| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 1/6/2026
الحنين الى قلعة الشقيف أنسانا فشل الحرب وما خسرناه هناك في المرة السابقة
بقلم: عاموس هرئيلِ
كثيرون في الاعلام الإسرائيلي لم يتعلموا شيئا ولم ينسوا شيئا. كان يكفي نشر صورة واحدة – اعلام إسرائيل ولواء جولاني وهي ترفرف فوق قلعة شقيف في جنوب لبنان – من أجل اسكات النقاش الضروري حول الوضع الراهن للحرب هناك. فبدلا من طرح التساؤلات الضرورية حول الاستراتيجية المشكوك فيها للحملة الحالية في الشمال، وحول غياب رد تكتيكي على خطر الطائرات المُسيرة المتفجرة المزودة بالالياف الضوئية والتي يطلقها حزب الله بالعشرات يوميا، غمرنا الحنين الى الماضي والعودة المثيرة الى المواقع التاريخية.
يكاد لا احد يسأل عما خسرناه هناك وما حدث في المرة السابقة. كان من الاجدر التذكير بهذا من أجل فائدة اكثر من نصف مشاهدي التلفزيون الذين لم يكونوا هنا في 1982، عندما استولى لواء جولاني على قلعة شقيف وقتل ستة من مقاتلين بما فيهم قائدها الرائد جوني هارنيك. كما أن بعض المشاهدين لم يشهدوا عن لبنان في التسعينيات، عندما الحقت العبوات الناسفة التي زرعها حزب الله دمارا هائلا بقوافل الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية. تحدث الوزراء وأعضاء الكنيست والصحافيون بحماس عن قلعة شقيف، وكأن هذه المرة ستكون مختلفة، وان الاستيلاء على القلعة الصليبية العريقة سيضع حدا نهائيا لمشكلة حزب الله.
لم يذكر احد تقريبا أنه لم يكن هناك أي شيء مجيد في قلعة شقيف سوى شجاعة المقاتلين، وان الدماء التي اوريقت هناك في الماضي ليست مبررا بالتضحية بالمزيد من الجنود الذين قد يكونون احفاد مقاتلي الدورية الذين استولوا على القلعة قبل 44 عاما. ان الاثارة المصطنعة التي تخلقها وسائل الاعلام تخفي الواقع المرير الحالي. هذا واقع تتداخل فيه دوافع أيديولوجية خفية (فاليمين المتشدد يتوهم بالفعل الاستقرار في جنوب لبنان والسيطرة عليه بشكل دائم)؛ والمأزق السياسي الذي تواجهه الحكومة، والتي قد تجد صعوبة في تفسير تخليها عن البلدات في الشمال؛ وفي احراج الجيش الذي انكشف عجزه في المعركة الحالية بعد هزيمته لحزب الله في الجولة السابقة عام 2024.
وكما هو معتاد يقود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرواية السائدة. لقد وصل يوم الجمعة في جولة تفقدية لمقر الفرقة 36 على الحدود اللبنانية (ولم يتسنى له بعد زيارة كريات شمونه او المطلة).
التقط نتنياهو صورا مع الجنود، وتفاخر هناك بعبور نهر الليطاني، واعلن: “نحن نعمل أيضا في بيروت، وفي البقاع اللبناني، وعلى امتداد الجبهة بأكملها، ونوجه ضربات موجعة لحزب الله. في الواقع يقيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة الغارات الجوية الإسرائيلية على بيروت لاعتبارات خاصة به.
صباح أمس، وبعد إتمام استعادة قلعة شقيف ليلا، بدا رئيس الوزراء في غاية السعادة، قال: “عدنا الى البوفور عازمين اكثر من أي وقت مضى ومتحدين”. ثم انتقل مباشرة الى إحصاء القتلى، وروح المبالغة التي سادت حديثه ذكرتنا بالامريكيين في حرب فيتنام. وادعى انه “منذ بداية حرب النهضة، قضينا على 8 الاف إرهابي من حزب الله، وفي الشهر الماضي وحده قضينا على 700 منهم.
تبعه الوزراء وأعضاء الكنيست كالببغاوات، قاطعين سلسلة رسائله فقط لنشر بيان يعبر عن حزنهم، والذي بدا وكأنه مصاغ بواسطة الذكاء الاصطناعي، على استشهاد الرقيب اول مايكل ثيوكين، احد مقاتلي دورية جفعاتي ليلة أمس، في اشتباكات في المنطقة نفسها في لبنان. ثيوكين، 21 عاما من عسقلان هو الابن الوحيد لامه. قدم الاثنان بمفردهما من أوكرانيا قبل ست سنوات. لكن رئيس الوزراء يهتم بالإنجازات وليس بالأرقام. وقد اغفل الأرقام التالية في رسائله الاحتفالية: 13 قتيلا منذ اعلان الولايات المتحدة وقف اطلاق النار (الذي لم ينفذ) في لبنان قبل شهر تقريبا، واكثر من 2000 قتيل إسرائيلي منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر.
كما أن الجيش الإسرائيلي متورط في هذه القصة من الفشل العملياتي والاستراتيجي، والتي يحاول نتنياهو جاهدا تصويرها للرأي العام الإسرائيلي على انها نجاح. كانت حملة 2024 بالفعل نجاحا عملياتيا باهرا، تحقق نتيجة تحقيق منهجي ودقيق. لقد تم تجريد التنظيم الشيعي آنذاك من معظم قدراته الهجومية. لكن الوضع الحالي مختلف تماما. فقد توقف حزب الله عن العمل كجيش إرهابي منظم وعاد الى اصوله كمنظمة حرب عصابات، حيث لا مركزية في قيادته، مما سمح للقادة الميدانيين باتخاذ القرارات العملياتية بأنفسهم، ولم يعد منشغلا بخطط غزو الجليل. بدلا من ذلك يبحث الحزب عن نقاط ضعف تمكنه من الحاق خسائر بشرية في قوات الجيش الإسرائيلي كلما تعمق انتشارا داخل لبنان.
