بقلم: زيفا شترنهل
كانت اضطرابات الحرب فرصة مثالية لتمرير القوانين والقرارات بدون لفت الانظار. ففي خضم الحرب قررت اللجنة اللوائية في القدس عقد اجتماع لمناقشة احد اكثر مشاريع البناء تدميرا، الذي كانت ابراج هولي لاند سيئة الصيت تتقزم امامه، وهي ثلاثة ابراج عملاقة يزيد ارتفاعها عن 45 طابق في مجمع حسبون، وهو احد المناطق التاريخية الحساسة في مركز المدينة وقريب البلدة القديمة، وكان في السابق بملكية عائلة عربية مسيحية.
لم يشارك في الاجتماع الا عدد قليل من اعضاء اللجنة. واكتفت رئيسة اللجنة، شيرا تلمي – بباي، بالمشاركة عبر الزوم. وبسبب ضيق الوقت لم يأت الا عدد قليل من معارضي المشروع. ولكن القائمين على المشروع ملأوا نصف مقاعد قاعة الاجتماعات الصغيرة. في ختام النقاشات ظهر ان هذا المشروع قليل الاهمية ويقع على اطراف المدينة، وليس خطة طموحة يمكن ان توجه ضربة قاضية للهوية الفريدة لمركز المدينة والمشهد الطبيعي التاريخي للقدس.
يمثل مشروع حسبون خرق لكل قيود الارتفاع التي تروج لها بلدية القدس بانفعال، وهو جزء من نهج رئيس البلدية موشيه ليئون ومهندس المدينة يوئيل ايفن، اللذان يحظيان بدعم تلمي بباي واللجنة اللوائية. ولا يقتصر الامر على خرق القيود المفروضة خلال فترة الانتداب، بل يتعداه الى تجاهل الخطط العمرانية التي اعدتها البلدية منذ ذلك الحين، والتي تشمل قيود على ارتفاع 30 طابق، وهي قيود فرضت ايضا على المستوى المحلي والمستوى الوطني.
تركز بلدية القدس على ايجاد حلول للسكن واقامة بنية تحتية للمجمعات التجارية، متجاهلة حقيقة ان هذه المدينة التاريخية التي تشخص اليها انظار العالم، تعتبر وجهة سياحية مهمة، ولها ايضا رمزية سياسية. لقد تلاشت الحساسية والحذر التي كانت متوقعة في المدينة بالضبط في السنوات الاخيرة، الامر الذي ينعكس في الخطة الجديدة التي تهدد بابعادها وموقعها الاشكالي صورة البلدة القديمة، بل وقد تعزز عدوانية دولة اسرائيل.
تشهد القدس نمو متسارع في السنوات الاخيرة، وتعتبر سياسة البلدية بمثابة احتفال للمطورين للعقارات الذين لا يخشون من الضغط على ادارات التخطيط. ناحوم روزنبرغ، صاحب فكرة الخطة، وهو شخص متدين متشدد جاء الى القدس من نيويورك. وقد صرح في السابق بأن “لديه شغف” بالابراج التي يمكن بناءها في المدينة، وهو لا يرى أي فرق بين برج في القدس وبين الابراج في نيويورك أو هونغ كونغ. ومن المرجح ان موشيه ليئون له علاقة جيدة معه، حيث شارك في الاجتماع الذي وافقت فيه اللجنة المحلية على الخطة، وقد جاء للاجتماع بالضبط في اللحظة التي تم فيها اتخاذ قرار رفضها. ومثلما ابلغ مشاركون مندهشون في الاجتماع، فقد اعتبروا تدخله حدث نادر وعدائي وغير متوقع (“ذي ماركر”، 19/3/2025).
يتفاخر روزنبرغر، المعروف بنشاطه، بتخصيص مساحة قيمة للاغراض العامة في الطوابق الاولى في المجمع، والحفاظ على المباني التاريخية. ولكن هذا لا يعتبر عمل خيري، فمقابل 7 آلاف متر مربع مخصصة للاغراض العامة حصل على 165 ألف متر مربع للبناء الخاص، بما في ذلك الاستيلاء على جزء من حديقة عامة. هذا موقف مبالغ فيه يصعب ايجاد تفسير منطقي له، لا سيما في مجمع تاريخي حساس كهذا.
رغم انه استعان بمجموعة معمارية هولندية عالمية الشهرة، “ام.في.آر.دي.في”، لتصميم المشروع الذي سيربح منه ارباح طائلة، يبدو انه لم يدرك ان المشاريع التي منحت هذه المجموعة شهرتها لا تتناسب مع مدينة تاريخية مثل القدس. ان هوس التصميم الذي يميز اعمال المجموعة يزيد الانطباع الذي تخلفه الابراج العملاقة وغرابتها عن محيطها وعن اللغة المقدسية المنضبطة.
لا جدال في اهمية اعادة احياء وتجديد مركز المدينة. ولكن الثمن الباهظ للدفع قدما بخطة بناء ضخمة في منطقة تاريخية حساسة كهذه، تبعد كيلومتر واحد فقط عن البلدة القديمة، مع اعطاء اهتمام قليل وسطحي للحفاظ على التراث القائم وتطويره، ناهيك عن تجاهل نماذج عالمية ناجحة في دمج التقدم مع التاريخ، يثير التساؤل حول جودة التخطيط في القدس والآلية التي تعتمد عليها الخطط من قبل اللجان المحلية والاقليمية.
ان حقيقة ان مدينة تاريخية بهذه الاهمية تشاهد هستيريا في العمران، تفتقر الى نظام تخطيط وتصميم مناسب ولا توجد فيها اعتبارات خارجية، سمحت لروزنبرغر والمهندسين المعماريين الهولنديين بتقديم خطة ستضعضع ارث تاريخي فريد بشكل لا رجعة عنه. ومثلما حدث في اعقاب بناء ابراج هولي لاند فانه لن تبدأ الاحتجاجات وصراخ الاستياء الا بعد بناء الابراج والكشف عن ابعادها، ولكن في حينه سيكون الوقت قد تأخر.
لا يمكن للمرء الا أن يتكهن ردود الفعل في العالم، حيث تشخص انظار ملايين المؤمنين الى القدس، عندما يتبين ان هذه المدينة التاريخية ستطغى عليها ابراج حسبون وتحجبها غابة الابراج المخطط لها في اماكن اخرى في المدينة. يجدر التفكير ايضا فيما سيكتب في كتب التاريخ عن دولة اسرائيل، التي فشلت في الحفاظ على هذا الكنز الثمين الذي تم ايداعه لديها من اجل الاجيال القادمة.

