الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

يديعوت احرونوت 31/5/2026، 

إسرائيل مكبلة من واشنطن في هجمات شمالي الليطاني

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين 

في الأسبوع الماضي تجسدت نظرية الامن القومي الحديثة لإسرائيل، والتي في أساسها يوجد مكونان: اخذ أراضي من العدو، مثلما تم تجسيد ذلك في اعلان نتنياهو بخصوص التقدم للسيطرة على 70 في المئة من القطاع واجتياز الليطاني، والى جانبها “القتل المتواصل للقيادة العليا للعدو، والتي تمثلت في تصفية اثنين من رؤساء الذراع العسكري لحماس في غزة خلال عشرة أيام، وشخصية رفيعة في سلاح المدفعية التابعة لحزب الله”.

ولكن هذه العمليات لا تغير الواقع ومن باب الأولى لا تقرب هزيمة العدو. حماس هي السيد الواضح في الأراضي الفلسطينية التي يعيش فيها الأغلبية المطلقة من سكان القطاع ولا يوجد في هذه اللحظة إشارات لتفكك الذراع العسكري او لابداء مرونة في قضية نزع السلاح. في لبنان تظهر صورة مشابهة: حزب الله تعافى من الضربات غير المسبوقة التي تكبدها بصورة اسرع مما قدروه في إسرائيل، ويدير قتالا عنيدا وتقريبا لا يتأثر من النقد الداخلي في لبنان ولا يخاف من الحكومة في بيروت.

يجب تحديد اهداف واضحة أو واقعية

تعكس الحملات الجارية نمطا متكررا واشكاليا لم يتم بحثه في الدولة والتي منذ السابع من أكتوبر تشمئز بصورة مبدئية من تحليل إخفاقات الماضي ولهذا السبب فانها تشهدها المرة تلو الأخرى. بعد أن حققت نجاحات مبهرة في كل واحدة من الساحات، تقرر إسرائيل تكرارها دون أن تحدد أهدافا واضحة او مدروسة. الامر الذي يسبب تعقيدا ويتحول الى استنزاف يقلل من إنجازات الماضي ويخلق اضرارا اكثر من النفع.

لقد ظهرت أولى مظاهر ذلك في اذار 2025 عندما عادت إسرائيل الى القتال العنيف لمدة ستة اشهر في غزة والذي انتهى – باوامر من ترامب – بطريقة لم تكن مختلفة جوهريا عما كان يمكن تحقيقه سابقا. فالانجاز الوحيد الذي حققه مؤيدو موجة العودة الى القتال هو “السيطرة على اراضٍ، الامر الذي لم يضعف كما ذكرنا مكانة حماس. والاهم من ذلك ان هذا الإنجاز ليس مضمونا الى الابد، اذ يعتمد بشكل اساسي على موافقة الولايات المتحدة. من جهة أخرى تكبدت إسرائيل خسائر فادحة: فبالاضافة الى عشرات الضحايا تورطت في مشاريع فاشلة وعبثية، ابرزها صندوق غزة “جي.اتش.اف” وتطوير الميلشيات وهكذا تضررت مكانتها الدولية بشدة.

في ايران وفي لبنان يتطور تحد مشابه. الحملة في كلا الساحتين كانت تشبه في البداية حرب الأيام الستة، لكنها تحولت الى استنزاف مليء بعلامات الاستفهام. في لبنان جرت محاولة لتطبيق نموذج مشابه لعملية “الأسهم الشمالية” الناجحة التي وقعت في أوامر عام 2024؛ ولكن بعد ثلاثة اشهر وجدت إسرائيل نفسها تتمرغ في الوحل: تتكبد خسائر في حرب محبطة لا تتأثر من المميد من الكيلومترات التي تم احتلالها أو من تصفية أخرى تم تحقيقها. حيث يداها مكبلتان من قبل واشنطن في كل ما يتعلق بالهجمات شمال الليطاني. في الخلفية يتزايد الخوف من أن تنتهي الحرب بظروف أسوأ من تلك التي كانت سائدة في بدايتها, لا سيما اذا ما قيدت حرية العمل ضد حزب الله كما كانت عليه الحال منذ عملية الاسهم الشمالية حين تعرض حزب الله لهجمات متواصلة ضد رد.

على صعيد ايران، لا بد من اجراء نقاش جاد معمق بعيد عن الشعارات والاعتبارات السياسية، حول جدوى الحملة الأخيرة، الى جانب كل الإنجازات التي حققتها. قد يكون اخراج المواد المخصبة إنجازا كبيرا لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلا حول ما اذا كان من الممكن تحقيقه في المفاوضات (بما في ذلك من خلال اتفاقية 2015 التي انجزها أوباما والغاها ترامب)، وما الذي سيحدث بشأن قضية الصواريخ الباليستية التي اعتبرها نتنياهو بانها تهديد وجودي، والتي من المشكوك فيه ادراجها في الاتفاقية التي يجري صياغتها، فضلا عن وكلاء ايران في الشرق الأوسط، ناهيك عن وهن تغيير النظام وتشجيع الثورة.

 يوجد جانب آخر للعملة

في الخلفية هنالك فهم آخر لا يدركونه في إسرائيل او يخافون من طرحه باستقامة: فضاء العملية غير المسبوقة الحالية والتعاون الرائع مع الولايات المتحدة ينبعان بالأساس من ان ترامب يجلس في هذه اللحظة في البيت الأبيض. ولكن يوجد جانب آخر للعملية: الرئيس الأمريكي تحول فعليا الى صاحب القول الفصل في ما يتعلق بإدارة وانهاء معارك إسرائيل، الامر الذي يعزز صورة المرهون بواشنطن. علاوة على ذلك ترامب نفسه يمكنه تغيير رأيه بسرعة (وقد سبق ان فعل ذلك اكثر من مرة). ومن المرجح الا يتصرف من يخلفونه مثله، حيث في الخلفية يستمر تدهور مكانة إسرائيل في نظر الجمهور الأمريكي.

الحرب نفسها والمختلطة باوهام وتطلعات أيديولوجية (وخاصة بخصوص احتلال اراضٍ) تحول الى “استراتيجية” لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر. دمج الإصرار على عدم التحقيق في الخطأ الأساسي لفشل السابع من أكتوبر والاستخفاف تجاه المطالبة بخطاب انتقادي يضع إسرائيل في دوامة متواصلة من الأخطاء التي تتسبب باضرار اقتصادية متزايدة، حتى وهي تظهر تفوقا وتحقق إنجازات عسكرية. امام الشعار الذي استهدف تبرير معارك الاستنزاف والذي يقول “هذه المرة يجب انهاء العمل وتدمير العدو النازي” – يقف الواقع، والذي في أساسه الفهم العميق بانه لا يمكن “إبادة العدو”. هذا، الى جانب اتفاقات سياسية يتم الدفع بها قدما بايدي ترامب، سواء كانت إسرائيل معنية بها ام لا، ومن المتوقع ان تتضمن ضغطا للانسحاب من الأراضي التي احتلت في لبنان وفي سوريا وكذلك في غزة.

من المهم تحديد ما يعتبر إنجازا استراتيجيا (وواقعيا) من وجهة نظر إسرائيل في الساحات الثلاثة: اخراج المواد المخصبة من ايران، وتطهير جنوب لبنان من تهديدات حزب الله، وسيطرة جهات غير حماس على محور فيلادلفيا، الى جانب الحفاظ قدر الإمكان على مجال عملياتي في الساحة الشمالية وفي غزة. هذا ليس حسما، وسيكون مطلوبا مواصلة الاستعداد لمزيد من المواجهات في المستقبل، ولكن تحقيق هذه ا لانجازات هو افضل في هذه اللحظة من استنزاف مبني على وعد متآكل يقول اننا نقترب طوال الوقت من “النصر المطلق”.

——————————————

معاريف 31/5/2026 

سلم ترامب بشأن إيران قد يتحول إلى فخ لنتنياهو

بقلم: آنا برسكي

لم يُوقّع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بعد، ولم يُلغَ نهائياً. فهو الآن يحوم في منطقة رمادية تُثير اهتمام الدبلوماسيين والمستشارين الاستراتيجيين والوسطاء الباكستانيين والقطريين والمعلقين في الاستوديوهات: قريب بما يكفي للضغط على القدس، وبعيد بما يكفي لكل طرف لينفي موقفه ويُشدّده ويُسرّب المعلومات ويُكرّرها. في إسرائيل، لا تزال فرص التوصل إلى اتفاق مؤقت أكبر من فرص اندلاع تصعيد كامل. لم يُبدِ الإيرانيون مرونة مفاجئة، ولم يُصبح دونالد ترامب مهندساً بارعاً للترتيبات الإقليمية. والسبب أبسط من ذلك بكثير: فجميع الأطراف حالياً لديها ما تخسره أكثر من استمرار العمل العدائي مقارنةً بتجميده جزئياً. يقول مصدر إسرائيلي مُطّلع على التفاصيل: “الجميع يُريد النزول من على الشجرة. السؤال الوحيد هو: من سيحصل على سلم ذهبي ومن سيحصل على سلم قابل للطي من المخزن؟”

تسعى واشنطن إلى تهدئة أسواق الطاقة، بينما تطالب طهران بالمال والوقت، ويرغب الخليج في فتح مضيق هرمز. في القدس، حتى وإن لم يُصرّحوا بذلك علنًا، يبدو الوضع الانتقالي السيئ حاليًا أفضل من اتفاق نهائي سيئ أو حرب إقليمية أخرى لا أحد يعلم إلى أين ستؤول.

يصف المسؤولون الإسرائيليون الخطوط العريضة الناشئة بأنها اتفاق إطاري، لا اتفاق حاسم. فتح مضيق هرمز، وتمديد وقف إطلاق النار، وتخفيف محدود في مبيعات النفط الإيراني، وبعض التنازلات بشأن الأموال عبر آليات إقليمية، ثم العودة إلى القضية التي جاءت من أجلها هذه الحملة برمتها – القضية النووية. باختصار: أولًا، أطفئوا النيران، ثم تجادلوا حول أعواد الثقاب.