ثمة تفسير تكتيكي – عملياتي لاحتلال قلعة شقيف. فقد سيطرت الفرقة 36 عليها ضمن خطة، يعلنها الجيش جهارا، والتي من شأنها ان تسمح بمعالجة اكثر جذرية لهضبة النبطية المجاورة. وتنتشر في هذه المنطقة قوة كبيرة نسبيا من فصيل بدر التابع لحزب الله، فضلا عن وجود العديد من المواقع العسكرية التابعة للتنظيم. الا ان العمليات الهجومية الجارية للجيش الإسرائيلي لن تزيل خطر الطائرات المُسيرة عن القوات المتمركزة في الأراضي اللبنانية، ولن توقف على الأرجح اطلاق الصواريخ الذي يتزايد نطاقه وينتشر تدريجيا جنوبا في الأيام الأخيرة، وصولا الى عكا وكرميئيل وصفد.
يبدو أن لبنان يمثل مشكلة تكتيكية. فالخطر الذي يشكله حزب الله اقل بكثير مما كان عليه في بداية الحرب. ظاهريا تدور رحى الاحداث في الخليج، بين الولايات المتحدة وايران. لكن عمليا قد تظهر مشكلة استراتيجية جديدة هنا. رغم خسائره ينجح حزب الله في تعطيل الحياة تماما في مناطق واسعة قرب الحدود اللبنانية، ويزعم انه يتسبب للجيش الإسرائيلي بسقوط قتلى وعشرات الجرحى اسبوعيا.
في المقابل عندما يتباهى نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس في احتلال اراضٍ كثمن يدفعه لبنان، يتلقى حزب الله دعما متجددا لحجة ضعفت في السنوات الأخيرة والتي تقول انه يمثل حامي البلاد من العدوان الإسرائيلي. وفي هذا السياق يبرز التساؤل حول العلاقة بين ما يحدث في الخليج وما يحدث في الشمال: هل يريد نتنياهو استغلال احتمال انتهاء الحرب مع ايران للتوصل الى اتفاق على الجبهة اللبنانية أيضا ام انه يريد من ترامب السماح له بمواصلة الصدام مع حزب الله هناك حتى الانتخابات؟ رئيس الوزراء يخفي نواياه، ولا يوجد جواب واضح حتى الان.
——————————————
إسرائيل اليوم 1/6/2026
الخطأ الذي أعاد حزب الله إلى الساحة
بقلم: ايال زيسر
في أوائل آذار، بعد أيام قليلة من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، انضم حزب الله إلى الحرب وبدأ بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه المستوطنات الشمالية. لم تكن هذه الخطوة مفروضة على حزب الله من قبل إيران، بل كانت خطوة متعمدة تهدف إلى إعادة زمام المبادرة إلى الحزب داخل لبنان وفي مواجهة إسرائيل، وتغيير قواعد اللعبة في جنوب لبنان التي فرضتها إسرائيل عليه بعد انتهاء الجولة السابقة من المواجهة معه في تشرين الثاني 2024.
في ذلك الوقت، وكما نتذكر، أوضحت إسرائيل أنها تحتفظ بحقها في التحرك ضد حزب الله كلما رأت تهديدًا لأمنها، ونتيجة لذلك، ورغم وقف إطلاق النار، واصلت إسرائيل هجماتها في لبنان، بل وقضت على المئات من عناصر الحزب، بينما امتنع حزب الله عن الرد.
رأى كثيرون في إسرائيل في ذلك دليلاً على الضربة القوية التي تلقاها حزب الله، وأن إسرائيل هي المنتصرة. إلا أن الهجمات الإسرائيلية في الواقع كانت متقطعة وضعيفة التأثير، في حين اتخذ حزب الله قرارًا واعيًا ومدروسًا بعدم الانجرار إلى صراع معنا، لكي يتمكن من استعادة قوته وإعادة بنائها. وقد فعل.
مع اندلاع الحرب في إيران، سارع حزب الله لاغتنام الفرصة المتاحة، وشنّ هجومًا لفرض قواعد جديدة علينا، تقضي بأن أي هجوم إسرائيلي سيُقابل بهجوم مماثل، وأن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية سيؤدي إلى حرب عصابات يشنها الحزب ضد قواتنا.
وكان رد إسرائيل على تحدي حزب الله، للأسف، جزئيًا ومترددًا. فبدلًا من استغلال الفرصة المتاحة لنا للتحرك بقوة، بدعم أمريكي، لإحداث تغيير جذري في الواقع اللبناني، اكتفت إسرائيل بإنشاء منطقة عازلة ضيقة تمتد على طول الحدود، مصممة لإبعاد عناصر حزب الله عن المستوطنات الإسرائيلية في الجليل الشمالي.
أدت هذه الخطوة الإسرائيلية، التي كانت تهدف إلى تحقيق أهداف تكتيكية، إلى وضعنا في مأزق استراتيجي، لأنها سمحت لحزب الله بشن حرب عصابات استنزاف ضد جنود الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، بل وحتى داخل إسرائيل نفسها. يأتي هذا في وقتٍ مُنعنا فيه، بسبب الضغوط الأمريكية، من التحرّك بقوة ضد مقرّات التنظيم وبنيته التحتية المتمركزة في عمق لبنان وضواحي بيروت، حتى عندما صدرت إلينا أوامر بمهاجمة جنودنا. تُظهر التجربة أن حرب الاستنزاف، التي ندفع فيها ثمنًا باهظًا يوميًا من الخسائر والإصابات وتعطيل الحياة في المجتمعات الشمالية، لا تخدم أي مصلحة إسرائيلية، وأن حزب الله سيُهيمن في مثل هذه الحرب ما لم نتحرّك بقوة وفعالية ضده. وغنيّ عن القول، إن مقتل عشرات من عناصره أو تدمير القرى الشيعية في جنوب لبنان لا يُزعج نعيم قاسم، الذي يعتقد، كما كان يعتقد السنوار في زمانه، أن الدمار الذي جلبه على نفسه يخدم التنظيم في الواقع، مُخفّفًا من حدّة الانتقادات الموجهة إليه بين أبناء الطائفة الشيعية، بل ويجلب له الدعم والمجندين الجدد، بينما الجيش الإسرائيلي هو من يُريق الدماء.
يُضاف إلى ذلك أن اتفاقًا بين إيران والولايات المتحدة قد يُفضي إلى وقف إطلاق نار شامل في الساحة اللبنانية، وانسحاب كامل لقوات الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، وذلك قبل أن نُحقق حتى جزءًا من أهدافنا.
لذا، من المناسب لإسرائيل صياغة وتنفيذ خطة عمل استراتيجية تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله، وإلحاق خسائر فادحة به وبأنصاره، لا سيما شمال الليطاني.
