه الاهمية تشاهد هستيريا في العمران، تفتقر الى نظام تخطيط وتصميم مناسب ولا توجد فيها اعتبارات خارجية، سمحت لروزنبرغر والمهندسين المعماريين الهولنديين بتقديم خطة ستضعضع ارث تاريخي فريد بشكل لا رجعة عنه. ومثلما حدث في اعقاب بناء ابراج هولي لاند فانه لن تبدأ الاحتجاجات وصراخ الاستياء الا بعد بناء الابراج والكشف عن ابعادها، ولكن في حينه سيكون الوقت قد تأخر.
لا يمكن للمرء الا أن يتكهن ردود الفعل في العالم، حيث تشخص انظار ملايين المؤمنين الى القدس، عندما يتبين ان هذه المدينة التاريخية ستطغى عليها ابراج حسبون وتحجبها غابة الابراج المخطط لها في اماكن اخرى في المدينة. يجدر التفكير ايضا فيما سيكتب في كتب التاريخ عن دولة اسرائيل، التي فشلت في الحفاظ على هذا الكنز الثمين الذي تم ايداعه لديها من اجل الاجيال القادمة.
——————————————
يديعوت أحرونوت 2/4/2026
عجز صانعي القرار في إسرائيل وأمريكا على التعلم من إخفاقاتهم السابقة
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
تُعدّ حرب “زئير الأسد” تجربة استراتيجية غير مسبوقة، ترتكز على الطموح لتغيير الواقع من خلال مزيج من استخدام القوة العسكرية الخارجية، عبر غارات جوية على المؤسسات الحكومية والعسكرية، و”قطع رؤوس” قيادة العدو دون أي عمل بري، وتشجيع الاضطرابات الداخلية (المبنية على شعور عميق بالاغتراب)، باستخدام جماعات مهمشة، كما تجلى في محاولة استفزاز الأكراد للتحرك ضد النظام في طهران.
بعد شهرين، يبدو أن الخطة قد فشلت. صحيح أن النظام الإسلامي تلقى ضربات غير مسبوقة، لكنه لم ينهار، بل خاض قتالًا عنيدًا تُوّج بمحادثات وقف إطلاق النار، والتزم الشعب الإيراني الصمت. رغم أن التجربة كانت غير مسبوقة، إلا أنها احتوت على عناصر ظهرت في الماضي ولكن لم يتم استيعابها، مما أدى إلى استمرار قصور فهم منطق العدو غير الغربي، إلى جانب مزيج من التمني والتقدير.
إن دراسة معمقة لتاريخنا وتاريخ الأمريكيين، القديم والحديث، إلى جانب رفض الشعارات والأوهام، والاستعداد للاستماع إلى النقد والآراء الأخرى (وهو ما كان ينبغي أن يكون درسًا أساسيًا من فشل السابع من أكتوبر)، كان من شأنه أن يُبرز مدى استبعاد قدرة قوة غير مسلمة، وخاصة أمريكية أو إسرائيلية، على تغيير الواقع والوعي في الشرق الأوسط تغييرًا جذريًا، فضلًا عن استخدام القوة. هذا هو الدرس المستفاد من حرب لبنان الأولى، ومن الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وكذلك من الحملة التي تشنها إسرائيل في غزة منذ السابع من أكتوبر. إن القوتين اللتين أدارتا معركة “زئير الأسد”، بتعاون غير مسبوق بينهما، يُنظر إليهما دائمًا في نظر المنطقة على أنهما عدوتان وغريبتان، بدلًا من كونهما بشرى للتحرر والازدهار.
إن الفشل في تحقيق هدف إسقاط النظام يعكس ثمن غياب تحقيق شامل في إخفاقات الماضي، التي ما زالت قائمة وتظهر مجدداً في ثغرات جديدة. لم يُجرَ تحقيق معمق في الصدمة التأسيسية لأحداث 7 أكتوبر، والمفهوم الذي يقوم عليه، وربما تشير الأحداث الصعبة التي شهدتها جلسات المحكمة العليا الأسبوع الماضي إلى أن احتمالية إجراء تحقيق جاد تتضاءل تدريجياً، مع مرور الوقت وما يجلبه من نسيان وانتشار روايات مبتذلة، ويرجع ذلك أساساً إلى أن النقاش أصبح مملاً ومُشبعاً بالانفعالات المُثيرة للانقسام.
ويتجلى غياب الفهم العميق للعناصر المتزمتة التي تُفضل تحقيق أهدافها الأيديولوجية حتى لو كان الثمن باهظاً، والمستعدة لحملات طويلة وشاقة، والتي تتجنب الاستسلام، في مفهوم استخدام التسوية الاقتصادية، ويتكرر هذا الأمر في الحملات ضد إيران وحزب الله (التي فاجأت إسرائيل بشدة تدخلها وعزمها). إن التوق إلى نتيجة حاسمة، والاعتقاد بأن “الهزيمة” ستطيح بالعدو، وأنه يمكن تجريده من قوته، بل وحتى من أيديولوجيته المتطرفة (كما زُعم أحيانًا بشأن حزب الله وحماس)، يُظهر أن صانعي القرار الإسرائيليين والأمريكيين عاجزون، أو غير راغبين، في التعلم من إخفاقات الماضي.