يسعى ترامب بالفعل إلى ترسيخ صورة النصر في هذا السياق. ففي ظل غياب استسلام إيران، أو انهيار نظامها، أو تفكيك مشروعها النووي بالكامل، يحتاج البيت الأبيض إلى شيء ملموس يُظهره للجمهور: ليس بندًا غامضًا آخر، ولا تعهدًا شفهيًا آخر، بل حلًا ما لمسألة اليورانيوم المخصب. ولهذا السبب، أصبح الجدل الدائر حول 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب محور المعركة. يوم الأربعاء، وفي اجتماع لمجلس الوزراء، حاول ترامب بنفسه توضيح هذه النقطة قائلًا: “لن يكون هناك أي تخفيف للعقوبات على الإطلاق. سيتعين عليهم التخلي عن اليورانيوم المخصب مقابل هذا التخفيف”. بعبارة أخرى، هو يدرك تمامًا أنه بدون اليورانيوم، لن يحظى بصورة النصر، بل بوثيقة أخرى قابلة للتأويل. ومن هنا ينبع القلق الإسرائيلي. ليس بند واحد ما يُقلق القدس، بل المنطق برمته. إذا حصلت إيران بالفعل على تنازلات وأموال ودعم، وتم تأجيل قضية اليورانيوم إلى المرحلة التالية، فستدخل غرفة المفاوضات التالية في وضع أفضل مما كانت إسرائيل ترغب فيه. ستخرج إيران منه منهكة، لكنها ستظل بعيدة عن الهزيمة.

تقول مصادر إسرائيلية إن الإيرانيين ما زالوا قادرين على إفشال الاتفاق، أو “التعثر في أمر ما” – كاليورانيوم، أو مضيق هرمز، أو الصياغة، أو الاحترام، أو السيادة، أو أي مصطلح آخر تجيد طهران تحويله إلى مبدأ مقدس عندما تحتاج إلى انتزاع المزيد من التنازلات. ومع ذلك، يُرجّح أن ترامب ومعظم المقربين منه يرغبون في التوصل إلى اتفاق. هذا ما تدفع به الدول الإسلامية المقربة منه، والأسواق، والجدول الزمني السياسي الأمريكي.

القضية النووية الجمهورية

إن الإجابة على سؤال “هل تشديد المواقف الإيرانية حقيقي أم تكتيكي؟” ليست واضحة تمامًا. في إسرائيل، يميل الناس إلى النظر إلى الأمر من كلا الجانبين. فالخلاف حول اليورانيوم والسيطرة على مضيق هرمز حقيقي، وليس مجرد ضجيج. أما التسريبات والنفي والتصريحات القوية فهي جزء من لعبة المساومة: يحتاج الأمريكيون إلى إثبات أنهم لم يتخلوا عن القضية النووية، ويحتاج الإيرانيون إلى إثبات أنهم لم يستسلموا. كل طرف الآن يكتب خطاب النصر الخاص به حتى قبل توقيع الوثيقة.

وبالطبع، لم يُمهّد الطريق بعد. لا تزال هناك قاعدة جمهورية قوية معادية لإيران تحيط بترامب. قال مسؤول إسرائيلي ساخرًا: “في حزبه، سيشرحون له أنه انتصر تاريخيًا، ولكن فقط بعد أن يشرحوا له لماذا يبدو الأمر وكأنه خسارة”. وبالنسبة لترامب، فإن الشكل لا يقل أهمية عن المضمون، بل وأحيانًا يفوقه. لذا ربما تكفيه وثيقة مؤقتة وإعلان رسمي بأنه منع حربًا كبرى.

في الوقت نفسه، يحاول ترامب تغيير الصورة النمطية. فبدلاً من الحديث عن حرب طويلة الأمد وتهديدات لم تُنفذ، يسعى للحديث عن “سلام إقليمي” وتوسيع اتفاقيات ابراهيم . هذا ليس مجرد أمنيات، بل هو أيضاً محاولة لتسويق الموقف. فإذا لم تنتهِ الحرب بتفكيك إيران، فربما تُسوَّق للجمهور على أنها مقدمة لتسوية إقليمية كبرى. تكمن المشكلة، كما هو الحال دائماً في هذه المنطقة، في أن الواقع لا يتأثر بالمنشورات الاحتفالية. فمع غياب أي أفق واضح في الساحة الفلسطينية، لن تسارع السعودية وقطر وغيرهما إلى توقيع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل لمجرد أن ترامب يطالب بذلك “فوراً”. وهناك أمر آخر مفهوم في إسرائيل: يجب على ترامب أن يُبعد بنيامين نتنياهو عن العملية في جميع السيناريوهات تقريباً. فإذا وقّع اتفاقاً، يجب ألا يُنظر إليه على أنه اتفاق إسرائيلي. وإذا عاد إلى الحرب، يجب ألا يُنظر إليه على أنه جرّه إليها. في كلتا الحالتين، من وجهة نظره، يجب أن يكون رئيس الوزراء قريباً بما يكفي لتجنب الانفجار، وبعيداً بما يكفي لتجنب العدوى.

لذا، كان لنشر تفاصيل المحادثة بين ترامب ونتنياهو دلالةٌ بالغة. لم يكن الهدف مجرد تحديث المعلومات، بل كان الهدف توضيح السياق. طمأنة اليمين الجمهوري، وإيصال رسالة مفادها أن ترامب لم يتخلَّ عن الملف النووي، وإظهار أن نتنياهو ليس في طليعة المعارضين للخطوة. فهو ليس عدوًا للاتفاق، ولكنه ليس بالضرورة شريكًا رئيسيًا فيه؛ ففي الشرق الأوسط، حتى الموقف الوسطي يُعدّ مكانةً.

يُدرك نتنياهو هذه المنطقة الرمادية جيدًا، فقد عاش فيها لسنوات. إلا أن هذه المرة ليست بالضرورة تحت سيطرته. فإذا وقّع ترامب، سيجد رئيس الوزراء صعوبةً بالغةً في مواجهته. لن يهاجم إيران بمفرده، ولن يُدير أزمةً علنيةً مع الرئيس الأمريكي، وبالتأكيد لن يرغب في أن يُصوَّر على أنه يُخرب خطوةً تُبشّر بفتح مضيق هرمز وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي. أولئك الذين اعتادوا أن يكونوا همسًا في أذن أمريكا يكتشفون الآن أن أمريكا تُصغي أحيانًا.

بالنسبة لنتنياهو، تتجاوز المشكلة المجال السياسي. الأمر سياسي، بل يكاد يكون شخصيًا. على مدى سنوات، بنى صورته كزعيمٍ وحيدٍ يُجيد التواصل مع الجمهوريين، والضغط على البيت الأبيض، وفهم إيران، واستشراف المستقبل. توقيع ترامب على الاتفاق يُقوّض هذه الميزة. قد يُعجب ترامب به ويُثني عليه أمام الكاميرات، لكن في لحظة الحسم، لا يهمّ الود، بل النفوذ.

وضع نتنياهو أكثر تعقيدًا مما يُريد الاعتراف به. إسرائيل لن تعود إلى نقطة الصفر: الحملة ضد إيران أضرت بقدراتها على إنتاج الصواريخ، ودفعت برنامجها النووي. حينها، أضرت بالاقتصاد، وأجبرت طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت الضغط. هذه إنجازات حقيقية، وليست مجرد دعاية. حتى الأموال المُجمّدة، إذا أُفرج عنها جزئيًا، لن تُعيد بناء البنية التحتية المُدمّرة بين عشية وضحاها.

المشكلة هي أن الرأي العام الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة لم يسمع محاضرات عن “تحسين التوازن الاستراتيجي”، بل تلميحاتٍ بالحسم ، وحديثًا عن تغيير النظام، وشعورًا بلحظة تاريخية، ووعودًا صريحة وغير صريحة بأن هذه المرة ستنتهي بشكل مختلف. وفي مثل هذه الحالة، سيكون من الصعب تسويق اتفاق مؤقت على أنه انتصار.

ستعرف المعارضة مسبقًا كيف تتعامل مع هذا الوضع. بعد السابع من أكتوبر، ستأتي إيران. وعدٌ كبير آخر، ونتيجة جزئية أخرى. حملة أخرى بدأت بعناوين ضخمة وانتهت بوثيقة غامضة. سيتمكن نتنياهو من الرد، ببعض المبررات، بأن وضع إسرائيل كان سيكون أسوأ بكثير لولا هذه الحملة. لكن العدالة الاستراتيجية ليست دائمًا ورقة رابحة في صناديق الاقتراع. خاصةً عندما يكون الجمهور متعبًا وغاضبًا ومنهكًا، ويريد أن يعرف لماذا وُعد بنهاية مختلفة ليحصل بدلًا منها على مرحلة انتقالية أخرى.

 الضغط على نقاط الضعف

من بين السيناريوهات التي برزت في المحادثات الإسرائيلية، محاولة ترامب تعويض نتنياهو في ساحة أخرى. “أعطني سلامًا مع إيران، وستجد مساحةً للعمل في غزة أو لبنان”. سياسيًا، يبدو هذا مغريًا: فإذا لم يتحقق النصر في طهران، فربما يُرفع علم إيراني في رفح أو بيروت. لكن في الواقع، قد يتحول الأمر إلى هدية سامة. فالشعب الإسرائيلي سئم الحرب، من جنود الاحتياط، من الضحايا، من العائلات الممزقة، ومن الاقتصاد المنهك. وعلى النقيض من الحملة ضد إيران، فإن غزة ولبنان حربان مليئتان بالوحل والدماء والأسماء والجنازات والفظائع. من الصعب بناء حملة انتخابية عليهما، ومن السهل جدًا الغرق فيهما.

لذلك، يجد نتنياهو نفسه في مأزق شبه كامل: اتفاق سيئ سيضره، واتفاق مؤقت سيمنحه نصرًا يصعب تسويقه، وانهيار المحادثات سيعيد خطر التصعيد، والتعويض في ساحة أخرى قد يبحرق حملته الانتخابية. كل الطرق تبدو ممكنة، لكن لا يوجد طريق مضمون.

وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن السيناريو الأرجح ليس اتفاقاً تاريخياً ولا انفجاراً ضخماً، بل عملية إعادة ترتيب. اتفاق مؤقت، فتح مضيق هرمز، بعض التسهيلات، ثم انفجارات. سيأخذ الإيرانيون وقتهم. سيعلن ترامب أنهم قد انتصروا بالفعل. ستحذر إسرائيل من أن الأسلحة النووية لا تزال موجودة. سيعود كل طرف إلى موقفه. سيصف العالم هذا بالاستقرار. أما في القدس، فسيعتبرونه مشكلة مؤجلة.

هذا سيناريو مريح نسبياً لترامب. فهو يهدئ أسواق الطاقة دون الدخول في حرب أخرى. يسمح له بالإعلان عن أنه أجبر إيران على فتح مضيق هرمز. يمنحه صورة الزعيم القوي، دون دفع ثمن حرب طويلة. ثم، إذا تعثرت المرحلة النووية، يمكن دائماً إلقاء اللوم على الإيرانيين، أو أسلافه، أو الأوروبيين، أو حتى على الطقس.

يوم الأربعاء، تدرب بالفعل على النسخة المتشددة: “ظنوا أنهم سيثيرون ضجة ضدي قائلين: ‘لديه انتخابات نصفية’. لا أهتم بالانتخابات النصفية”. هذه الجملة موجهة إلى آذان طهران، ولكنها لا تقل أهمية بالنسبة للآذان في الداخل.

إنها ليست سيئة لإيران أيضاً. فهي تكسب الوقت، وبعض المال، وبعض الراحة، والأهم من ذلك: دليلاً على أن استخدام مضيق هرمز كورقة رابحة أمرٌ ناجح. حتى لو أزالت الألغام وفتحت المضيق، فقد أثبتت للعالم أنها تعرف كيف تضغط حيث يؤلم. بل إن مسودة نُشرت على التلفزيون الإيراني زعمت أن إدارة حركة المرور في المضيق ستكون في أيدي إيران وعُمان، وأن الولايات المتحدة ستبقي قواتها بعيدة عن محيط إيران. نفى البيت الأبيض بشدة ما وصفه بأنه “اختلاق”، لكن النشر نفسه يُظهر ما تريد طهران تسويقه لجمهورها: ليس فتح مضيق هرمز بالقوة، بل الاعتراف بمكانتها هناك. في المرة القادمة التي تتعرض فيها للتهديد، سيتذكر الجميع هذا. أما بالنسبة لإسرائيل، فالأمر مختلف. مثل هذا الاتفاق المؤقت ليس كارثة، ولكنه ليس النهاية أيضاً. قد يُحوّل ذلك إنجازات الحملة إلى رصيدٍ زائل: فما لم يُترجم إلى ترتيبٍ واضح، أو سيطرةٍ فعّالة، أو تفكيكٍ للقدرات، سيتلاشى مع مرور الوقت. ستُرمّم إيران نفسها، وتُعيد تأهيلها، وتختبئ، وتنتظر. هذا بالضبط ما تُجيده. قال مسؤول أمني إسرائيلي سابق: “لا يحتاجون إلى هزيمتنا، بل يحتاجون إلى البقاء في اللعبة. هذه هي الخطة برمتها”.

 ضربة قبيل النهاية

وسيتغير لبنان أيضاً. إذا تضمن الاتفاق التزاماً بوقف إطلاق النار على جميع الجبهات، أو صيغة تلزم إسرائيل بكبح جماح نفسها تجاه حزب الله، سيجد نتنياهو نفسه أمام حقل ألغام آخر. حزب الله ضعيف، لكنه لم يُفكك. لقد تعلمت إسرائيل بالفعل أن التصريحات الرنانة بتغيير الواقع في الشمال سرعان ما تفقد بريقها. من المرجح أن يُعيد الاتفاق، الذي لا يُفكك آليات إعادة تأهيل الحزب، المشكلة نفسها، ولكن مع شرعية أقل للتحرك.

يدور أحد أصعب النقاشات حول الاتفاق حول البند اللبناني. من وجهة نظر إيران، من المفترض أن يشمل وقف إطلاق النار الإقليمي لبنان أيضاً. من وجهة نظر نتنياهو، يجب أن تترك أي صيغة من هذا القبيل لإسرائيل حرية التصرف ضد ما يُعرّف بأنه تهديد. هذه في الواقع محاولة لتصدير النموذج الذي تم إنشاؤه في غزة ولبنان إلى المنطقة بأكملها: وقف إطلاق نار على الورق، وضربات عند الضرورة، واشتعال النيران بمستوى يسمح بالادعاء بعدم وجود حرب شاملة، ولكن مع ذلك، هناك ضغط كبير. سيجد الإيرانيون صعوبة بالغة في تقبّل مثل هذا النموذج فيما يتعلق بأنفسهم، ومن المشكوك فيه أن يوافقوا عليه فيما يتعلق بحزب الله.

ويبقى خيار آخر لا يمكن استبعاده: تحرك عسكري محدود قبل النهاية. يتحدث بعض المعلقين في الولايات المتحدة عن هذا الاحتمال: ضربة صغيرة لإظهار الحزم، والعودة إلى الاتفاق. مع ترامب، هذا احتمال وارد دائمًا. دراما قصيرة، صورة جيدة، وتصريح قوي.

يوم الأربعاء، عبّر عن ذلك بكلمات لا تدع مجالًا كبيرًا للتأويل: الإيرانيون “لم يصلوا إلى مبتغاهم بعد، ولكن إما أن نرضى بذلك أو سنضطر إلى إتمام المهمة”. من وجهة نظر إسرائيل، هذا سيناريو خطير للغاية: لن يغير بالضرورة ميزان القوى، ولكنه قد يجعلها أكثر عرضة للخطر في اليوم التالي، عندما يعلن الأمريكيون انتهاء الأمر.

وفي النهاية، وراء كل التسريبات والصياغات، تكمن صفقة يحاول كل طرف تسويقها بطريقة مختلفة: سيحاول ترامب تصوير التجميد على أنه انتصار، وستُصوّر إيران الإغاثة على أنها ضمانة للبقاء، ويحتاج نتنياهو إلى حسم يُخاطب الناخبين. قد يحصل الطرفان الأولان على بعض ما يريدان. أما الثالث، وكما جرت العادة في السنوات الأخيرة، فسيُجبر على تبرير ما حدث، مُوضحًا لماذا كان ما حدث هو ما أراده بالضبط.

——————————————

اسرائيل اليوم 31/5/2026، 

هكذا انهار رصيد إسرائيل الاستراتيجي العظيم

بقلم: أور شاكيد

في منتصف نيسان، جرى تصويتان روتينيان ظاهريًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، بمبادرة من السيناتور بيرني ساندرز، لمنع مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل. رُفضت المبادرتان، لكن تركيبة المؤيدين شهدت على الزلزال الذي يُهدد أهم العلاقات بالنسبة لإسرائيل: فللمرة الأولى، صوّت عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الرئيسيين لصالح القرار، بمن فيهم سبعة من أصل عشرة أعضاء يهود في الحزب.

يقول ديفيد ماكوفسكي، الباحث البارز في معهد واشنطن، والذي من المتوقع وصوله إلى إسرائيل هذا الأسبوع لحضور مؤتمر هرتسليا الذي ينظمه معهد السياسة والاستراتيجية بجامعة رايخمان: “لم يكن هذا تصويتًا ضد جميع المساعدات، ولكنه يعكس أن إسرائيل على وشك أن تفقد أحد أهم أصولها خارج الجيش الإسرائيلي، ألا وهو الدعم من الحزبين”.

وأضاف أن هذا التصويت هو مثابة جرس إنذار يجب على الإسرائيليين الانتباه إليه. فقد كان مجرد تعبير ملموس عن تغير الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل. ووفقًا لاستطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث ونُشر في أوائل نيسان، فإن 60 في المئة من الأمريكيين لديهم الآن رأي سلبي تجاه إسرائيل، مقارنةً بـ 42 في المئة في عام 2022. وترتفع هذه النسبة بين الديمقراطيين إلى 80 في المئة.

وكشف استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب ونُشر في أواخر شباط عن تحول تاريخي أكبر: فللمرة الأولى منذ عام 2001، أعرب عدد أكبر من الأمريكيين عن تعاطفهم مع الفلسطينيين مقارنةً بالإسرائيليين، بنسبة 41 في  المئة مقابل 36 في المئة. بحلول عام 2018، بلغت نسبة المؤيدين لإسرائيل 43 في المئة.

ويبرز الانقسام الأكبر بين الشباب: فمن بين الفئة العمرية من 18 إلى 34 عامًا، يتعاطف 53 في المئة منهم مع الفلسطينيين، بينما لا يتعاطف مع الإسرائيليين سوى 23 في المئة.

الشعار: أمريكا أولاً

يقول الدكتور يوآف فرومر، رئيس مركز الدراسات الأمريكية في جامعة تل أبيب: “لم تُحدث الحروب في غزة وإيران التغيير، بل سرّعت سياقات كانت جارية منذ سنوات. لعقود، كان يُنظر إلى إسرائيل على أنها داود، لا جوليات، وقد انقلب الوضع. الآن إسرائيل هي جوليات”.

على الجانب الجمهوري، يظهر التآكل جلياً أيضاً، لكن من نوع مختلف. فبينما يدور الخطاب بين الديمقراطيين حول حقوق الإنسان والإدارة العسكرية، يُغذي الإحباط في اليمين شعاراً مختلفاً: “أمريكا أولاً”. هنا، قد تكون الحرب في إيران نقطة تحول، حيث تُصوَّر إسرائيل على أنها جرّت ترامب إليها وحوّلت مسار رئاسته عن الوفاء بوعوده الانتخابية.