إذا لم يكن هذا ما نسعى إليه، بل مجرد مناورة محدودة أخرى لبضعة كيلومترات في الأراضي اللبنانية، نستمر بعدها في لعبة القط والفأر مع إرهابيي حزب الله الذين يهاجموننا، فمن الأجدر بنا التفكير في الانسحاب من المنطقة الأمنية التي أنشأناها، والتي لا يُحقق وجودنا فيها تقدمًا نحو أهدافنا، والعودة، كما في السابق، إلى بناء دفاع الشمال على نشر القوات على طول الحدود وعلى الردع. وفي الوقت نفسه، محاولة إحراز أكبر قدر ممكن من التقدم في قناة التفاوض الإسرائيلية اللبنانية، حيث يمكننا تحقيق مكاسب تكتيكية، حتى وإن لم يكن حلاً للمشكلة، لأن الحكومة اللبنانية وإسرائيل لديهما مصلحة مشتركة في إضعاف حزب الله.
——————————————
هآرتس 1/6/2026
الحوافز المقدمة على اعتاب اتفاق ما تعكس انقلابا في الأدوار بين ايران وامريكا
بقلم: تسفي برئيل
“اتفاق وشيك مع ايران، السلام لكم”، كان من الممكن أن يكون هذا هو العنوان الجديد لزاوية ايستي ورؤوفين من برنامج “ارض رائعة”، لولا واقعيته الشديدة. ففي مرحلة “الاتفاق الوشيك” تعمل جميع العقول المبدعة على ابتكار أفكار تتخطى العقبات. هدفهم هو تزويد ايران وترامب بصورة النصر دون تحقيق النصر فعليا؛ وإخراج ايران من البرنامج النووي دون تفكيك البرنامج النووي نفسه؛ وتعويض ايران عن اضرار الحرب دون الاعتراف بالتراجع، وفتح الملاحة البحرية في مضيق هرمز بـ “ترتيب” لا يبدو وكأنه تراجع.
ومن الأمثلة على هذه الأفكار تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول إمكانية انشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية والطاقة في ايران. يبدو أن الصندوق، الذي يفترض استخدامه، من بين أمور أخرى، لاعادة تأهيل الاضرار الناجمة عن الحرب هو جزء من الاغراءات التي تقدمها الولايات المتحدة مقابل التوصل الى اتفاق. وبدون التصريح بذلك صراحة، يفترض ان يلبي الصندوق مطالب ايران بالتعويض، وربما يجبرها أيضا على التخلي عن سيطرتها على مضيق هرمز وتحصل رسوم العبور من أي سفينة تعبره.
هذه ليست فكرة جديدة. ففي أواخر شباط، عشية الحرب، أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الى أنه وكجزء من اتفاق مع الولايات المتحدة، ستسمح ايران للشركات الامريكية باستثمار مبالغ طائلة في البلاد، “تصل الى تريليون دولار”، شريطة رفع جميع العقوبات وطمأنة ايران بان الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجماها. ولم يكن هذا المقترح جديدا أيضا. فقبل ذلك بعام تقريبا، في نيسان 2025، قبيل جولة من المحادثات مع الولايات المتحدة – غرد عراقجي باغراء بنفس الروحية: “خطتنا هي بناء 19 مفاعلا نوويا إضافيا على الأقل. ومن المتوقع أن تدر هذه المفاعلات مليارات الدولارات بعقود محتملة”.
لم يكن هذا الابتكار وليد الصدفة. فقبل أسابيع، اقترح معلقون وأعضاء في البرلمان الإيراني استغلال “ضعف” ترامب لأغراض تجارية، وعرض صفقة مغرية عليه مقابل التخلي عن الحرب. ووفقا لبعض التقارير الواردة من ايران، فقد حظي الاقتراح بدعم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي اعتبره مخرجا، مؤكدا انه “لا غبار عليه”.
كما اعيد احياء فكرة انشاء صندوق لاعادة اعمار ايران كجزء من اتفاق شامل الشهر الماضي، وذلك في مقال مبرر جيدا نشر في مجلة “فورين افيرز” (الشؤون الخارجية). وقدم الدبلوماسي المخضرم توم بيكرنيغ (الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل في ثمانينيات القرن الماضي)، والباحثة غبريئيل ريفكند والخبير في منع انتشار الأسلحة النووية بول اينغرام، للولايات المتحدة سبلا للالتفاف على المطالب المتشددة التي يتمسك بها كل طرف، من خلال اليات تسمح بعرض الاتفاق على أنه انتصار.
هؤلاء الكُتّاب يعيدون طرح فكرة انشاء رابطة إقليمية لتخصيب اليورانيوم: ستشارك فيها، الى جانب ايران عدة دول من المنطقة مما سيتيح اشرافا ادق على عمليات انتاج اليورانيوم وتخصيبه، فضلا عن الاعتراف بحق ايران في امتلاك اليورانيوم للأغراض المدنية. وفي ما يتعلق بالخلاف القائم في مضيق هرمز كتبوا: “سيتعين على الولايات المتحدة ان تقر بانه في غياب عملية عسكرية ضخمة ومكلفة، ستحتفظ ايران بالقدرة على اغلاق المضيق”. لكن بإمكان الولايات المتحدة التحايل على مطالبة ايران بتحصيل رسوم عبور. يقترح هؤلاء الكُتّاب ان تفرض الدول المصدرة للنفط في الخليج بدلا من ذلك “رسوم نقل” على النفط ومشتقاته. على سبيل المثال يمكنهم فرض “رسوم” قدرها 5 دولارات للبرميل من النفط و 20 سنتا لكل الف قدم مكعب من الغاز و 25 – 30 دولار للطن من المواد الكيماوية.
المبالغ المحصلة بهذه الطريقة تشابه المبالغ التي يمكن لإيران تحصيلها من رسوم العبور التي تسعى لفرضها والتي تقدر بنحو 80 مليار دولار سنويا. لكن هذه المبالغ ستحول الى صندوق خاص تديره الأمم المتحدة، وسيخصص جزء منها لاعادة اعمار ايران وجزء آخر للدول العربية المحتاجة والمشاريع الإنسانية. ويرى معدو هذا المقترح انه يحيد مطلب ايران باحتكار رسوم العبور، وفي الوقت نفسه، يلبي مطلبها بالحصول على تعويض عن اضرار الحرب.