وكما هو الحال في غزة، كذلك في إيران، يمتزج وصف الواقع بالأماني، كالشعور بوجود انقسام في القيادة الإيرانية، وتراجع دوافع العدو، ووجود ارتباك عميق داخله. غالبًا ما تنتهي هذه التطلعات باكتشافات محبطة، مفادها أن العدو أكثر تصميمًا وثباتًا مما كان مأمولًا أو مُقدَّرًا. مع ذلك، فإن “ذاكرة السمكة الذهبية” الجماعية في إسرائيل، والخلط الضار بين الدوافع السياسية والرؤى الأيديولوجية في التحليل المهني، والنفور المرضي من البحث عن الحقيقة، كلها عوامل تُعيد إحياء تلك المعتقدات الضارة. من المأمول في هذا السياق ألا تكون الموارد التي استُثمرت في الحملة ضد إيران في تقويض النظام دون جدوى قد سُرقت من تلك المخصصة لمواجهة التهديدات النووية والصاروخية، الأمر الذي يترك علامة استفهام حول القضاء “المطلق” عليها.
لقد انعكس غياب التعلم من الماضي ً بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول أيضا: الإيمان بإمكانية تطويع الأيديولوجيا عبر الاقتصاد (على سبيل المثال، مشروع صندوق التنمية الانساني الفاشل في غزة)، وتشكيل الوعي بروح نزع التطرف، وتشكيل الواقع من خلال جماعات هامشية، وأحياناً مشكوك في نزاهتها، كالميليشيات في غزة. أدى الإدمان على استخدام القوة، والازدراء بالدعوة إلى تطوير “خطة سياسية” واستراتيجية، والاعتماد المفرط على صور الحرب العالمية الثانية (“نحن مثل تشرشل” و”العدو هو النازيون”)، إلى خلق اعتقاد بإمكانية تحقيق تقدم نحو شرق أوسط جديد يُستأصل فيه المتطرفون، ويحكم فيه المعتدلون، وتُعقد فيه تحالفات قوية مع إسرائيل.
لم تنتهِ حملة “زئير الأسد” فعلياً، لكن الثغرات العديدة التي ظهرت حتى الآن تُظهر ضرورة قول الحقيقة حتى وإن لم تكن مُبهرة، والتحقيق في الإخفاقات، والاستماع إلى آراء أخرى بين صُنّاع القرار السياسي والأمني (على سبيل المثال، من غير الواضح ما إذا كان هناك من عارض فكرة إسقاط النظام في المناقشات التي سبقت الحملة)، وإجراء حوارٍ صريح بين القيادة والجمهور يُرسّخ الثقة ويمنع خيبة الأمل. في هذا السياق، من الضروري توضيح أنه لا يوجد شرق أوسط جديد في متناول اليد، وأن العدو لا يختفي حتى بعد الضربات القاسية، وأن الحملة ضده رحلة طويلة، وأن وعي شعوب المنطقة لا يُمكن هندسته، وأن التغيير في صفوف العدو – إن حدث – سيأتي من الداخل، وحتى حينها، لا يُضمن بالضرورة أن يُفضي إلى واقع أفضل.
لا ينبغي أن يقتصر واجب التحقيق والمراجعة الذاتية على صُنّاع القرار السياسي والأمني فحسب، بل يجب أن يشمل أيضاً وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية التي تُمثّل الخطاب العام. فقد أظهر فشل أحداث السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها أن هدف وسائل الإعلام ليس أن تكون مجرد منصة أو فرقة تأييد للقيادة، مع تعزيز نزعة “الانبساط”، بل أن تنتقد المعلومات والتقييمات والمذاهب المهيمنة وتشكك فيها. وتشير حرب “زئير الأسد”، ولا سيما صدى هدف إسقاط النظام الإيراني دون أدنى شك، إلى أنه حتى في أوساط الإعلام والأوساط الأكاديمية، لم يحدث أي تصحيح جذري بعد أحداث السابع من أكتوبر، ولم يتعمق فهم الدور الذي ينبغي أن تضطلع به هذه الوسائل ضمن إطار حوار يدور في المجتمعات المنفتحة حول القضايا الاستراتيجية.