يقود تاكر كارلسون وحلفاؤه هذا التوجه، وقد نجحوا في التوصل إلى اتفاق نادر مع حلفائهم في اليسار الأمريكي. لا تزال الأغلبية الجمهورية تدعم إسرائيل، إذ ينظر إليها 58 في المئة نظرة إيجابية، بينما ينظر إليها 41 في المئة نظرة سلبية، لكن استطلاع بيو يكشف عن انقسام حاد بين الأجيال هناك أيضاً: 57 في المئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً ينظرون الآن إلى إسرائيل نظرة سلبية. يقول ماكوفسكي: “هناك تيار عميق من الانعزالية في أمريكا لا يدركه الإسرائيليون”. ويضيف أن انتقادات البعض في حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” ليست بالضرورة مؤيدة للفلسطينيين، بل تنبع من شعور بأن إسرائيل تتمتع “بوضع تفضيلي في واشنطن” وأن الولايات المتحدة تنفق الكثير من الأموال في الخارج بدلاً من الداخل.

ويضيف فرومر أن الحرب في إيران لم تُسهم إلا في تسريع هذه العملية، لأن “الغالبية العظمى” من الأمريكيين “لا يرون إيران تهديداً مباشراً بنفس القدر الذي تراه إسرائيل”.

ويلخص هذه العقلية بقوله: “ليس لدي مشكلة مع إسرائيل، لكن دعهم يخوضون حروبهم بأنفسهم”. وأبرز دليل على هذا التغيير هو لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، وهي جماعة الضغط الرئيسية المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة. كانت لجنة الشؤون العامة اليهودية الأمريكية (أيباك)، التي تأسست عام 1954، لعقودٍ طويلة إحدى أكثر المنظمات نفوذاً في واشنطن، ولم يكن إنجازها الأبرز فرض انتماءٍ سياسيٍّ دون آخر، بل جعل دعم إسرائيل موقفاً مؤسسياً وبديهياً في الوسط السياسي الأمريكي. لكن في عام 2021، أنشأت أيباك لجنة عمل سياسي رسمية للمرة الأولى، متخذةً خطوةً نحو المشاركة الانتخابية العلنية التي تجنبتها لعقود.

يقول ليني روث، وهو متبرع وناشطٌ مخضرمٌ في أيباك، ومنظمة BUNDS، واللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، وغيرها من المنظمات المؤيدة لإسرائيل: “يجب أن يكون دعم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية من الحزبين. لا يمكننا اختيار حزبٍ واحد”. في عالمٍ سياسيٍّ تُصنَّف فيه كل قضية ضمن خانةٍ سياسيةٍ محددة، يكمن التحدي، كما يقول، في “الحفاظ على موقفٍ متوازن”. لكنه يُقرّ أيضاً: “يزداد الأمر صعوبةً هذه الأيام”.

لقد جعل نجاح أيباك في الانتخابات التمهيدية المنظمة نفسها هدفاً للانتقادات. يقول روث إن معارضيها بدأوا بتصويرها كجزء من “مؤامرة أكبر تدور حول اليهود أو دولة أجنبية تُحرك الخيوط في واشنطن”. ويصف ذلك بأنه “هراء”، لكنه يُقرّ بأن “له آذاناً صاغية”. ويقول فرومر: “على مدى ثلاثين أو أربعين عاماً، كان الحصول على دعم لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) هو أثمن ما يتمناه المشرعون الديمقراطيون والجمهوريون. أما اليوم، فنحن في وضع معاكس تماماً، وأصبحت أيباك من المحرمات”.

والآن، يتباهى المرشحون الديمقراطيون برفضهم التبرعات من المنظمة، وأصبح هذا التصريح مثابة شهادة كفاءة سياسية. ويُشتبه في أن أي شخص يتلقى دعماً أو تبرعاً يعمل لصالح دولة أجنبية. ومن هنا، لا يفصلنا سوى خطوات قليلة عن الخطاب المعادي للسامية الكلاسيكي حول “الولاء المزدوج”.

وقد تجاوز هذا الصوت بالفعل حدود الحزب الديمقراطي. ففي الأسبوع الماضي، خسر النائب الجمهوري توماس ماسي، أحد قادة التيار المتشدد تجاه إسرائيل بين الشعب الأمريكي، الانتخابات التمهيدية في كنتاكي. قال في خطاب خسارته: “كنت سأعترف بالهزيمة مبكراً، لكن استغرقني الأمر بعض الوقت للعثور على خصمي في تل أبيب”.

نتنياهو – رمز الأزمة

لقد أصبح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رمزاً للأزمة إلى حد كبير. يقول فرومر: “الديمقراطيون لا يغفرون خطابه أمام الكونغرس ضد أوباما عام 2015 بشأن الاتفاق النووي الإيراني”. لم تُمحَ تلك الجراح. وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث، فإن 59 في المئة من الأمريكيين لا يثقون به في الشؤون العالمية اليوم، مقارنةً بـ 42 في المئة في عام 2023. كما أعلن 56 في المئة من اليهود الأمريكيين عدم ثقتهم بنتنياهو. في مقابلة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة سي بي إس قبل أسبوعين، أعلن نتنياهو نيته خفض المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل تدريجياً، إلى الصفر في غضون عقد من الزمن. يقول فرومر: “تتلقى إسرائيل 3.8 مليار دولار كمساعدات سنوياً، والناس غاضبون من ذلك”. “إن فكرة قطع المساعدات ضرورية. فالضرر الذي يلحق بنا في الرأي العام الأمريكي يفوق الفوائد المالية”.

يزعم ماكوفسكي، من جانبه، أن إسرائيل، في نظر العديد من الأمريكيين، لم تعد “الكيبوتس والمستوطنات” بل دولة غنية وقوية، ولذا فمن المنطقي تحويل المنح العسكرية إلى تعاون تكنولوجي. لكن ليس من المؤكد أن هذا سيكون كافيًا.

السؤال الأهم هو ما سيحدث بعد ترامب. يقول ماكوفسكي إن الإسرائيليين معتادون على الضغط على الجمهوريين من خلال شخصيات مثل رونالد ريغان أو جورج بوش، لكن السؤال الحقيقي الآن هو ما إذا كان الحزب سيشبه ماركو روبيو، ممثل الجمهورية القديمة للسلطة الأمريكية، أو نائب الرئيس جيه. دي. فانس، الذي قد يدفع حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” نحو اتجاه انفصالي أكبر.

في الوقت نفسه، يُجبر صعود جيل شاب وتقدمي بين الديمقراطيين حتى مؤيدي إسرائيل القدامى على التصويت ضدها. وفي هذا السياق، يحذر ماكوفسكي من أن الخطر الأكبر يكمن في اللامبالاة الإسرائيلية. لقد عايشتُ هذه العلاقات لما يقارب الأربعين عامًا، ولم أرَ قطّ مثيلًا لما نشهده الآن. لا أعتقد أن إسرائيل قادرة على تحمّل حكومة تضم سموتريتش وبن غفير مجددًا، فهذا سيدمر العلاقات الإسرائيلية الأمريكية.

لذا، إذا كانت إسرائيل في الماضي مُلزمة بالحفاظ على الدعم الأمريكي، فعليها اليوم إعادة بنائه جيلًا بعد جيل، ومن حزب إلى آخر.

——————————————

القناة 12 العبرية 31/5/2026

ما هو صواب في غزة سيكون كارثة في لبنان

بقلم: د. هرئيل حوريف 

إلى جانب إيران، تواجه إسرائيل حاليًا ساحتين رئيسيتين: قطاع غزة ولبنان. ورغم الإحباط المفهوم لعدم انتهاء الحرب بانتصار كامل، تجدر الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازات مهمة. فقد وجّه ضربات قوية لحماس وحزب الله، ودفعهما للقتال من أجل البقاء، ونجح في كسر الرابطة التي حاولا توطيدها بينهما عبر استراتيجية “توحيد الساحات”. مع ذلك، لا تزال إسرائيل تتعامل مع هاتين المنظمتين اللتين تمتلكان قوة عسكرية وتتحديان حدود السيادة في كل من لبنان وغزة، وتواجه سؤالًا استراتيجيًا جوهريًا: كيف تُحوّل الضربة القوية التي وُجّهت لقوة المنظمتين إلى ترتيب مستقر يمنع إعادة تأهيلهما؟

قطاع غزة

على الرغم من صمود حماس، فقد بدأت تظهر ظروف سياسية أكثر ملاءمة لإسرائيل في الآونة الأخيرة. فقد حمّل نيكولاي ملادينوف، مبعوث “مجلس السلام”، حماس مسؤولية عدم إحراز تقدم في إعادة تأهيل القطاع ورفضها نزع سلاحها في المحافل الدولية لعدة أسابيع. يدعو ملادينوف المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغط على المنظمة، ولا يخفي حتى تشككه في إمكانية حدوث نزع السلاح النووي دون استخدام إسرائيل للقوة.

من وجهة نظر إسرائيل، يُعدّ تحميل مبعوث مجلس السلام حماس المسؤولية نقطة انطلاق ملائمة تُترجم إلى واقع ملموس. ففي الأشهر الأخيرة، بدأت العقوبات المفروضة على إسرائيل مع وقف إطلاق النار بالتلاشي تدريجيًا، وتلاشى معها الخوف من تدويل السيطرة على قطاع غزة. صحيح أن مقر التنسيق المدني العسكري الدولي المُنشأ في كريات جات قد قيّد في البداية حرية إسرائيل في العمل، إلا أن هذا المقر يُثبت بشكل متزايد أنه أقل تقييدًا مما كان يُعتقد، بل إن تقارير عديدة أشارت إلى أن الولايات المتحدة تُفكّر في إغلاقه أو على الأقل إعادة تنظيمه. في الوقت نفسه، تتلاشى مخاوف إسرائيلية أخرى، أبرزها الخوف من دخول القوات القطرية والتركية في القطاع. تُبيّن هذه التطورات، كالعادة، مدى أهمية النظر إلى الأمور من منظور أوسع لفهم العمليات في أبعادها الصحيحة.