ويبدو أن هذا المقترح ممكنا مثله مثل انشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار. ومن الناحية العملية فان هذه الأفكار مشروطة برفع العقوبات المفروضة على ايران، لا سيما تلك المفروضة على البنوك وغرف المقاصة الدولية الممنوعة من عقد صفقات مع ايران. وسيطلب من ايران سن قائمة طويلة من القوانين الجديدة التي تضمن الاستثمارات الأجنبية وتنظم نظام الدفع، وترسخ الضمانات الحكومية وتمنع غسل الأموال، وتضمن المساواة امام القانون. هذا يعني اجراء إصلاحات قانونية ودستورية من شأنها في حال تطبيقها أن تلحق ضررا بالغا بالاحتكارات الاقتصادية التي تسيطر على البلاد، بما في ذلك الحرس الثوري الذي يمتلك اكثر من نصف الاقتصاد، والجيش والشرطة والمؤسسات الدينية.
لقد كان هناك سابقة جزئية: فبعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، سارعت ايران الى سن العديد من القوانين التي تهدف الى تسهيل الأمور على المستثمرين الأجانب، وسن قائمة من الإعفاءات من الضرائب والرسوم، بل وحتى سن قانون لمكافحة غسيل الأموال وشن حرب اقتصادية على الإرهاب. يعد هذا التشريع خطوة سهلة نسبيا في بلد يخضع فيه البرلمان لقرارات المرشد الأعلى، لكن على ايران ان تدرس مدى توافق الاستثمارات والمزايا التي ستوافق على منحها للمستثمرين الجدد مع الاتفاقيات الاستراتيجية التي وقعتها مع الصين وروسيا، وهي اتفاقيات تمنحها الأولوية بل والحصرية، في مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات.
مع ذلك لا يزال هذا الامر في مراحله الأولى. ويبدو أن دراسة المقترحات والأفكار التي من شأنها الالتفاف على مطالب ايران، لا تعدو كونها تمارين نظرية في التفكير الإبداعي. لم تتخلى ايران بعد عما تعرفه بحقها السيادية في السيطرة على مضيق هرمز وتحديد قواعد المرور عبره، بحكم موقعه في مياهها الإقليمية. وتؤكد ايران موقفها بان أي عرض مالي مهما كان مغريا، لا يغني عن حقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها.
في الوقت نفسه، اذا صح تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” فانه يشير الى الانقلاب في الأدوار بين ايران والولايات المتحدة. فقد انبثق الاقتراح الإيراني الأصلي بالسماح بالاستثمار الأمريكي في البلاد من نقطة ضعف دفعت ايران للبحث عن اغراءات لوقف الحرب. اما الان فالولايات المتحدة مطالبة بإيجاد بدائل وتقديم حلول وسط مقبولة لإيران لتجنب حرب لا ترغب بها واشنطن ويصرح ترامب بانه “يملك الوقت” وان انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على قراره بخوض الحرب او الموافقة على اتفاق “سيء” مع ايران. تشير وسائل الاعلام الامريكية الى المعاناة الاقتصادية الهائلة التي تسببها الحرب للمواطنين الإيرانيين، وتفيد بان احتياطيات ايران من العملات الأجنبية لن تكفي الا لثلاثة اشهر.
لكن هذه الحرب كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين ما بين 25 و 30 مليار دولار. ووفقا لتحليلات أجرتها معاهد بحثية في الولايات المتحدة قد تكلف الحرب كل عائلة الفين دولار بالمتوسط اذا استمرت لمدة عام على وتيرتها الحالية. لذا من الأفضل في الوقت الراهن عدم المراهنة على الفائز في المنافسة بين “الوقت المتاح للولايات المتحدة والوقت المتاح لإيران.
——————————————
القناة 12 العبرية 1/6/2026
رؤية 2030: بن سلمان يواجه سقفًا زجاجيًا
بقلم: د. يوئيل غوزانسكي
بعد مرور عقد على إطلاقها، لا تزال رؤية 2030 إطارًا محوريًا للتحول السياسي والاقتصادي في المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ورغم ما أحدثته هذه المبادرة من تغييرات اجتماعية هامة، إلا أن إنجازاتها الاقتصادية كانت متفاوتة، فلا تزال المملكة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط. وقد زادت الحرب الأخيرة مع إيران من تعقيد المشروع، ما أجبر الرياض على توجيه مواردها نحو الأمن وإدارة المخاطر، الأمر الذي قد يُضعف ثقة المستثمرين. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تدخل رؤية 2030 مرحلة جديدة تتمحور بشكل أقل حول المشاريع الضخمة الطموحة، وأكثر حول التكيف الاستراتيجي مع عدم الاستقرار الإقليمي. وبالتالي، من غير المرجح أن تنهار المبادرة، لكنها لن تحقق طموحاتها الأصلية بالكامل، ما يعكس القيود البنيوية للنموذج السعودي للتحول المركزي.
منذ الكشف عنها في نيسان 2016، مثّلت رؤية 2030 مصطلحًا جامعًا لعمليات التحول في المملكة العربية السعودية. وهي مبادرةٌ تُشكّل إرثًا وطنيًا أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تهدف إلى إعادة هيكلة اقتصاد يعتمد على النفط، مع ضمان استقرار النظام الملكي المطلق في المستقبل. بعد مرور عقد من الزمن على بدء تنفيذها، ومع اقتراب موعد إنجازها الرسمي، حققت رؤية 2030 إنجازات اقتصادية مثيرة للجدل إلى جانب مكاسب سياسية واجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، خضع المشروع نفسه لإعادة هيكلة. والآن، في ظل تداعيات الحرب الإقليمية التي تتردد أصداؤها في أرجاء المنطقة، يبدو أن رؤية 2030 تدخل مرحلتها الثالثة.
تهدف رؤية 2030، التي وقعها بن سلمان، إلى إحداث ثورة في اقتصاد يواجه تهديدًا غير مسبوق. ورغم أن المملكة تتحدث عن الإصلاح منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن السعودية دخلت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وهي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط. وفي ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن النمو السكاني، وتسارع التحول إلى الطاقة النظيفة، وتقلب أسعار الطاقة، أصبح التنويع الاقتصادي أولوية سياسية، بل وجودية، قصوى. استعدادًا لمستقبلٍ يتسم بانخفاض عائدات النفط، تُركز رؤية 2030 على الإصلاحات المالية وتطوير قطاعات جديدة، من السياحة إلى الصناعات التحويلية المتقدمة، مع تغيير نموذج التوظيف الحكومي المُفرط والدعم السخي. مع ذلك، كانت رؤية 2030 منذ بدايتها مشروعًا سياسيًا بامتياز، حيث ارتبطت أجندة التنويع الاقتصادي بتركيز السلطة.