——————————————
إسرائيل اليوم 26/4/2026
هل سينقذ ترامب النظام الايراني
بقلم: البروفيسور ايال زيسر
الإعلان عن وقف النار الذي أدى حاليا الى انهاء حملة “زئير الأسد”، استقبل في إسرائيل وفي أوساط واسعة في الولايات المتحدة أيضا باحساس من الامتعاض. النظام الإيراني لم ينهار مثلما املوا في واشنطن وفي القدس، بل واصل امطارنا بالصواريخ، وحسب كل المؤشرات – كمية الصواريخ التي بقيت لديه كفيلة بان تكفي لاسابيع قتالية أخرى كثيرة. صحيح أن النار كفيلة بان تستأنف في كل لحظة، لكن يبدو أن الإدارة الامريكية تتجه نحو الوصول الى اتفاق دائم يضع حدا للحرب.
لا غرو أنه ما ان توقفت النار حتى سارع الإيرانيون للإعلان عن النصر، وللحقيقة، فانهم يتحدثون ويتصرفون كمن كانت يدهم هي العليا في المواجهة. ان أرادوا، يبعثون بممثليهم الى المفاوضات مع الولايات المتحدة. وان أرادوا – يقاطعون المحادثات. ان حقيقة أنهم يبقون العالم رهينة من خلال اغلاق مضيق هرمز هي مثال آخر على ذلك مثلما هي ايضا حقيقة انهم نجحوا في اجبار الولايات المتحدة على أن تفرض على إسرائيل وقف نار في لبنان، واثبتوا بذلك انهم أصحاب الشأن في لبنان أيضا.
ان حقيقة أن الانترنت في ايران لا تزال مقطوعة، وتكاد لا تكون صور او معطيات عن مدى الدمار الذي لحق بالقدرات العسكرية والبنى التحتية في الدولة، تسهل على الإيرانيين عرض المواجهة معهم كانجاز. وهكذا يفعل أيضا حزب الله في لبنان الذي نجح بمعونة ايران بإعادة الزمن الى الوراء وفرض قيود على قدرة عمل إسرائيل في هذه الدولة، لم تكن قائمة قبل أن يبدأ الحرب.
لكن حسب القاعدة المتبعة في منطقتنا، وبموجبها اذا ما بقيت على قيد الحياة في نهاية المعارك فانك المنتصر، دون صلة بالاضرار والخسائر التي تكبدتها – احتفال النصر في طهران ليس سوى ذر للرماد في العيون في دولة مفلسة تقف امام الهوة، وبالتأكيد هوة اقتصادية.
الى جولة المواجهة الحالية دخل النظام الإيراني مرضوضا وضعيفا اكثر من أي وقت مضى. في السنة الأخيرة علقت ايران في أزمة اقتصادية حادة، قد تكون هي الأصعب التي شهدتها، وادى هذا الى نشوب احتجاج غير مسبوق، في ذروته هدد استقرار نظام آيات الله بل وربما مجرد وجوده. فالعملة الإيرانية، الريال، فقدت نحو 90 في المئة من قيمتها، التضخم المالي ناطح السحاب، وملايين الإيرانيين الذين متوسط أجرهم هو نحو 120 دولار في الشهر اصبحوا معوزين من كل شيء.
لكن عندما يكون مسؤولو النظام فاسدين وعاجزين، وربع الميزانية توجه لبناء الصواريخ وتطوير قدرات نووية وبالتأكيد لتمويل فروع ايران في العراق، في اليمن وفي لبنان – فلا غرو أنه لا يوجد مال لتخفيف ازمة سكان ايران او لحل المشاكل الأساسية للدولة، مثل النقص الخطير في المياه او انقطاع الكهرباء لساعات عديدة في كل المدن الإيرانية.
والان جاءت الحرب الأخيرة، وحسب التقديرات الحقت بالاقتصاد الإيراني اضرارا بمدى نحو تريليون دولار. مثلا الضربة الإسرائيلية للمصانع البتروكيماوية ولمصانع الحديد والفولاذ هي ضربة محملة بالمصاعب، وتؤدي الى شلل اقتصاد الدولة وفرع البناء. الى هذا ينبغي ان يضاف الحصار الأمريكي على ايران الذي تبلغ كلفته على الإيرانيين نحو نصف مليار دولار كل يوم.
هذا الواقع يهدد بابعاد اكثر من 10 مليون إيراني عن سوق العمل وتحويلهم الى عاطلين عن العمل، لكن أيضا لكل الباقين سيصعب على النظام في طهران ان يدفع الرواتب ويضمن الاحتياجات الأساسية في المحلات التجارية. فكيف سيمول اعمال الاعمار لما دمر – سيصعب علينا ان نعرف.
النظام الإيراني يلعب على الوقت، ومثل لاعب بوكر بقي بلا أوراق – يراهن على ان خصمه، الرئيس ترامب، ليس واعيا للوضع الصعب في ايران وبالتالي لا يزال معنيا بالوصول مع ايات الله الى اتفاق. يتصرف الايرانيون كمن هم غير معنيين بمثل هذا الاتفاق، لكن للحقيقة – هم يحلمون به. فهو سيؤدي الى رفع العقوبات عن ايران والى ضخ مليارات عديدة من الدولارات الى صندوقها الفارغ.