وهكذا، كثّف الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة نطاق سيطرته النارية المباشرة وغير المباشرة على نحو 63 في المئة من أراضي قطاع غزة. وتُنفّذ عمليات مكافحة الإرهاب ضد عناصر حماس بشكل شبه يومي، وقد نجح الجيش الإسرائيلي مؤخرًا في القضاء على فلول القيادة العسكرية لحماس المتورطة في التخطيط لمجزرة 7 أكتوبر. ويُظهر اغتيال محمد عودة، الذي شغل منصب رئيس الجناح العسكري لأكثر من أسبوع بقليل بعد اغتيال عز الدين الحداد، أن إسرائيل تسعى إلى إحداث زعزعة وظيفية مستدامة في حماس تمنعها من ترسيخ نظام قيادة واستمرارية عملها. والرسالة واضحة: حتى بعد وقف إطلاق النار، فإن قيادة حماس ليست بمنأى عن المخاطر طالما ترفض الحركة التخلي عن قوتها العسكرية.

من أهم نتائج هذه الهشاشة تحوّل مركز الثقل من قيادة غزة إلى القيادة الخارجية. فمنذ انتخاب يحيى السنوار قائداً لقطاع غزة عام 2017، باتت قيادة غزة والجناح العسكري تسيطران فعلياً على القرارات الاستراتيجية لحماس. وأودّ التأكيد على أن القيادة الخارجية لا تختلف عن قيادة غزة في أهدافها الاستراتيجية، فكلتاهما تسعى علناً إلى تدمير دولة إسرائيل. مع ذلك، هناك شخصيات بارزة في القيادة الخارجية، وعلى رأسها خالد مشعل، مستعدة، لأسباب عملية بحتة، لتقديم تنازلات تُمكّن الحركة من الصمود في وجه الواقع الكارثي الذي وجدت نفسها فيه نتيجة للاستراتيجية الراديكالية التي فرضها السنوار والجناح العسكري على جميع أطياف الحركة. لكن حتى السياسة الأكثر براغماتية من غير المرجح أن تُفضي إلى نزع السلاح أو تراجع حقيقي عن موقعها المهيمن في قطاع غزة. لذلك، فإن احتمال اضطرار إسرائيل للعودة إلى القتال في غزة – هذه المرة دون تقييدات الرهائن الذين يعملون كدروع بشرية – يبقى الاحتمال الأرجح، كما يتوقع ملادينوف أيضاً.

إذا كان هذا هو الخيار الأبرز بالفعل، فعلى إسرائيل أن تُنجز مهمتين مترابطتين: أولاً، تهيئة الرأي العام العالمي لاتخاذ إجراءات لا تخدم مصالح إسرائيل الأمنية فحسب، بل تُخفف أيضاً من معاناة سكان قطاع غزة، الذين تُعرقل حماس إعادة تأهيلهم، كما يُؤكد الوسطاء الدوليون. ثانياً، ثمة حاجة إلى تخطيط دقيق وفعّال لإجلاء السكان من مناطق القتال، بهدف تقليل الضرر الذي يلحق بالأبرياء والانتقادات الدولية. يجب أن تكون رسالة المهمتين واضحة: الحل الحقيقي للوضع في قطاع غزة كان ولا يزال يتمثل في إقامة حكومة بديلة قوية تُفيد السكان ولا تُهدد إسرائيل.

 حزب الله

في لبنان، استُبدلت خطط حزب الله للسيطرة على الجليل بشريط واسع يمتد لعشرة كيلومترات تقريبًا تحتله إسرائيل على طول جنوب لبنان. لا يمكن مقارنة الأوضاع في هذا الشريط بالمنطقة الأمنية التي سيطرت عليها إسرائيل حتى أيار 2000، حيث اضطرت للعمل ضمن السكان المحليين، بكل ما يترتب على ذلك من قيود. اليوم، هذه منطقة أُفرغت من سكانها الشيعة، ودُمّرت أجزاء كبيرة من مستوطناتها بسبب البنية التحتية العسكرية التي بناها حزب الله هناك. في الأيام الأخيرة، كثّف الجيش الإسرائيلي ضغوطه ووسّع سيطرته على المنطقة. من جهة أخرى، لا يقف حزب الله مكتوف الأيدي كحماس، بل يخوض قتالًا منسقًا وحازمًا يُكبّد إسرائيل خسائر فادحة.

تواجه إسرائيل في الواقع خيارين رئيسيين. الأول هو التحرك الشامل للقضاء على حزب الله، كما يطالب بعض الأصوات في الخطاب العام. إلا أن هذا هدف غير واقعي، إذ إنه مكلف للغاية من حيث أرواح الجنود والموارد والشرعية الدولية. علاوة على ذلك، لا يوجد ضمان بأن حزب الله سيتم القضاء عليه حتى لو احتلت إسرائيل لبنان بأكمله، لأن حزب الله ليس مجرد منظمة عسكرية، بل هو أيضاً حركة اجتماعية جماهيرية تدعمها غالبية الطائفة الشيعية في لبنان.

لا يعني هذا أن تتخلى إسرائيل عن تحرك عسكري واسع النطاق وقوي من شأنه إلحاق ضرر بالغ بقوات حزب الله وبنيته التحتية. إلا أن يديها في هذه المرحلة مقيدة بسبب القيود الأمريكية المتعلقة بالمفاوضات مع إيران. لذا، عليها في الوقت الراهن اللجوء إلى خيار بديل: مواصلة إضعاف حزب الله، والذي يشمل، كما هو الحال في غزة، إحباط وتدمير البنية التحتية، إلى جانب استغلال الاضطرابات الناجمة عن العدد الهائل من اللاجئين. إنه مسار طويل وشاق، يُنتج تآكلاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً مستمراً في إسرائيل أيضاً، دون نهاية واضحة. لكن يمكن أيضاً اختصاره.

الخلاف الذي نشب قبل أيام بين الوزير بتسلئيل سموتريتش ورئيس الوزراء يمس جوهر المشكلة. فقد اقترح سموتريتش هدم مبنى مقابل كل طائرة مسيرة تهاجم قواتنا، بينما رد نتنياهو بسخرية متسائلاً عما إذا كان تدمير 30 مبنى يستدعي تدمير 30 طائرة مسيرة. وفي بيان آخر، أكد نتنياهو أن المؤسسة الدفاعية تبحث عن حلول لتهديد الطائرات المسيرة.

حتى دون الخوض في السياسة، ينبغي مراعاة نقطتين مهنيتين. أولاً، في ظل غياب حل تقني فعال لاعتراض الطائرات المسيّرة الموجهة بالألياف الضوئية، فإن الأداة الوحيدة التي تملكها إسرائيل لإجبار حزب الله على إعادة حساب جدوى عملياته هي خلق معادلة غير متكافئة بين إطلاق هذه الطائرات والرد عليها. فالقيود الأمريكية التي تمنع إسرائيل من العمل في بيروت لا تحول دون ردها، على سبيل المثال، بتدمير مبانٍ تابعة لحزب الله في النبطية أو صور. ولا يُعد عدد المباني التي ستُدمرها كل طائرة مسيّرة هو المهم، طالما أن تكاليف هذه المعادلة غير المتكافئة واضحة ومتسقة وفعّالة. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الادعاء الذي يُثار بين الحين والآخر بأن تدمير المنازل لا يؤثر على الشيعة أو الفلسطينيين في قطاع غزة لا أساس له من الصحة. ففقدان المنزل، لا سيما في ضوء التقارير التي تُفيد بعجز حزب الله، وبالتأكيد حماس، عن تعويض الضحايا، يُعد صدمة نفسية شديدة ومستمرة.

ثانيًا، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على الحلول التقنية لمواجهة التهديدات الصاروخية والجوية التي تلاشت بفعل هجوم 7 أكتوبر، كان من المتوقع أن يتغير الخطاب. ينبغي استبدال الوعود بإيجاد حل تقني يمكّن من احتواء العدو بسياسة هجومية تستهدف جذور المشكلة. البحث عن حلول دفاعية ضروري ومهم بلا شك، لكنه لا يغني عن سياسة استباقية، خاصةً وأن الجنود والمدنيين المعرضين للخطر في الشمال لا يملكون متسعًا من الوقت لانتظار مثل هذا الحل.

——————————————

هآرتس 31/5/2026 

التدمير الكامل لغزة يهدف الى تسهيل انتقال إسرائيل الى “مرحلة التهجير”

بقلم: جدعون ليفي

 لدى إسرائيل يوجد خطة غزة. من ظن أنها لا تمتلك خطة لما بعد الكارثة كان مخطئا تماما. أتمنى لو لم تكن تملك. بعيدا عن انظار العالم والانظار الإسرائيلية يجري تنفيذ المرحلة التالية من نظرية المراحل الإسرائيلية على قدم وساق. بعد أن يتم استنفاد التدمير الشامل تتقدم اسرائيل بثبات نحو تنفيذ المرحلة التالية من خطتها: تحويل سكان غزة الى مجتمع من المعاقين والجرحى والمرضى والجياع والمشردين، المحرومين من سبل العيش الى الابد.

عندما يصبح سكان غزة كخليط كهذا، بدون مجتمع منظم، وبدون خدمات أساسية وبدون مؤسسات حيوية، وبالطبع بدون قيادة، فان التدمير الكامل للمجتمع سيسهل على إسرائيل الانتقال الى المرحلة التالية، والتي لم تتخلى عنها ابدا وهي مرحلة الطرد. حينها فقط ستحل مشكلة غزة نهائيا. فقط بهذه الطريقة. لقد تردد صدى هذه الخطة بوضوح الأسبوع الماضي من قبل مؤيديها ومنفذيها على حد سواء: فقد صرح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بان “توجيهاته” هي رفع نسبة السيطرة على القطاع من 60 في المئة الى 70 في المئة؛ وكتب وزير الدفاع إسرائيل كاتس على قناة “اكس”: “لقد تعهدنا بان حماس لن تسيطر على غزة، مدنيا وعسكريا، وهذا ما سيحدث، وسيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية أيضا – كل ذلك في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة”. بعبارة أخرى، سيصبح سكان غزة “قطيعا” يسهل نقله من هنا، “في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة”، نظرا لضرورة الحفاظ على النظام.