في النصف الثاني من العقد الماضي، فكك ابن سلمان مراكز القوى المتنافسة داخل الأسرة المالكة، وأخضع المؤسسة الدينية، وطهّر مؤسسات الدولة الرئيسية. وبعد أن حصد نفوذًا سياسيًا غير مسبوق بنهاية العقد، اتجه ولي العهد إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي المحافظ للغاية في المملكة. تُرك النهج التدريجي للإصلاح الاجتماعي الذي ميز أسلافه لصالح تغيير شامل وسريع. استيقظ المواطنون السعوديون على واقع مختلف: بدأت المطاعم والمتاجر بالعمل حتى أثناء الأذان؛ وتوافد الشباب والشابات على أماكن الترفيه الجديدة؛ وخرجت النساء إلى الشوارع لأول مرة، ثم دخلن سوق العمل لاحقًا. والآن، تشير التقارير إلى أن الحكومة تدرس تقنين الكحول. بالنسبة لابن سلمان، كان توسيع هذه الحريات ضروريًا لتجديد شرعيته لدى الشباب السعودي، ولإعادة صياغة صورة المملكة على الساحة الدولية، وهو عنصر حاسم لحشد الدعم الدولي اللازم لنجاح رؤية 2030.
ومع ذلك، ورغم التقدم السياسي والاجتماعي الذي حققته الخطة، يبقى النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد السعودي. وبحلول عام 2025، شكلت عائدات النفط نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويبدو أن النمو في القطاعات غير النفطية مدفوعٌ في المقام الأول بديناميكيات سوق النفط، وليس بجهود التنويع التي تنتهجها الرؤية. وقد استدعى تراجع الإنتاجية زيادة الإنفاق الحكومي لتعزيز الإيرادات غير النفطية، مما أدى إلى عجز مستمر في الميزانية منذ عام 2022.
لفهم إنجازات رؤية 2030 وإخفاقاتها، يمكن تقسيم مراحل تطورها إلى ثلاث مراحل، تتميز كل منها بأولويات مختلفة.
رؤية مُحدَّثة
في نسختها الأولى، بين عامي 2016 و2023، تمحورت الرؤية حول مجموعة من مشاريع البنية التحتية الضخمة، والتي عُرفت باسم “المشاريع العملاقة”. كان الهدف من هذه الخطط التنموية الضخمة هو إحداث نقلة نوعية تاريخية للمملكة، وإظهار التحول من نموذج يعتمد على الوقود الأحفوري والمحافظة الاجتماعية إلى أجندة تنموية حديثة ومتطورة، مع خلق فرص جديدة للسياحة والاستثمار. إلا أنه على الرغم من تصميمها لتكون تعبيرًا واضحًا عن طموحات الرياض الكبيرة، إلا أن مشاريع رؤية 2030 سرعان ما واجهت صعوبات.
يُجسد مشروع مدينة “الخط” المستقبلية بعضًا من هذه التحديات بوضوح. فقد خُطط للمدينة، الواقعة في منطقة نيوم على الطرف الشمالي للبحر الأحمر، على شكل برجين متوازيين يشبهان الجدار، بطول 170 كيلومترًا. بين عامي 2021 و2025، ارتفعت التكاليف التقديرية للمدينة بمليارات الدولارات، وتلاشت الآمال في الحصول على تمويل أجنبي، ولم تُحقق الاستثمارات التي بلغت 50 مليار دولار على الأقل في أعمال الحفر والنقل والإنشاء أهداف التنمية المرجوة. وقد فاقم انخفاض أسعار النفط الضغوط المالية، ما دفع إلى إعادة النظر في نهج المملكة العربية السعودية تجاه مشروع “الخط” تحديدًا، والمشاريع العملاقة عمومًا. وفي عام 2023، تم تقليص حجم المشروع بشكل كبير، حيث من المتوقع الآن أن تشمل مرحلته الأولى، المقرر تنفيذها عام 2030، كيلومترين فقط بدلًا من 16 كيلومترًا كما كان مخططًا لها في الأصل.
وقد شهدت مشاريع عملاقة أخرى تطورًا مماثلًا. ففي منطقة نيوم، تضاعفت التكاليف المتوقعة لثلاثة من أصل خمسة مشاريع رئيسية. ولم يتم تحقيق مراحل التنمية الرئيسية، ويتجلى ذلك في قرار المملكة العربية السعودية التخلي عن استضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية 2029 بسبب بطء التقدم في منتجع ترويانا للتزلج الذي تبلغ تكلفته 38 مليار دولار. خارج نيوم، لا يزال مشروع واحد على الأقل يُنظر إليه على أنه واعد، وهو مشروع ترميم مدينة الدرعية القديمة بتكلفة 63 مليار دولار، ولكنه يعاني هو الآخر من التأخير. وبحلول عام 2023، وفي ظل التحديات المتزايدة، بدأ حجم العقود الموقعة لتطوير المشاريع في الانخفاض بشكل حاد، مما يمثل تحولاً عميقاً ويقود رؤية 2030 إلى نسختها الثانية.
بينما تراجعت المشاريع الضخمة، شهدت القطاعات ذات العوائد الأسرع نموًا سريعًا. ففي عام 2024، أعلن ابن سلمان عن تأسيس شركة “الأجهزة”، وهي شركة تصنيع متقدمة التزمت باستثمار 100 مليار دولار بحلول عام 2030. وفي وقت لاحق من ذلك العام، أطلقت الرياض صندوقًا استثماريًا في الذكاء الاصطناعي بقيمة ١100مليار دولار، تبعه خطة استثمارية مماثلة في المعادن الأساسية. وفي الوقت نفسه، ومع تراجع الاستثمارات في المشاريع الضخمة، كشف ابن سلمان عن خطة تنموية جديدة واسعة النطاق لخدمة الحجاج في مكة المكرمة.
قبل أسبوعين من الحملة العسكرية الإسرائيلية الأمريكية على إيران، أكد وزير المالية السعودي أن أولويات رؤية 2030 قد تغيرت بالفعل، وأنه تم إعادة توجيه الموارد من المشاريع الضخمة إلى السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ولكن بعد تعرض المملكة العربية السعودية لما لا يقل عن 916 هجومًا صاروخيًا وطائرات مسيرة إيرانية، يبدو أنها تدخل المرحلة الثالثة من الرؤية.