ان النظام لا يسقط في لحظة، وكي تنضج السياقات العميقة في ايران – مطلوب وقت. سيكون ضحك للمصير اذا كان في هذه اللحظة من الازمة الوجودية للنظام في ايران – سيكون الرئيس ترامب هو من يمد له حبل النجاة.
——————————————
هآرتس 26/4/2026،
القوة العسكرية وحدها لا تكفي للاطاحة بنظام حماس، الامر يتطلب شرعية شعبية
بقلم: جاكي خوري
في الاسبوع الماضي كثفت المليشيات في قطاع غزة، المدعومة من قبل اسرائيل، نشاطاتها، واصدرت بيانات عدائية تهدف الى تصوير نفسها كبديل أمني لحماس. وقد أدى ذلك، ضمن امور اخرى، الى تصاعد شدة الاشتباكات العنيفة بين المليشيات وقوات حماس. وقد اعاد تصاعد وتيرة الاحداث الامنية، اضافة الى المازق الذي وصلت اليه المفاوضات بين اسرائيل وبين حماس والوسطاء، تم طرح السؤال الاكثر اثارة للقلق حول الوضع في القطاع: من الذي سيسيطر عليه بعد رحيل حماس؟.
في احد الاشتباكات دخلت ثلاث سيارات تقل حوالي 20 مسلح، برفقة طائرات مسيرة، الى خانيونس. في البداية اعتقد الناس انه نزاع محلي، لكن بسرعة تبين أنها عملية منظمة. وزع المسلحون الطعام والسجائر على المدنيين، في حين اعتبر ذلك كحشد للدعم، أو على النقيض، محاولة لاستخدامهم كدروع بشرية. اعلن المسلحون انهم لا يستهدفون المدنيين، بل حماس، ونشروا افلام فيديو زعموا انها تظهر استقبال ايجابي. وردا على ذلك، حسب تقارير من قطاع غزة، اطلقت قوات حماس النار على المسلحين، بل واطلقت صاروخ مضاد للدروع على احدى السيارات، واصيب عدد من المسلحين في حين انسحب الآخرون. بعد ذلك افادت التقارير ان طائرة اسرائيلية هاجمت احدى السيارات في خطوة تم تفسيرها بانها محاولة لاخفاء آثار المليشيا.
تعرف هذه الجماعات المسلحة في اسرائيل باسم “مليشيا أبو شباب”، نسبة لياسر أبو شباب، مؤسس مليشيا “القوات الشعبية”، الذي قتل في كانون الاول الماضي. وتنشط هذه الجماعات بشكل رئيسي في المناطق القريبة من الخط الاصفر في شرق رفح وجنوب غزة، ومن ابرز قادتها غسان الدهيني، الذي حسب تقارير اعلام فلسطينية، استبدل أبو شباب في قيادة “القوات الشعبية”. وقد قدم نفسه في الشبكات الاجتماعية بصفته رئيس “جهاز مكافحة الارهاب الفلسطيني”، بل واعلن بأنه بسبب رفض حماس نزع سلاحها فان القوات التابعة له تنوي شن عملية ضد الحكومة. وبحسبه فان “الاستجابة لصرخات المظلومين وتحريرهم من قبضة الارهاب هي مسؤولية انسانية”.
تشير التقديرات الفلسطينية الى أن “القوات الشعبية” تشمل مئات المقاتلين، وتعتبر ابرز المليشيات في قطاع غزة. وحسب مصادر فلسطينية، فان اسرائيل تقدم، في اطار السعي الى خلق بدائل محلية لحكم حماس، الدعم اللوجستي والسلاح لهذه المليشيا. وتؤكد مصادر في حماس، تحدثت مع “هآرتس”، على ان “القوات الشعبية” تخدم المصالح الاسرائيلية، نظرا لعدم ارتباطها بالسلطة الفلسطينية أو أي قوة دولية، واعتمادها الكامل على اسرائيل. اضافة الى “القوات الشعبية” توجد تنظيمات مسلحة اخرى في قطاع غزة، منظمة على اساس قبلي وهي تعمل بشكل غير منظم، لا سيما في جنوب القطاع. احيانا تقوم بمهمات امنية ومرافقة القوافل، واحيانا تشارك في اشتباكات محلية.
بالتوازي مع تصريحاته، ورغم نزعة الدهيني المسلحة، افادت مصادر تابعة لحماس بان الحركة تمكنت من احباط محاولات تسلل مسلحين الى مناطق تسيطر عليها في خانيونس ورفح، واضرت بعدد من نشطاء “القوات الشعبية”. لم تندلع هذه المواجهات بمعزل عن الواقع. ففي ظل جمود المفاوضات في القاهرة، تسعى الفصائل المسلحة في قطاع غزة الى اثبات القدرة على ملء “الفراغ الامني” في القطاع، لتصبح بذلك لاعب رئيسي في النقاشات حول مستقبله. أما السلطة الفلسطينية من ناحيتها فهي تفتقر الى نفوذ حقيقي على الارض، ولم تتبلور بعد فكرة ارسال قوة دولية الى قطاع غزة.