ان “القضاء على حكم حماس” ليس الهدف منه هذا فحسب. فبما أن إسرائيل عارضت بشدة إدارة غزة من قبل أي جهة فلسطينية أخرى، لا السلطة الفلسطينية، ولا أي هيئة دولية، ولا أي جهة أخرى – وهي غير مستعدة أيضا لادارة غزة بنفسها – فقد انكشفت الحقيقة: انها لا تريد لاي منظمة الا تدير الحياة في غزة. إسرائيل تريد مليوني شخص في خيام، مما يسهل عملية الطرد. عندما يقول كاتس ان حماس لن تدير غزة من منظور مدني، فهو يعلم تماما أنه لا يوجد من يدير غزة سوى حماس، ولن يكون هناك على الأقل في المستقبل القريب. البديل الوحيد الان لحكم حماس المدني هو الفوضى. هذه الفوضى تصب في مصلحة إسرائيل وتخدم تنفيذ الخطة.

يمكن للدعاية الإسرائيلية أن تستمر في الترويج بان غزة بأكملها تابعة لحماس وان جميع أعضاء حماس ارهابيون. هذا بالطبع كذب. ليس كل سكان غزة تابعين لحماس، وليس كل من يصنف ضمن حماس إرهابيا. تعلم إسرائيل جيدا ان عشرات الالاف من المعلمين والأطباء وضباط الشرطة والموظفين الحكوميين الذين يتقاضون رواتبهم من حكومة حماس ليسوا إرهابيين. تصنيفهم كاعضاء في حماس مكنها من قتل الالاف منهم تحت مسمى “إرهابيين”. رجال المرور والمحاسبون والمعلمون ليس إرهابيين ولا يجب أن يعاقبوا بالاعدام. قتلهم كان ولا يزال جريمة حرب. حتى الصحافيون الحاصلون على تصاريح صحفية من حماس ليسوا إرهابيين. انهم صحافيون، وربما رجال دعاية، كحال شريحة كبيرة من الصحافيين الإسرائيليين. لكنهم ليسوا إرهابيين.

هكذا ضربت إسرائيل عصفورين بحجر واحد: حصلت على شرعية وان كانت زائفة بالقتل العشوائي، وحققت خطوة أخرى في تنفيذ مخططها الرئيسي. فبدون معلمين وأطباء واخصاء اجتماعيين ومهندسين ومسؤولين، لا وجود لمجتمع فاعل، وبدون مجتمع فاعل، سيسهل ترحيل سكان غزة الى شتى بقاع الأرض.

في نهاية الأسبوع نشر على الانترنت مقابلة مدتها ساعتان اجراها تاكر كارلسون مع الجراح البريطاني من أكسفورد د. نيك ماينرد الذي يتطوع في غزة منذ 17 عاما، متنقلا بين المدن والقرى. كانت الاهوال التي شاهدها ماينرد بأم عينيه مروعة. جثث وصلت مكبلة، وأطفال اعدموا باطلاق النار على خصيتيهم، ورضع ماتوا جوعا، وأطفال خدج تركوا بامر من ا لجيش الإسرائيلي بحاضنات وعثر عليهم امواتا بعد أسابيع. يجب على كل إسرائيلي (وكل انسان) الاستماع الى هذه المقابلة. لكن حتى كل هذه الفظائع المروعة كان لها هدف: “الحل الاسرائيلي للمشكلة المسماة غزة”.

——————————————

يديعوت احرونوت 31/5/2026

الطريقة الصحيحة لإزالة خطر حزب الله

بقلم: رون بن يشاي 

تُظهر لنا التجربة التي اكتسبناها خلال 44 عامًا من القتال في لبنان أن تكرار نفس النهج لن يحلّ المشكلة. مقتل 200 عنصر آخر من حزب الله، وهدم 10 مبانٍ شاهقة أخرى (مبانٍ تُسمى “مباني الطاقة” في مصطلحات الجيش الإسرائيلي) ستنهار مُتحولةً إلى سحابة من الغبار والنيران في الضاحية، وتدمير 20 قرية أخرى في جنوب لبنان، وإنشاء منشأة تحت الأرض في بقاع لبنان لإنتاج الصواريخ ستتعرض لضربة مباشرة مُدمرة – كل هذا وحده لن يحلّ المشكلة.

سيواصل حزب الله اقتحام المناطق المحمية، وسيقتل بين الحين والآخر مقاتلاً إسرائيلياً ومزارعاً في المطلة، لأن هذا هو هدف وجوده، ولأنه ما دام بإمكانه تحقيق ذلك فعلياً بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي تركها، فسيتلقى الدعم من إيران.

لكن لصياغة ردٍّ يضع حداً لتهديد حزب الله لسنوات طويلة، يجب الأخذ بعين الاعتبار أن دوافع أعضاء الحزب تنبع من مزيج متفجر من التعصب الديني الذي يغذيه آيات الله في طهران، ودعم الحرس الثوري الإيراني، والتوتر مع الجيش الإسرائيلي الذي حوّل حزب الله إلى قوة عسكرية مؤثرة.

ولا يقل أهمية عن ذلك دعم الطائفة الشيعية في لبنان، وهي حالياً أكبر طائفة في البلاد، والتي اتسمت لقرون بالعزلة والشعور بالحرمان. فجأةً، خلال الأربعين عامًا الماضية، شعر أفراد الطائفة بنشوةٍ عارمةٍ من القوة والفخر، لأن حزب الله هو أقوى ميليشيا مسلحة في لبنان، وهو، وليس الجيش اللبناني، من يحمي الدولة اللبنانية من إسرائيل والجهاديين السنة في سوريا.

كما تغيّر الجانب الاقتصادي الذي يدعم سيطرة حزب الله على الطائفة الشيعية. تقليديًا، كان رزق الطائفة الشيعية في جنوب لبنان وبقاع لبنان يعتمد على الزراعة الجبلية وتجارة المخدرات. لكن صناعة زراعة القنب وتكرير المواد الخام التي كانت تُستورد من آسيا وتُصدّر إلى أوروبا، تلقت ضربةً قاضيةً خلال الحرب الأهلية في سوريا. وأصبح مزارعو بقاع لبنان بلا رزق تقريبًا. في هذا الفراغ، برزت المنظمات الاقتصادية والاجتماعية التي أنشأها حزب الله، والمساعدات المالية – التي بلغت قرابة مليار دولار سنويًا – التي تلقاها من إيران، والتي موّل من خلالها آلافًا من عناصره النظاميين. كانت هذه هي شبكة الأمان الاقتصادي التي أبقت الطائفة الشيعية واقفةً على قدميها، حتى خلال الانهيار الاقتصادي الحالي في لبنان.

تُفسّر هذه الحقائق كيف استطاع حزب الله، الذي مُني بضربة عسكرية ووظيفية ومادية ومعنوية قاضية (اغتيال حسن نصر الله) في عملية “السهام الشمالية” صيف عام 2024. أن يستعيد عافيته شتاء عام 2026 ويعود لقتالنا. بل وأكثر من ذلك، فبفضل الدعم المالي الضئيل الذي لا يزال يتلقاه من إيران، يتمكن الحزب من تجنيد الشباب في صفوفه، ودفع رواتب زهيدة لعناصره، وشراء مئات الطائرات المسيّرة الرخيصة من السوق العالمية، وتزويدها برؤوس حربية من نوع آر بي جي، وبثّ شعور مُحبط بالعجز في نفوسنا نحن الإسرائيليين.

لا بدّ من الاعتراف، مع الأسف، بأنّ الردع الذي وفّرته الاستخبارات والقصف الجوي للجيش الإسرائيلي قبل عامين قد تآكل. فتدمير القرى المستمر في جنوب لبنان، بدلاً من الضغط على حزب الله لوقفه، لا يزيد إلا من غضب القرويين اللاجئين، ويمنح قوات رضوان شرعية للقتال. إنّ الدافع الجهادي، والأمل في أن تُظهر إيران، التي ستتعافى بعد الحرب، تأييدها للمنظمة، يسمحان لكبار قادة حزب الله بتجاهل الخسائر الفادحة، وانهيار المباني، وتزايد المعارضة له في لبنان، والاستمرار في ذلك.

والحقيقة أن حزب الله يمرّ بظروف صعبة للغاية على جميع الأصعدة. فمئات الآلاف من اللاجئين الشيعة، الذين فرّوا من قرى الجنوب، لا يملكون مأوىً دائمًا ويعيشون على الكفاف. والحكومة اللبنانية، بدعم من جميع الطوائف في لبنان، بما فيها بعض الشيعة، تنكر على حزب الله شرعية حمل السلاح. ونعيم قاسم غير قادر على تولي زمام الأمور خلفًا لنصر الله، ونبيه بري، رئيس البرلمان المسن (والفاسد) وقائد حركة أمل، هو في الواقع زعيم الطائفة الشيعية. لذلك، تبنّى حزب الله وقادته، بالتنسيق مع الإيرانيين، استراتيجية “التماسك” – أي الصمود وعدم الانهيار حتى تهدأ العاصفة. يأمل حزب الله أن تنجح معه الحيلة القديمة – الفوز بعدم الخسارة – وهي حيلة أثبتت فعاليتها لدى المنظمات الجهادية في جميع أنحاء العالم. يقولون لأنفسهم: إذا استطاعت حماس فعل ذلك، فبالتأكيد نستطيع نحن، حزب الله، فعله أيضاً.

في مثل هذه الحالة، هناك مساران استراتيجيان لإزالة التهديد الذي يشكله حزب الله على إسرائيل. الأول هو احتلال لبنان، بما في ذلك وادي لبنان، وحصار بيروت، على غرار ما فعلناه في حرب لبنان الأولى. من شأن هذه الخطوة أن تُجرّد حزب الله من قدراته العسكرية الاستراتيجية، وتُمكّن الحكومة والجيش اللبنانيين من إتمام المهمة. كما أن الاحتلال الإسرائيلي سيحرم حزب الله من إمكانية كسب حرب أهلية، إذا ما انتفضت الطوائف الأخرى ضده.