وبينما تجد الرياض نفسها منجذبة إلى قلب صراع إقليمي متصاعد، لم يعد بإمكانها البقاء بمنأى عن الصراع. منذ عام 2019، عندما هاجمت طائرات إيرانية بدون طيار منشآت النفط السعودية وخفضت مؤقتًا إنتاج المملكة من الطاقة، عمل بن سلمان على تجنب التصعيد الإقليمي – حيث بدأ في التهدئة مع إيران من أجل التركيز على الساحة الداخلية: لجذب الاستثمارات الأجنبية وضمان تدفق مستمر للنفط لتمويل رؤيته كثيفة الموارد.
لكن المملكة الآن لا تملك خياراً يُذكر سوى تعزيز دفاعاتها، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، والاستثمار في خطط الطوارئ، والعمل على استعادة ثقة المستثمرين. وسيتطلب تخصيص المزيد من الموارد لهذا الغرض تأجيل مبادرات أخرى من رؤية 2030. حتى قبل الحرب، كانت الرياض تُعاني من أكبر عجز في ميزانيتها منذ خمس سنوات، قبل أن تُضاف إليها ضغوط مالية إضافية. وفي الوقت نفسه، يبدو الاستثمار الأجنبي والتمويل الخاص – اللذان كان من المفترض أن يُحركا القطاعات الجديدة – أقل احتمالاً.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تُنهي هذه التحديات جهود تنويع الاقتصاد. فالحوافز لتقليل الاعتماد على النفط لا تزال قائمة، بل وتتزايد، نظراً لهشاشة وضع المملكة العربية السعودية، إذ إن ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب قد يُقلل الطلب. ولكن مع تحويل الرياض للموارد إلى الاحتياجات العاجلة، سينخفض الاستثمار في الإصلاحات الاقتصادية، مما يُطيل المدة الزمنية لتحقيق أهداف رؤية 2030.
قد تستفيد بعض المبادرات الاقتصادية من الاضطرابات الإقليمية الراهنة. فبينما تبحث الأسواق عن طرق إمداد بديلة، تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق هدفها في أن تُصبح مركزاً لوجستياً عالمياً، في منافسة مباشرة مع الإمارات العربية المتحدة. في عام 2025، عبرت أول شحنة تجريبية ميناءً جديدًا قيد الإنشاء في نيوم، مما قلل وقت العبور بين مصر والعراق إلى النصف، متجاوزًا مضيق باب المندب الذي يهدده الحوثيون. وفي منطقة الخليج، تسارعت وتيرة إنشاء مشاريع الخدمات اللوجستية في أعقاب الحصار الإيراني لمضيق هرمز. وإذا ما استمر هذا الزخم ووُجّه بحكمة، فقد تُثبت هذه الاستثمارات جدواها.
من المزايا المحتملة الأخرى لرؤية السعودية 2030 في ظل الاضطرابات الإقليمية، المنافسة الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة. تسعى الإمارات بدورها إلى تقليل اعتمادها على النفط من خلال الإصلاحات الاقتصادية. وتركز خطط أبوظبي للتنويع الاقتصادي على مجالات ترغب السعودية في تطويرها أيضاً، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم. ولكن على الرغم من تمتع أبوظبي بالعديد من المزايا التنافسية على الرياض، بما في ذلك القوى العاملة الماهرة وتاريخها الطويل في الاندماج في الاقتصاد العالمي، إلا أن بيئتها الأمنية تبدو أكثر هشاشة. فمنذ 28 شباط، تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية بمعدل يفوق معدل الهجمات في السعودية بثلاثة أضعاف. وبينما يُتوقع أن تعمل أبوظبي على الحد من تعرضها للهجمات الإيرانية من خلال توسيع استثماراتها الأمنية، فإن موقعها الجغرافي غير المواتي مقارنةً بالسعودية قد يحوّل الاستثمارات العالمية نحو الرياض.
رؤية 2030 وعواقب الحرب
يساعد التزام السعودية برؤية 2030 في تفسير سلوكها خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. على الرغم من مواردها الاقتصادية الهائلة ونفوذها الإقليمي الكبير، امتنعت المملكة العربية السعودية عن اتخاذ دور فاعل أو صياغة موقف واضح خلال الصراع، إذ ظلت تحركاتها العسكرية ضد إيران محدودة وهادئة عمدًا. واستندت سياستها بشكل رئيسي إلى تصريحات علنية تؤكد على ضرورة الاستقرار، إلى جانب نفيها المتكرر لدعم الحرب من الأساس، مع أن التقارير أشارت إلى أن بن سلمان شجع واشنطن على اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه طهران. وكانت النتيجة موقفًا حذرًا، بل ومترددًا، يهدف إلى تجنب المواجهة المباشرة مع إيران، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم الابتعاد كثيرًا عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
لكن هذا الضعف الظاهر ليس مجرد نتيجة للتردد السياسي، بل هو أيضًا نتيجة لحسابات استراتيجية دقيقة. فقد استثمرت القيادة السعودية معظم مواردها في رؤية 2030، ولذلك يُنظر إلى حرب إقليمية واسعة النطاق على أنها تهديد مباشر لمستقبل المملكة. ونظرًا لهذه القيود، اختارت الرياض سياسة توازن دقيق: تجنب المشاركة المباشرة في الصراع، والحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، والاستمرار في الاعتماد على الردع الذي يوفره التحالف مع واشنطن. رغم أن هذه السياسة قد تبدو ضعيفة من الخارج، إلا أنها من وجهة نظر سعودية تعكس محاولة للتغلب على بيئة إقليمية لا يمكن التنبؤ بها مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية والسياسية الأساسية للمملكة.
يشير اجتماع هذه الديناميكيات إلى أنه لا ينبغي الحكم على رؤية 2030 بناءً على خطابها الطموح أو نجاحاتها الفردية. فهي في المقام الأول مشروع تغيير جزئي. سياسياً ورمزياً، كانت فعّالة إلى حد كبير، إذ رسّخت السلطة وأعادت تشكيل صورة المملكة العربية السعودية عالمياً. اقتصادياً، تحقق تقدم في بعض المجالات، لكن لم يتحقق تحرر حاسم من الاعتماد على النفط. اجتماعياً، توسعت الحريات الشخصية بشكل مقيد، بينما تقلصت مساحة المشاركة والمسؤولية الجماعية.