مع ذلك، في قطاع غزة نفسه لا تلقى رسائل الدهيني وامثاله قبول واسع، حتى في اوساط غير المنتمين لحماس. وقال ناشط مخضرم في حركة فتح، يقيم في مدينة غزة، لـ “هآرتس”: “يوجد فرق بين الشعارات وبين الواقع على الارض”. وحسب قوله فان الجماعات تنشط بشكل رئيسي على اطراف قطاع غزة، حيث تطلق النار بشكل عشوائي وتنفذ احيانا عمليات ترهيب، لكنها عاجزة حاليا عن بسط سيطرتها الفعلية. وقال: “بدون الدعم من الجو، الذي تحصل عليه احيانا من اسرائيل، لا يمكنها الدخول عميقا في القطاع، وقد ثبت ذلك بالفعل في عدة احداث”.
رغم الانتقادات الشديدة الموجهة لحماس وخيبة الامل الكبيرة منها، يبدو ان معظم سكان غزة لا يعتبرون هذه المنظمات المسلحة البديل الشرعي للحكومة، بل ان كثيرين يظهرون سعادتهم بالحاق الاذى بنشطاء هذه الجماعات. وقال احد سكان غزة، وهو مسؤول سابق في السلطة الفلسطينية: “الشعور السائد هو ان هؤلاء متعاونين مع اسرائيل. من يبيع نفسه لاسرائيل لا يمكنه ان يكون قائد للشعب الفلسطيني، وبالتاكيد ليس في قطاع غزة”.
حسب قوله، حتى لو اعتبرت جهات اقليمية أو دولية هذه الجماعات حل محتمل لما بعد الحرب في القطاع، فان الفجوة بين النظرية والواقع كبيرة، ويكمن جوهرها في مسالة شرعية هذه المليشيات. فخلافا للجماعات المسلحة التي ينظر اليها ككيانات اجنبية وليس لها قاعدة شعبية، فان حماس تمتلك بنية تنظيمية واجتماعية وحكومية واسعة. وكما اشار مصدر رفيع في جهاز الامن الفلسطيني في رام الله فان حماس والفصائل الاخرى لديها خبرة كبيرة في ادارة المنظومات الامنية. في المقابل، يعمل نشطاء المليشيات بطريقة غير منظمة، واحيانا كمرتزقة، ويعتمدون بشكل كبير على الدعم الخارجي.
يخشى سكان غزة من توسع نشاطات الجماعات المسلحة في المستقبل القريب، وبينما قد تساهم هذه المليشيات في اضعاف حماس من الداخل، يخشى المواطنون ان تشعل نشاطاتها صراع واسع النطاق ويتحول الى حرب اهلية. مع ذلك ترجح مصادر محلية بان حرب شاملة غير مرجحة، بل ستقتصر على احداث متفرقة مثلما هي الحال الآن في جنوب قطاع غزة.
يبدو حتى الان ان الجماعات المسلحة لم تنجح حتى الان في بسط سيطرتها الفعلية على الارض. مع ذلك، هذا لا يشير الى تراجع قوتها أو انخفاض دوافعها. فطالما انه لا يتم التوصل الى حل سياسي واضح، وبقيت مسالة السلاح في قطاع غزة مفتوحة، فمن المرجح ان تستمر محاولات تحدي حماس، بل ربما تزداد شدة. وطالما استمرت المليشيات في العمل بين حين وآخر، ولم تسلم حماس سلاحها، فانه لن يكون من المحتمل ترسيخ سلطة بديلة في قطاع غزة، سواء كانت فلسطينية أو عربية أو دولية، وهو الامر الذي يخدم مصالح اسرائيل. ويظهر الوضع على الارض بان القوة العسكرية وحدها لا تكفي للاطاحة بنظام حماس، وبدون شرعية شعبية واسعة فانه يتوقع ان تواجه أي محاولة لانشاء قيادة بديلة للحركة في غزة مقاومة شديدة حتى من معارضيها.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/4/2026
يختلف الإسرائيليون حول ضرورة التحقيق في هجمات 7 أكتوبر
بقلم: تساحي هنغبي
المواجهة الصادمة التي جرت في قاعة المحكمة العليا قبل أيام، والتي أبرزت عمق الانقسام الداخلي حتى بين عائلات الضحايا، تُعدّ بمثابة جرس إنذار صارخ للمجتمع الإسرائيلي. بعد عامين ونصف من الصراعات الداخلية، وقبل حملة انتخابية مضطربة ومصيرية، حان الوقت لتسوية وطنية بشأن قضية التحقيق في هجمات 7 أكتوبر. بإمكان قادة إسرائيل، من الائتلاف والمعارضة على حد سواء، الآن إنهاء الخلاف الذي قد يُدمّرنا جميعًا بالاتفاق.