هذه هي أبرز مزايا هذه الخطوة في الساحة اللبنانية، لكن عيوبها من وجهة نظر إسرائيل تفوق مزاياها. فالجيش الإسرائيلي منهك ويحتاج بشدة إلى كوادر قتالية وصيانة منصات قتالية بعد أكثر من عامين من القتال. سيستلزم احتلال لبنان بقاءنا هناك لمدة ستة أشهر على الأقل كحامية عسكرية حتى التوصل إلى اتفاق. وسيزداد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية. ومن المرجح أن يمارس ترامب، وبالتأكيد الأوروبيون والعرب، ضغوطًا علينا قبل تحقيق أهداف العملية. ولا جدوى من سرد القائمة كاملة.

لكن ثمة مسار آخر لديه فرصة للنجاح، دون أن يكلفنا ثمنًا باهظًا. وهو عملية متزامنة على عدة قنوات، تتيح لنا فرصة سانحة في الوضع الراهن. القناة الأولى هي الضغط العسكري والردع الذي سيوفره الجيش الإسرائيلي من خلال مناورات ونيران جوية مفاجئة، تتسم بالذكاء والسرعة، وتُنفذ على مدى ومدة محدودين لكنهما مؤثران. ليس من المؤكد أن مثل هذه الخطوة العسكرية ستحل مشكلة طائرات الدرون ذات الألياف الضوئية حلًا جذريًا، لكنها ستُبعد حزب الله عن الحدود والخط الأصفر، وتُجبر العناصر على التفرق. في هذا السياق، لستُ متأكدًا من أن وقف إطلاق النار في لبنان فكرة سيئة. حتى لو فُرض علينا هذا الوقف في الأيام المقبلة كجزء من اتفاق بين ترامب والإيرانيين، فقد يخدمنا جيدًا (خاصةً إذا أجبر الإيرانيون حزب الله على احترامه).

وحتى لو أجبر وقف إطلاق النار القسري الجيش الإسرائيلي على تجنب مناورة كبيرة وسريعة، فإنه سيمنح المؤسسة الأمنية الوقت الكافي لاستكمال جهودها التطويرية وتجهيز نفسها بالوسائل اللازمة للتعامل ليس فقط مع طائرة أو اثنتين متفجرتين بدون طيار، بل بشكل أساسي مع أسراب الطائرات بدون طيار التي من المحتمل أن نواجهها في جميع جبهات الحرب.

ثمة قناة ثانية سياسية: مفاوضات فعّالة وسريعة بين إسرائيل وحكومة الرئيس جوزيف عون اللبنانية، على عكس المماطلة الحالية في واشنطن. إن مجرد وجود مثل هذه المفاوضات يُجرّد حزب الله من الشرعية القانونية لتقديم نفسه كحامٍ للبنان. لكن الهدف المنشود هو الوصول إلى وضعٍ على الأرض لا يشكل فيه أي تهديد لإسرائيل من الأراضي اللبنانية (وآلية تضمن تحقيق ذلك فعلاً)، وفي المقابل، يستعيد لبنان الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً، مع تعديلات طفيفة على الحدود.

ثمة مسار ثالث يتمثل في الوعد بتقديم مساعدات اقتصادية واسعة النطاق لإعادة إعمار لبنان إذا ما توقف حزب الله عن العمل كمليشيات مسلحة، بما في ذلك إنشاء صناديق تمويل من قبل السعودية وقطر والولايات المتحدة، بما يخلق أفقاً وحافزاً لأفراد جميع الطوائف والحكومة اللبنانية لعزل حزب الله وتحييده للخروج من الأزمة؛ وتقديم مساعدات دولية أمريكية وفرنسية وإماراتية لتقوية الجيش اللبناني بتجهيز وتدريب وحدات خاصة (مقاتلين غير شيعة) قادرة على لعب دورٍ فعّال في تفكيك حزب الله كقوة قتالية ومنع عودته؛ وقطع المساعدات العسكرية والمالية الإيرانية عن حزب الله، بالتعاون مع الحاكم الجديد في سوريا.

يمكن إضافة أو حذف بنود أخرى، لكن هذه هي الوصفة التي، إذا ما نُفذت، لديها فرصة للنجاح. والسؤال هو ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة نتنياهو قادرة على بدء مثل هذه الخطوة متعددة القنوات، وإشراك الرئيس ترامب فيها، والموافقة على صفقة حقيقية مع عون، والتي من شأنها أن تتضمن تنازلات بشأن أراضٍ في لبنان تكون فوائدها الأمنية موضع شك.

 ——————————————

معاريف 31/5/2026

هل عاد الحزام الأمني؟ الجيش الإسرائيلي في طريقه للاستيلاء على “كنز” حزب الله

بقلم: افي اشكنازي

يدرك حزب الله جيدًا أن الجيش الإسرائيلي في طريقه للاستيلاء على أحد أهم أصوله التي تُسيطر على الاستطلاع والقوة النارية. لهذا السبب، توقع الجيش الإسرائيلي تصعيدًا في إطلاق النار، حيث شعر الشمال بالاطمئنان.

ويوم الخميس، توقع الجيش الإسرائيلي أن يُصعّد حزب الله من وتيرة إطلاقه الناري ويُشنّ هجومًا مكثفًا على المستوطنات الشمالية والجبهة الداخلية. ويُفهم أن الجيش الإسرائيلي يُجري مناورات في منطقة حساسة. وقد تقدمت الفرقة 36، التي تُشغّل عدة ألوية مدرعة ومشاة، وفقًا لتقارير من لبنان، إلى منطقة مرتفعات علي طاهر. هذه المنطقة مألوفة للإسرائيليين منذ عهد الحزام الأمني، ولكن منذ ذلك الحين، يُشيّد لواء “بدر” التابع لحزب الله مواقع تحت الأرض وفوقها في المنطقة.

يدرك حزب الله جيدًا أن الجيش الإسرائيلي، الذي يُجري مناورات على مساحة واسعة، قد يكون في طريقه للاستيلاء على أحد أهم أصوله التي تُسيطر على الاستطلاع والقوة النارية. لهذا السبب، قدّر الجيش الإسرائيلي يوم الخميس أنه كلما تقدمت الفرقة 36 في مناوراتها، زادت احتمالية استيلائها على “كنوز” حزب الله. وهذا هو أساس التقييم القائل بأن حزب الله سيطلق النار على مؤخرة القوات الإسرائيلية وعلى المستوطنات في الشمال، وحتى في الجنوب.

في الوقت الراهن، لا تكشف إسرائيل عن نواياها. هل يهدف عبور الليطاني إلى توسيع نطاق القتال وإنشاء رأس جسر للتقدم شمالًا، أم أن الجيش الإسرائيلي يعتزم البقاء في المنطقة بشكل دائم؟ أم أنها مجرد خطوة تكتيكية تهدف إلى حرمان لواء “بدر” من القدرات العسكرية التي بناها على مدى عقدين أو أكثر؟ أما بالنسبة للشمال، فبحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، لن يهدأ إطلاق النار قريبًا.

لقد أطلق حزب الله عدة صواريخ على منطقة جبل ميرون صباح السبت. وهذا حدث غير معتاد في سياق القتال ضمن وقف إطلاق النار. وقد اعترضت منظومة القبة الحديدية أحد الصواريخ التي أُطلقت من لبنان. خلال الليل، سُمعت صفارات إنذار إضافية على خط المواجهة عقب إطلاق صواريخ من لبنان. وسُجّلت إصابة مباشرة في وسط مدينة كريات شمونة. وفي عملية سريعة لإغلاق الدائرة، دمّر الجيش الإسرائيلي منصة إطلاق صواريخ كان حزب الله يطلق منها صواريخ باتجاه شمال البلاد. كما سُمعت صفارات إنذار في نهاريا والمناطق المحيطة بها، وفي كرميئيل والمناطق المجاورة، وفي منطقة الجليل – حيث أطلق حزب الله منذ صباح اليوم أكثر من 25 صاروخًا اخترقت الأراضي الإسرائيلية. إضافة إلى ذلك، أُطلقت عشرات الطائرات المسيّرة باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي والأراضي الإسرائيلية.

——————————————

اسرائيل اليوم 31/5/2026 

في الطريق لتحقيق إنجاز سياسي

بقلم: مئير بن شباط 

“إيران لم تربح حربًا قط، لكنها لم تخسر مفاوضات قط” – غرد دونالد ترامب في كانون الثاني 2020، بعد أيام قليلة من اغتيال قاسم سليماني”

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي عبّر فيها عن نفسه بهذه الطريقة خلال أحداث المواجهة مع الجمهورية الإسلامية. وإذا كانت التقارير الإعلامية تعكس بدقة تفاصيل الاتفاق الجاري إبرامه معها، فيبدو أن التاريخ يعيد نفسه، وأن الإيرانيين – حتى بعد الضربة القاسية التي تلقوها – ينجحون في الضغط على واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينقذ النظام.

 أين تكمن المشكلة؟

قبل الخوض في التفاصيل، من المهم النظر إلى الصورة الكلية: سيُضفي هذا الاتفاق شرعية على النظام المتطرف في طهران، ويُثبت قدرة الحرس الثوري على الصمود حتى في وجه الضغوط الهائلة التي تمارسها القوى العالمية. وسيُواصل النظام، في أعقاب ذلك، إلقاء بظلاله المُهدِّدة على الشرق الأوسط، مُعززًا سيطرته على مضيق هرمز كأداة ضغط فعّالة.

ستُمكّن الموارد التي ستُضخ في النظام من استعادة قدراته، والأهم من ذلك، بيع مواطنيه ما دفعهم للخروج إلى الشوارع: الأمل في تحسين الوضع الاقتصادي. سيوفر الاتفاق للنظام ضمانة ضد أي هجوم عسكري غربي أو إسرائيلي، ولكن حتى بدون ذلك، بمجرد توقيعه، لن يخشى النظام واشنطن. ففي نهاية المطاف، أي رئيس أمريكي سيرغب في التورط في مواجهة مع إيران، في حين يبدو هذا وكأنه الوتر الأخير في الحملة التي يشنها أكثر رئيس صدامي عرفته طهران؟

والآن إلى التفاصيل

الملف النووي: سعى ممثلو ترامب إلى تحقيق إنجاز سريع يتمثل في فتح مضيق هرمز وتهدئة سوق الطاقة. وكان الثمن الذي طالب به الإيرانيون مقابل ذلك هو تأجيل القضايا النووية إلى مرحلة لاحقة، عندما تكون أدوات الضغط عليهم أقل تهديدًا، وعندما تكون هيبة الرئيس الأمريكي رهينة في أيديهم. في مثل هذه الحالة، سيكون نهجهم في المفاوضات النووية هو تقديم أقل قدر من التنازلات مع أقصى قدر من التغييرات. وكما فعلوا حتى الآن، سيؤجلون موافقتهم إلى آخر موعد ممكن، وحتى حينها لن يمنحوها إلا بعد انتزاع تنازلات إضافية.

