صور | ماجدة المصري: السابع من أكتوبر أعاد فلسطين إلى مركز العالم وفضح المشروع الصهيوني أمام البشرية

المسار : في لحظة فلسطينية هي الأكثر دموية وإيلامًا منذ عقود، وبينما يعيش قطاع غزة واحدة من أبشع حروب الإبادة والتجويع والاقتلاع في التاريخ الحديث، يعود السؤال السياسي ليفرض نفسه بقوة: ماذا غيّر السابع من أكتوبر؟ وهل كان مجرد حدث عابر في مسار الصراع، أم نقطة تحول تاريخية أعادت تشكيل القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا؟

من داخل قاعة جمعية “مدرسة الأمهات”، وخلال جلسة استماع بعنوان “الوضع السياسي الحالي ومهام المرحلة”، نظمتها الجمعية بالشراكة مع المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية، قدّمت الرفيقة ماجدة المصري نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، قراءة سياسية معمقة للمشهد الفلسطيني وما أفرزته تداعيات السابع من أكتوبر، مؤكدة أن ما جرى “لم يكن حدثًا عابرًا، بل محطة تاريخية نقلت القضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة بالكامل”.

وقالت المصري إن الحديث عن السابع من أكتوبر لا يمكن فصله عن حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، موضحة أن “ما يقارب 73 ألف شهيد، وأكثر من 173 ألف جريح، إضافة إلى التجويع والتهجير والتنقل من خيمة إلى أخرى، كلها مشاهد تختصر حجم الجريمة التي يرتكبها الاحتلال بحق شعبنا”.

وأضافت أن ما شهده قطاع غزة “يفوق الوصف”، مشيرة إلى أن “العالم كله رأى كيف تحولت غزة إلى ساحة قتل مفتوحة، وكيف يعيش الناس في ظروف لا يحتملها بشر، حتى أصبحنا نسمع عن أطفال تنهشهم الجرذان داخل الخيام”.

وأكدت المصري أن العدوان لم يتوقف عند غزة، بل امتد إلى الضفة الغربية، وخاصة مخيمات شمال الضفة، حيث تتواصل عمليات التدمير والتجريف والتهجير القسري، معتبرة أن الاحتلال “يعيد إنتاج مشهد غزة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، عبر تدمير البنية التحتية واقتلاع المواطنين من بيوتهم”.

ورغم هذا المشهد القاسي، شددت المصري على أن السابع من أكتوبر أحدث تحوّلًا سياسيًا عالميًا غير مسبوق، وقالت: “يجب أن نتذكر دائمًا ماذا كان وضع القضية الفلسطينية قبل السابع من أكتوبر، وماذا أصبحت بعده”. وأوضحت أن القضية الفلسطينية كانت تتجه نحو التهميش الكامل في ظل مشاريع التطبيع والتحالفات الإقليمية، مستذكرة خطاب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة قبل أسابيع من السابع من أكتوبر، عندما رفع خريطة “الشرق الأوسط الجديد” التي “ألغيت منها فلسطين بالكامل”.

وأضافت: “كان الحديث يدور عن تطبيع شامل مع السعودية، وعن شرق أوسط جديد لا مكان فيه لفلسطين، بينما كانت الإدارة الأمريكية تتحدث فقط عن تسهيلات اقتصادية وزيادة تصاريح العمل، دون أي حديث جدي عن دولة فلسطينية أو إنهاء الاحتلال”.

وأكدت المصري أن السابع من أكتوبر “قلب الطاولة على الجميع”، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، موضحة أن “166 دولة في الأمم المتحدة صوتت لصالح الاعتراف بدولة فلسطين، والعالم بدأ من جديد يتحدث عن الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني”.

وقالت إن الاحتلال الإسرائيلي “سقط أخلاقيًا وسياسيًا أمام العالم”، بعدما اكتشفت الشعوب الغربية، وخاصة الطلبة في الجامعات الأمريكية والأوروبية، “أن إسرائيل التي قدمت نفسها كواحة للديمقراطية ليست سوى دولة احتلال وقتل وتدمير”.