يُؤيّد الرأي العام الدعوة إلى تحقيق جوهري ومهني ومستقل يُقلّل من خطر وقوع كارثة مماثلة في المستقبل. لا ينقسم المواطنون الإسرائيليون حول ضرورة إجراء تحقيق نزيه، بل حول هوية المحققين. يتفق الرأي العام على رغبته في ضمان عدم إسناد سلطة التحقيق إلى جهات ذات مصالح، قد تُسيء استخدامها على حساب كشف الحقيقة.
وهنا يكمن الانقسام: فمنهم من يخشى أن يُحابي المحققون الذين تُعيّنهم الحكومة اولئك الذين عيّنوهم. ومن جهة أخرى، يخشى من أن يُرجّح المحققون الذين يُعيّنهم رئيس المحكمة العليا الكفة ضد الحكومة، في ظل صراعها المستمر مع القضاء منذ سنوات. لم تُقرّبنا سنوات من الخلافات من أرضية مشتركة يُمكن للطرفين التوفيق بينها، بل زادت من حدة الخلافات. يسعى البعض، عبر أغلبية برلمانية، إلى تشكيل لجنة خاصة من السياسيين تُكمّم أفواه بعضهم بعضًا؛ بينما يلتمس آخرون من المحكمة العليا إصدار حكم متحيز لا يُسهم في تعزيز ثقة الجمهور في العملية ونتائجها.
لقد تسبب طول فترة النقاشات غير المثمرة بألمٍ كبير، ولكن على الأقل نتج عنها نتيجة إيجابية واحدة: بات من الواضح الآن أن الكنيست الجديد، الذي سيُعرب عن ثقته بالحكومة المقبلة، سيُنتخب بمعزل عن نتائج التحقيق، حتى وإن بدأ غدًا صباحًا. وحده الشعب هو من سيُقرر مصير الحكومة، وسيُستكمل التحقيق خلال سنوات ولن يؤثر على نتائج الانتخابات القادمة. لقد زال الخوف المشروع لدى الحكومة ومعارضيها من أن تشكيل اللجنة سيُملي نتائج التحقيق، وأن هذه النتائج ستُملي بدورها مستقبل النظام السياسي.
الآن يمكننا العودة إلى المبادرة التي حاول رئيس الدولة الترويج لها سابقًا، إلى أن قضى عليها الشك المتبادل. نصّ اقتراح الرئيس على أن تُكلّف الحكومة رئيس المحكمة العليا عميت ونائبة الرئيس سولبرغ بصياغة اقتراح متفق عليه لتشكيل اللجنة. لن يترأساها، بل سيقترحان معًا رئيسًا مناسبًا ومقبولًا، سبق له العمل قاضيًا في المحكمة العليا أو قاضيًا في محكمة مركزية، وفقًا لما يقتضيه القانون؛ وعضوين آخرين يتمتعان بنزاهة واسعة ولم يُبديا موقفًا علنيًا في النزاعات التي مزّقتنا منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر.
يوجد عدد لا بأس به من الإسرائيليين ذوي الخبرة والاحترام، واختيارهم سيعزز ثقة الجمهور في الاستنتاجات والتوصيات التي ستنشرها اللجنة عند صدورها. كما تستحق عائلات الضحايا وعائلات المختطفين أن تتوقف هذه القضية المهمة عن تعذيبهم. الحكومة مخوّلة قانونًا بتحديد القضية التي ستخضع للتحقيق، ومن المناسب أن تُمارس هذه الصلاحية أيضًا بالتشاور مع رئيس المحكمة العليا ونائبه. ينبغي إضافة بنود أخرى إلى هذه الفكرة: حتى موعد الانتخابات، ستعمل اللجنة على جمع كافة المواد اللازمة لمداولاتها. ولن تبدأ عملية استدعاء الشهود للإدلاء بشهادتهم أمام اللجنة إلا بعد أداء الحكومة الجديدة اليمين الدستورية.
يمكن للممثلين المفوضين لقادة الائتلاف وقادة المعارضة الاجتماع في مقر إقامة الرئيس وإصدار وثيقة اتفاقات بهذا الشأن، أو بأي صيغة يتم الاتفاق عليها. إن تأجيل البت في هذه المسألة إلى ما بعد الانتخابات، كما أشارت إليه الجلسة الأخيرة في المحكمة العليا، لن يؤدي إلا إلى استمرار هذا النزاع المؤلم لسنوات قادمة.
إذا استعادت الحكومة ثقة الشعب، فستحصل على الدعم اللازم لتشكيل لجنة في تل أبيب، وسيرفض جزء كبير من الجمهور استنتاجاتها رفضًا قاطعًا. أما إذا شكلت المعارضة الحالية الحكومة، فسوف ينتقد باقي الشعب لجنة التحقيق التي ستشكلها، وسيجد صعوبة في تقبّل نتائجها.