لذا، فإن النتيجة الأرجح ليست الانهيار، بل الأداء دون المستوى المطلوب مقارنةً بالطموح. لقد أظهرت رؤية 2030 ما يمكن أن يحققه الحكم المركزي في فترة وجيزة، لكنها كشفت أيضاً عن قصور التنمية من أعلى إلى أسفل في غياب آليات التغذية الراجعة المؤسسية ورأس المال البشري الكافي. إن قدرة المملكة العربية السعودية على تجاوز هذه المعوقات لا تعتمد بشكل كبير على المشاريع الضخمة أو الحملات التسويقية، بل على استعدادها للاستثمار في الأفراد والمؤسسات والحوكمة الرشيدة بما يتجاوز الفق المستقبلي 2030.
——————————————
هآرتس 1/6/2026
في ظل التوازن الحالي للقوى في الشرق الأوسط الفلسطينيون يتكبدون خسائر فادحة
بقلم: جاكي خوري
يتابع العالم عن كثب الاتفاق الاخذ في التبلور بين الولايات المتحدة وطهران. وتطرح على طاولة المفاوضات قضايا بالغة الأهمية: مضيق هرمز، واليورانيوم المخصب، وبرنامج الصواريخ وحزب الله ولبنان، بل وحتى محاولات توسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية. يمارس دونالد ترامب ضغوطا على السعودية وقطر للمضي قدما في اتفاقيات مع إسرائيل كشرط للتوصل الى اتفاق مع ايران، في محاولة لتحقيق انجاز سياسي يخدم مصالحه ومصالح بنيامين نتنياهو. وفي خضم هذا التوافق في المصالح، يغيب عامل أساسي: الفلسطينيون.
يجب ان نتذكر ان تجاهل الفلسطينيين والاندفاع نحو التطبيع مع السعودية كان احد أسباب المجزرة المروعة التي وقعت في السابع من أكتوبر بحسب ما قال يحيى السنوار.
الحرب التي بدأت في قطاع غزة وامتدت الى لبنان وادت الى انهيار النظام في سوريا والى صراع مباشر بين إسرائيل وايران ثم لاحقا مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فان الشعب الفلسطيني، الذي دفع الثمن الاغلى، هو غائب تماما تقريبا عن النقاشات حول مستقبل المنطقة.
لقد دمر قطاع غزة تدميرا شبه كامل. وتسيطر إسرائيل حاليا على معظم أراضيه، على حوالي 60 في المئة، مع طموحات معلنة لتوسيع سيطرتها. بالنسبة لنحو مليوني شخص في القطاع، لا يوجد افق سياسي، ولا خطة لاعادة التأهل، ولا امل لتحسن جوهري في ظروفهم المعيشية.
في الضفة الغربية، الوضع مزري: تفكك مؤسسي، وتزايد في السيطرة العسكرية، وعنف استيطاني، وسلطة فلسطينية تكافح من اجل البقاء في مواجهة التوسع الاستيطاني.
كما تم تهميش الفلسطينيين في الساحة الدولية. تستغل روسيا والصين الصراع كجزء من صراعاتهما على النفوذ مع الغرب، لكنهما لا تعرضان أي افق حقيقي. ايران تركز جهودها على تحقيق مكاسب استراتيجية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. اما الرئيس الأمريكي؟ بالنسبة له، يعد التطبيع مع الدول العربية الغنية بالنفط والغاز والمال اهم بكثير من القضية الفلسطينية. ومن المشكوك فيه ان يكون التوصل الى حل سياسي، او حتى توطيد العلاقات مع مبادرة السلام السعودية من ضمن أولوياته.
في نهاية المطاف قد تخرج ايران من هذه العملية اكثر قوة من الناحية الاستراتيجية. وستواصل دول الخليج دراسة مصالحها بعناية، وكذلك مدى إمكانية اعتمادها على الدعم الأمريكي. وستستمر الولايات المتحدة وروسيا والصين في لعب دور القوى العظمى، وحتى في لبنان، هناك من يرى ان اتفاقا جديدا قد يحقق استقرارا نسبيا. اما الفلسطينيون، فهم وحدهم من سيتركون لمصيرهم.
سيظل الاستراتيجيون والخبراء يناقشون نتائج الحملة ضد ايران. وسيدرسون إنجازاتها
العسكرية والسياسية، ومن حقق النجاح على المدى القصير ومن سيجني ثمارها على المدى الطويل. لكن ثمة امر لا ينكر: في كل ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم، دفع الفلسطينيون الثمن الاغلى. هم يحظون بتعاطف دولي واسع، وقد صدمت صور الدمار العالم، لكن التعاطف والشفقة لا يحققان أي انجاز سياسي.
في النهاية: بعد عامين ونصف من الحرب والدمار والتهجير والخسائر غير المسبوقة، وجد الفلسطينيون انفسهم خارج دائرة صنع القرار ومخطط المصالح. لقد هزم الفلسطينيون.
——————————————
القناة 12 العبرية 1/6/2026
يُعدّ الاستيلاء على قلعة الشقيف ضربةً لحزب الله، وعلامة استفهام لإسرائيل
بقلم: تامير هايمن
ينبع التصعيد في الشمال من تعميق مناورات الجيش الإسرائيلي ورد حزب الله الواسع عليها. فقد سيطر الجيش الإسرائيلي على مرتفعات البوفور وزوتريم (وهو لقب يُطلق على قريتين شمال نهر الليطاني وغرب البوفور). تُعدّ هذه المنطقة الشاسعة التي يُطلق عليها حزب الله اسم “مفتاح الأمن”، وذلك على ما يبدو لأهميتها الاستراتيجية في الدفاع ضد المناورات الإسرائيلية شمالاً، فضلاً عن كونها موقعاً استراتيجياً للسيطرة على “إصبع الجليل”.
بعد 26 عاماً: إسرائيل تستولي على البوفور في لبنان
إضافةً إلى ذلك، وبناءً على طلب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، وبدعم من القيادة الشمالية، يستعد الجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق العملية باتجاه مدينة صور ووادي مرج عيون الشمالي.
من الناحية التكتيكية، تُشكّل مرتفعات البوفور منطقةً ذات أهميةٍ بالغةٍ ومهيمنة، كما أن الأهمية التي يوليها حزب الله لها تُضفي عليها قيمةً رمزيةً واستراتيجيةً. لكن يثور التساؤل: ما هو الهدف الاستراتيجي من توسيع نطاق العملية؟
يبدو أن للعملية أربعة أهداف:
- احتلال منطقةٍ انطلقت منها طائراتٌ مُسيّرةٌ مُفخّخة، وتوجيه النيران نحو قواتنا: هذا صحيح، ولكن تجدر الإشارة إلى أن إطلاق النار يتم من مناطق أخرى عديدة، ولن يُزيل هذا الاحتلال التهديد.