وأضافت: “الطلاب في أمريكا وأوروبا بدأوا يسألون عن جذور القضية الفلسطينية، وعن النكبة عام 1948، وعن القرى المدمرة والشعب المهجّر، وهذا تحول تاريخي مهم جدًا في الوعي العالمي”.

وفي حديثها عن الحراك الدولي، أشارت المصري إلى أن مشاهد التضامن العالمي، من المظاهرات الحاشدة إلى أساطيل كسر الحصار، ليست أحداثًا رمزية فقط، بل تعكس “قناعة عالمية متزايدة بعدالة القضية الفلسطينية”. وقالت: “كلما اعتقل الاحتلال نشطاء أسطول الحرية، يعود العالم لإرسال أسطول جديد، وهذا دليل على أن فلسطين أصبحت قضية أحرار العالم”.

كما اعتبرت أن مثول الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية يمثل “بداية مسار محاسبة تاريخي”، مضيفة: “لأول مرة منذ إقامة إسرائيل عام 1948، يتم جرّ قادتها إلى المحاكم الدولية بسبب الجرائم المرتكبة بحق شعبنا”.

وأكدت أن هذه المعركة القانونية والسياسية “لا تتعلق فقط بغزة، بل بكل الجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين منذ النكبة وحتى اليوم”، مشيرة إلى أن “العالم بدأ يرى حقيقة المشروع الصهيوني القائم على الاستيطان والاقتلاع والهيمنة”.

وتوقفت المصري مطولًا عند المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، مؤكدة أن الاحتلال أطلق يد المستوطنين بشكل غير مسبوق، وقالت: “ما يجري اليوم هو تنفيذ عملي لخطة ضم واسعة للضفة الغربية، من الأغوار إلى مسافر يطا وجبال نابلس والخليل، في إطار مشروع إسرائيل الكبرى”.

وأضافت أن هذا المشروع “يحظى بدعم من التحالف بين الصهيونية العالمية والصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة”، معتبرة أن ما يجري في المنطقة “ليس مجرد صراع محلي، بل جزء من مشروع استعماري واسع ترعاه الإمبريالية العالمية”.

وفي معرض حديثها عن التجارب التحررية العالمية، استحضرت المصري الثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية، معتبرة أن الشعب الفلسطيني يخوض اليوم “مخاض تحرر طويلًا ومؤلمًا”، وقالت: “كما انتصرت الشعوب التي قاومت الاستعمار في الجزائر وفيتنام، فإن الشعب الفلسطيني قادر على انتزاع حقوقه رغم كل التضحيات”.

وأكدت تمسكها بالبرنامج الوطني الفلسطيني الذي أُقر عام 1975 وأعيد التأكيد عليه عام 1988، والقائم على حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس.

كما رفضت الطروحات التي تدعو للتخلي عن قرارات الشرعية الدولية، وقالت: “الحديث عن دولة واحدة بصيغته المطروحة اليوم يعني عمليًا التنازل عن حقوق سياسية وقانونية اعترفت بها الشرعية الدولية للشعب الفلسطيني”.

وفي ختام اللقاء، وجهت المصري رسالة مباشرة إلى الشباب الفلسطيني، داعية إلى عدم الوقوع في حالة الإحباط رغم حجم الألم والدمار، مؤكدة أن “الشعوب لا تتحرر دون أثمان باهظة”، وأن ما يحدث اليوم، رغم قسوته، “كشف حقيقة الاحتلال أمام العالم وأسقط الرواية الصهيونية التي حاولت لعقود تزييف الوعي العالمي”.

واختتمت بالقول إن فلسطين، التي حاول الاحتلال شطبها من الخرائط السياسية والجغرافية، “عادت اليوم لتصبح القضية المركزية في العالم”، وإن الدم الفلسطيني، رغم وجعه، “أعاد تعريف الصراع وكشف للعالم كله أن هذا الشعب لا يزال يقاتل من أجل الحرية والكرامة والعدالة”.

Share This Article