لا شك أن هناك العديد من الخلافات الحقيقية التي ستكون محور الانتخابات المقبلة، والتي لا يملك القرار فيها إلا الناخب. ويمكن الآن حل مسألة تشكيل لجنة التحقيق بحسن النية والمنطق، وإزالتها نهائياً من جدول الأعمال.
——————————————
معاريف 26/4/2026
بانتظار واشنطن
بقلم: افي اشكنازي
المستوى السياسي مشلول ولا ينجح في إدارة القتال في الساحات المختلفة: لبنان، غزة وايران ويبدو أن من يقرر الان الخطوات من جانب واحد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن جانب آخر نظام آيات الله في ايران. فقد أصدر ترامب أمرا لإسرائيل بوقف الهجمات في لبنان، وبالتوازي يغض النظر عن خروقات حماس في غزة التي لا تعتزم حاليا السير على الخط مع خطة النقاط الامريكية لاعمار غزة، نزع سلاحها وعدم استمرار حكمها. في ساحات ايران أيضا يبدو أنه لم يعد لإسرائيل في هذه اللحظة ما تقوله وبخاصة حين يكون الإيرانيون هم الموجهون المهنيون لحزب الله في لبنان ولحماس في غزة.
التصعيد في الأيام الأخيرة في الساحتين هو نتاج توجيه إيراني مقابل الضعف الإسرائيلي – الأمريكي. يعمل الجيش الإسرائيلي في هذه اللحظة مع اياد مقيدة. واحباط القادة العسكريين في الجيش الإسرائيلي من إدارة المعركة من جانب المستوى السياسي هو احباط كبير. وبانعدام البديل في الجيش الإسرائيلي يحاولون ان يقوموا بما هو مسموح لهم القيام به حاليا.
يعتزم الجيش الإسرائيلي تنفيذ عشرات الاعمال القوية في داخل الخط الأصفر في لبنان، اجتياح عشرات القرى والبلدات والاحتكاك مع عشرات او مئات من مخربي حزب الله ممن تبقوا في المنطقة – بعضهم بالمناسبة مقطوعو الاتصال مع قياداتهم في لبنان. وهم يخوضون حاليا خطوات بقاء ومحاولات تملص من قوات الجيش الإسرائيلي.
لقد انتقل حزب الله الى حرب عصابات ضد إسرائيل. في المنطقة التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان يوجد عشرات حتى مئات منصات اطلاق الصواريخ الموجهة الى إسرائيل والى المناطق التي تعمل فيها قوات الجيش الإسرائيلي.
لقد قام حزب الله بعملية مزدوجة في اثناء الحرب. فقد فكك مرابض الاطلاق، والجيش الإسرائيلي يعمل على البحث عن “ابرة في كومة قش”. في نهاية الأسبوع كانت لقوات الجيش الإسرائيلي نجاحات تكتيكية. فقد صفت القوات عشرات المخربين في عدة احداث: ستة مخربين صفاهم المظليون في مبنى في بنت جبيل. وظهر أمس هاجمة قوات فرقة 36 وصفت ثلاثة مخربين كانوا يستقلون تندر مسلح بوسائل قتالية. إضافة الى ذلك، صفي مخرب كان يستقل دراجة نارية جنوب خط الدفاع المتقدم.
وكانت قوات من لواء جولاني لاحظت أمس مخربين مسلحين في مجال الليطاني جنوبي خط الدفاع المتقدم. صفي المخربان في اطار دائرة سلاح الجو بتوجيه من القوات.
صحيح حتى يوم امس توجد للجيش الإسرائيلي سيطرة على معقلين لحزب الله في جنوب لبنان: في بنت جبيل وفي الخيام. اما قرية كيلا امام المطلة فقد دمرت في معظمها. وحسب مصدر عسكري، فجرت قوات الهندسة اقتالية من فرقة (91) 90 في المئة من مباني القرية.
بالتوازي لم يقف حزب الله جانبا. ففي يوم الجمعة اسقط مُسيرة لسلاح الجو من طراز زيك. ويواصل الهجوم على القوات بالصواريخ، المُسيرات وقذائف الهاون. كما أنه يطلق النار نحو خط البلدات المتقدم: زرعيت، شتولا، منيرا، مرجليوت، بسغاف عام، كفار يوفيل وغيرها. ردود فعل الجيش الإسرائيلي حسب مقياس وزير الامن القومي ايتمار بن غفير هي دون المهزلة. بمعنى ان الجيش الإسرائيلي يعثر على عشين – ثلاثة اعشاش تطلق منها النار ويرد عليها بصواريخ من سلاح الجو لتدميرها.
سلاح الجو ممنوع في هذه اللحظة من العمل ومن استخدام قدراته في لبنان. معظم قادة حزب الله يقيمون في بيروت، في البقاع اللبناني وفي القرى، البلدات والمدن خارج الخط الأصفر. مثلما في صور وفي صيدا. وطالما توجد مدن لجوء لحزب الله فان إسرائيل يمكنها أن تسجل لنفسها فشلا مدويا.