يُفترض أن إيران، خلال الفترة المتبقية لترامب حتى نهاية ولايته، لن تستفزه أو تعطيه ذريعةً لمهاجمتها. وستستغل هذا الوضع لإعادة تنظيم صفوفها دون تجاوز إطار التفاهمات، ولكن بطريقة تسمح لها بتجديد جهودها في المجال النووي فور انتهاء ولايته. وستخدمها المعرفة والقدرات الإنتاجية التي ستحتفظ بها في إطار الاتفاق خير خدمة في هذا الصدد. ويُفترض أن الحملة الحالية قد عززت سعي طهران للحصول على أسلحة نووية، بعد أن رأت أنه لا يوجد ما يمنع خصومها من توجيه ضربة أخرى لها.

برنامج الصواريخ: تشير التقارير الإعلامية إلى أن الاتفاق الناشئ يتجاهل هذا التهديد تماماً. فهو لا يفرض قيوداً فعّالة، فيما يتعلق بالمدى والكميات، على إنتاج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، التي تُشكّل تهديداً مباشراً للشرق الأوسط وأوروبا.

صحيح أن الحملة الحالية قد أثرت على مخزونات إيران وألحقت الضرر بقدراتها الإنتاجية، إلا أنه في ظل التطور التكنولوجي الراهن، ولا سيما في ظل العلاقات بين إيران والصين، فإن وتيرة إعادة الإعمار أسرع من ذي قبل. وقد تجد إسرائيل وجيرانها، وكذلك أوروبا، أنفسهم قريباً مهددين بمنظومة متطورة من الصواريخ الباليستية.

أما بالنسبة للساحة اللبنانية، فإذا صحت التقارير التي تفيد بأن اتفاق إنهاء الحرب يشمل الساحة اللبنانية، فمن المتوقع أن يعزز ذلك نفوذ إيران فيها. وإذا أضفنا إلى ذلك الأموال التي ستتمكن إيران من توجيهها إلى حزب الله، فسيوفر ذلك دعماً كبيراً للمنظمة الشيعية اللبنانية، ويرفع من مكانتها الإقليمية، بعد فترة عصيبة تمر بها منذ تشرين الثاني 2024.

الأثر على حماس والحوثيين والمنظمات الإرهابية الإسلامية: إنهاء الحرب بمثل هذا الاتفاق سيمنح جميع عناصر الإسلام المتطرف دفعة معنوية وإلهاماً. وسيكون تفسيرهم لهذا الوضع واحداً: أن القوة العالمية التي تقود الحرب على الإسلام المتطرف عاجزة عن فرض إرادتها عليه.

ولم نتطرق بعد إلى الاستنتاجات التي ستتوصل إليها دول المنطقة بشأن علاقاتها مع النظام الإيراني، وإلى آثار شعور الخيانة الذي ينتاب المواطنين الإيرانيين الذين ما زالوا ينتظرون الضوء الأخضر للخروج والتظاهر ضد النظام.

إن الاتفاق الذي يجري العمل عليه لا يُلغي الإنجازات الكبيرة التي تحققت في الحرب مع إيران، وبالتأكيد ليس إنجازات إسرائيل. ويتعزز الشعور بالخسارة تحديدًا في ضوء ذلك، وفي ضوء التقييم القائل بأن ميزان القوى يسمح بإنهاء الحملة بنتائج أفضل من تلك التي يعكسها الاتفاق.

إلى أين نتجه من هنا؟

أولًا، لم تتضح صورة المفاوضات بعد. وحتى وإن كانت قريبة مما ورد في التقارير الإعلامية، فإن القصة لم تنتهِ بعد. فالعديد من القضايا العالقة تمنح ترامب فرصًا لا حصر لها لتغيير المشهد، إن شاء.

في كلتا الحالتين، يجب على إسرائيل أن تُبدي مخاوفها بأسلوبٍ واقعي وغير متحدٍّ، مع التأكيد على احتفاظها بحقها في الدفاع عن أمنها ضد التهديدات الناشئة في جميع المجالات. ويجب أن تبقى حرية إسرائيل في العمل خارج نطاق أي اتفاق.

——————————————

هآرتس 31/5/2026

رسالة نتنياهو وبن غفير لأوروبا: ستسمعون “هتكفا الكهانية” ورؤوسكم مطأطأة

بقلم: نحاميا شتراسلر

مرت عشرة أيام على حادثة إساءة الوزير بن غفير معاملة المشاركين في أسطول الحرية المتجه إلى غزة، لكن العاصفة العالمية لم تهدأ بعد. يشاهد الملايين حول العالم الفيديو ويتزايد الاستنكار له. لقد أعلنت بولندا وفرنسا منع بن غفير من دخول أراضيهما. وتقترح إيطاليا توسيع نطاق الحذر ليشمل جميع دول الاتحاد الأوروبي الـ 27، كما اقترحت عدة دول فرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

تشهد أوروبا حالة من الاضطراب وتسعى للثأر من سوء معاملة المشاركين في الأسطول. لم تقتصر المعاملة المهينة على بن غفير وحده، بل شملت أيضاً الشرطة ومصلحة السجون. فقد أجبروا على الركوع وربطت أيديهم خلف ظهورهم وكانت رؤوسهم محمية، وتم تشغيل مكبرات صوت ضخمة أسمعتهم نشيد “هتكفا” بشكل متكرر. ثم دخل بن غفير وقدم عرضه المروع. لهذا لا يمكن التهرب من المسؤولية. الشرطة ومصلحة السجون وبن غفير هم وجهنا أمام العالم. إنهم يمثلوننا رغماً عنا. حقيقة أن نتنياهو لم يُقل بن غفير بعد الفيديو. بل بقي وزيراً بارزاً.

حاول نتنياهو الادعاء بأن إساءة معاملة بن غفير “لا تتوافق مع أعراف إسرائيل وقيمها”، لكنها في الواقع كذلك. ففي الأراضي المحتلة، تحرق المنازل وتقتلع البساتين وتطلق النار على الفلسطينيين وترتكب مذابح مدعومة من الحكومة. وداخل الخط الأخضر، تعتدي الشرطة على المتظاهرين الذين يجرؤون على التظاهر ضد الحكومة. كما ترتكب اعتداءات عنيفة، ويبصق على رجال الدين المسيحيين في القدس. بعبارة أخرى: هذا هو الوضع الطبيعي، وهذه هي القيم.

لم يستطع الرئيس إسحق هرتسوغ التزام الصمت حيال هذه الفضيحة. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، ندد ببن غفير قائلا: “لا يجوز إساءة معاملة الرئيس. بل وصف الأمر بأنه “أمر وحشي”. لكن وزير الأمن القومي يبدو مسروراً بهذه الضجة التي أثارها. لقد نجح في تحقيق هدفه الرئيسي؛ عزل إسرائيل في العالم. وهو سعيد بردود الفعل الأوروبية. هو يريد أن تكون إسرائيل بمنأى عن العالم الليبرالي الديمقراطي “الفاسد”. ويأمل أن تصبح دولة يهودية مسيحانية متطرفة، تحكمها قوانين الشريعة اليهودية: “شعب يسكن وحيداً ولا يبالي بالأمم غير اليهودية”.

يدور الحديث عن شخص متعصب ديني وقومي متطرف، يكره قيم الدولة الليبرالية التي وردت في إعلان الاستقلال: الحرية، العدالة، السلام، المساواة في الحقوق وحرية الدين والضمير

يدور الحديث عن شخص متعصب ديني وقومي متطرف، يكره قيم الدولة الليبرالية التي وردت في إعلان الاستقلال: الحرية، العدالة، السلام، المساواة في الحقوق وحرية الدين والضمير. يريد إسرائيل مختلفة: إسرائيل دينية، قومية، مسيحانية، عنصرية وقاسية. يريد إسرائيل التي تتبنى عقيدة الحاخام كهانا العنصرية، التي تكره الأجانب والعرب واليساريين.

لهذا السبب، ظهر رافعاً علماً إسرائيلياً ضخماً، مظهراً موقفاً وحشياً ولا إنسانياً تجاه المشاركين في أسطول الحرية، وعازماً على فرض مقاطعة وعقوبات علينا، وقطع العلاقات التجارية معنا، ومنع جميع الإسرائيليين من دخول أوروبا حتى نخوض حرب يوم القيام ضد العالم أجمع.

نتنياهو يفكر بالطريقة نفسها؛ فهو يعتقد أيضاً أنه يجب الانتقام من المشاركين في أسطول الحرية. وهو يكره الديمقراطية والليبرالية. كما يكره العالم تماماً مثل بن غفير. وهو على يقين مثله بأن جميع غير اليهود معادون للسامية، وأن هدفهم تنفيذ محرقة أخرى. لهذا السبب، اكتفى ببعض الكلمات اللطيفة من النقد له. في عام 2021 أعلن نتنياهو أن بن غفير لن يكون وزيراً في حكومته قائلاً إنه غير مؤهل لهذا المنصب. لكن في اللحظة الحاسمة، وبعد عام، عينه في منصب وزير الأمن القومي، مرتكباً بذلك جريمة سياسية، وهي تأهيله لخلافة مئير كهانا.

كان الأمر مستحيلاً في حزب الليكود. كان رئيس الوزراء إسحق شمير يغادر جلسة الكنيست، ومعه جميع أعضاء الليكود، عندما يصعد كهانا إلى المنصة. أما اليوم، فنتنياهو يعانق بن غفير. لقد أصبحا كالتوأمين السياميين.

—————-انتهت النشرة——–

Share This Article