لا ينبغي لاحد في الشمال ان يوهم نفسه بانه في مثل هذا الوضع سيكون ممكنا تحقيق الهدوء، الامن أو الإحساس بالامن في بلدات الشمال. رغم حالة الطقس المتطرفة في الأيام الأخيرة، فان صورة الوضع في الشمال واضحة: الجيش يغرق في الوحد اللبناني في اعقاب السياسة التي تمليها واشنطن.
المشكلة المقلقة الأخرى هي حقيقة أن حماس ترى من الجنوب التورط الإسرائيلي في لبنان وانعدام القيادة والضعف لدى المستوى السياسي فتستمد من ذلك تشجيعا كبيرا. النتائج هي في الميدان حين ترفع حماس الرأس وفي كل بضع ساعات تتحدى الجيش الإسرائيلي في الخط الأصفر. السؤال هو متى ستلقى الجيش الإسرائيلي الاذن من المستوى السياسي الذي يتلقى الاذن من الرئيس دونالد ترامب في واشنطن ليعلم أيضا حيال ترسب حماس وتجميعها للقوة في غزة.
——————————————
هآرتس 26/4/2026
شرطة الوزير المجرم تعتقل مدرساً جامعياً لرفعه علم فلسطين: “تحريض ضد الدولة”
بقلم: أسرة التحرير
شرطة إسرائيل بعد ثلاث سنوات ونصف من تسلم بن غفير مهام منصبه، تبدو صورة الوضع في شكل ضرب أرقام قياسية في عدد المقتولين الإسرائيليين الذي بات يصل اليوم إلى 105، رقم قياسي يتجاوز الرقم القياسي السلبي للعام 2025. المفتش العام داني ليفي لا يرى ولا يتكلم، يختبئ خوفاً من فشله وخوفاً من بن غفير.
في تل أبيب تعتدي عصابات فتيان على الآخرين، وفقدت كل محافل إنفاذ القانون ومنظمات الرفاه الاجتماعي السيطرة عليه. وفي “بيتح تكفا” قتل فتيان بطعنات شاباً ابن 21 سنة من المدينة بمجرد أنه أبدى لهم ملاحظة بأثر رشهم بالثلج في محل للبيتزا يعمل فيه. الفوضى الإجرامية لا تتوقف، وشرطة إسرائيل غائبة، خانعة، واهنة، وتخون مهامها – وزير مجرم لا يتكبد حتى عناء التطرق لأي من الحالات القاسية وللوضع غير المسبوق في الشوارع.
إن أثر روح بن غفير مواصلة طريق مؤسس حركة كاخ مئير كهانا رأيناه الأسبوع الماضي في مدينة “موديعين”؛ احتج مواطن على جرأة د. أليكس سنكلر من الجامعة العبرية على الجلوس بمقهى في مدينة سكنه فيما كان يعتمر “كيبا” نسج عليها علم فلسطين إلى جانب علم الدولة. فقد استدعى المواطن الشرطة التي وصل رجالها إلى المكان بسرعة فائقة بعد أقل من خمس دقائق. لم تفكر شرطية الدورية مرتين، قررت إيقاف د. سنكلر. وفي إطار ذلك، صرخت عليه، على حد قوله بأنه “لا توجد فلسطين كهذه” وأن “الكيبا” التي على رأسه تشكل “تحريضاً ضد الدولة”، ليس أقل. أدخلوا سنكلر إلى سيارة الدورية وكأنه آخر المجرمين، وزجوه في زنزانة اعتقال في محطة الشرطة. وفي النهاية، اكتشف بأن شرطة المحطة قرروا قص “الكيبا” خاصته ونزع علم فلسطين عنها.
لو حصل شيء مشابه في أي دولة أخرى، لأغرقت إسرائيلَ صرخات عن اللاسامية واضطهاد اليهود، بما فيها من مكتب رئيس الوزراء. هذا جنون: أفراد الشرطة يقررون قص رموز دينية مثل “الكيبا” ويضعون أناساً أبرياء في زنازين الاعتقال. كهانا حي، ويَعتقِل.
لا يدور الحديث عن “تفكر مغلوط” كما تقول الشرطة، بل سياسة مقصودة يفرضها بن غفير على الشرطة، عبر المفتش العام وقادة الألوية وحتى آخر أفراد الشرطة: روح “عظمة يهودية” وكهانية وتطرف إلى جانب رغبة شديدة لإرضاء المستوى السياسي. ليس صدفة أن كان لقائد اللواء الفاشل ليفي، هدف واحد: منع رفع علم فلسطين كي يتملق لبن غفير، على أن يعين مفتشاً عاماً.
سيكون صعباً على من يحل محل بن غفير إعادة بناء الشرطة. وكي يحصل هذا، فعلى الحكومة الحالية – الأسوأ في تاريخ إسرائيل– أن تسقط وتخلي مكانها لحكومة ترميم وطني.
—————-انتهت النشرة—————–