- الضغط على الدولة اللبنانية لتعميق الخلاف بين الدولة والتنظيم بما يدعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الجارية في واشنطن: هذا صحيحٌ أيضاً، ولكن ثمة بُعدٌ يُعرقل المحادثات، إذ بينما تجري، تتعرض الحكومة اللبنانية للإذلال أمام مواطنيها تحت وطأة الضغط العسكري الإسرائيلي.
- الضغط على إيران لإبداء مرونة في المفاوضات مع الولايات المتحدة: ترغب إيران في إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن اتفاقية التفاهم مع الولايات المتحدة (التي دخلت مرحلتها الأولى بالفعل). وقد يُؤدي تراجع نفوذ حزب الله في لبنان، وتآكل موقعه هناك، إلى خلق حالة من الاستعجال لدى إيران. تكمن المشكلة في أن إسرائيل، بفعلها هذا، تربط بين ساحتي النزاع، وهو ما يتعارض مع موقفها المبدئي القائل بأن القضية اللبنانية منفصلة عن القضية الإيرانية.
- يُعدّ هذا رد من الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي على الانتقادات الداخلية الموجهة لعدم الرد على تحركات حزب الله واستمرار إطلاق النار على الشمال، وما يُثيره ذلك من غضب وإحباط لدى المسؤولين وسكان الشمال، مما يضعهم في مأزق حقيقي. هذا مأزق يستدعي تحركًا فوريًا. ونظرًا لمحدودية قدرة إسرائيل على الرد على النيران، فإن الرد عبر المناورة هو الخيار الوحيد المتاح.
يبدو أن الحقيقة تكمن في الربط بين كل هذه الأهداف، إلا أنها لا تُقدّم حلًا طويل الأمد لمشكلة حزب الله. حتى احتلال هضبة الأنباط بأكملها، ومدينة صور، والمنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، لن يهزم التنظيم. فمراكز ثقله تقع في بعلبك وبيروت. وقدراته الصاروخية بعيدة المدى منتشرة في عمق لبنان. أما بالنسبة للطائرات المسيّرة المتفجرة، فكلما وُجدت كثافة سكانية، وُجدت إمكانية إنتاج وإطلاق هذه الطائرات الفتاكة.
تكمن مشكلة أخرى في الحفاظ على الأراضي المحتلة. حزب الله ضعيف بالفعل وغير قادر على الصمود أمام مناورات الجيش الإسرائيلي. حتى لو قاوم، وحتى لو تمكن من إلحاق الضرر بقواتنا، فلن يستطيع إيقاف المناورة. تبدأ المشكلة بعد سيطرتنا على الأراضي. فالحفاظ عليها يتطلب وجودًا عسكريًا كبيرًا، والانسحاب منها غير واقعي قبل الانتخابات في إسرائيل. من الصعب تصور انسحاب الحكومة الإسرائيلية من لبنان مقابل مذكرة تفاهم مع الحكومة اللبنانية الضعيفة. بعبارة أخرى، تُعد الأراضي المحتلة مكسبًا تكتيكيًا على المدى القصير، لكنها عبء عملياتي على المدى الطويل. ما لم يتم التوصل إلى اتفاق ينسحب بموجبه الجيش الإسرائيلي مقابل تفكيك حزب الله من خلال قوة أمريكية تُساعد الجيش اللبناني وتحت إشراف دولي. من الصعب تصديق التوصل إلى مثل هذا الاتفاق قريبًا. الرئيس الأمريكي منشغل تمامًا بالحرب في إيران، وانتخابات التجديد النصفي، وأفكاره وخططه لتغيير النظام في كوبا. لبنان متأخر جدًا في أولوياته.
وختامًا، يجب أن تُدار المعركة في لبنان ضمن إطار استراتيجي يُحدد كيفية نزع سلاح حزب الله. هذه عملية طويلة، وتتضمن استعدادًا للانسحاب من لبنان مقابل عملية سياسية ذات مصداقية. ولا ينبغي توسيع نطاق المناورة إلا كنتيجة طبيعية لهذا الاعتبار، مع مراعاة العبء المتوقع على جنود الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط. يجب تحسين الاستجابة لتهديد الطائرات المسيّرة، واستثمار الأموال في إعادة إعمار الشمال، وتجنب جرّها إلى عمق الأراضي اللبنانية لأغراض غير عملية.
كما يجب أن تُقال الحقيقة للرأي العام: لن يتحقق نزع سلاح حزب الله إلا من خلال مزيج من العمل السياسي والجهد العسكري. سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا، وحتى مع ذلك لن يُزيل تهديد حزب الله تمامًا. ما دام النظام الإيراني قائمًا، ويرى في وجود الحزب مصلحة إيرانية حيوية، ستُشكّل إيران تهديدًا لإسرائيل في الساحة الشمالية.
——————————————
يديعوت احرونوت 1/6/2026
معضلة الشقيف
بقلم: رون بن يشاي
سمعنا رئيس الوزراء مناحيم بيغن يسأل وزير الدفاع أرييل شارون: “هل لديكم رشاشات؟”. وكما حدث بالأمس، استولت قوات لواء جولاني على بالوفور، لكن حينها كان هناك عناصر من منظمة التحرير الفلسطينية – وبالتحديد عناصر من حركة فتح بقيادة ياسر عرفات. في أيار 2000، عندما انسحب الجيش الإسرائيلي على عجل بعد انهيار جيش لبنان الجنوبي في المنطقة الأمنية، فجّر مقاتلو الجيش الإسرائيلي أنفاق الموقع الذي كان يسيطر على البوفور. عندما سألتهم عن سبب تفجيرهم للموقع الصليبي، أجابوا: “حتى لا يستقر حزب الله هنا”. وهكذا استقر حزب الله، وفي نهاية الأسبوع الماضي اضطر الجيش الإسرائيلي إلى احتلال الموقع مرة أخرى.
إن هذه الإشارة إلى التاريخ مهمة لوضع ما يحدث اليوم في سياقه الصحيح. فرغم أن نتنياهو يفهم الشؤون العسكرية أفضل من بيغن، إلا أن هذا لا يمنعه من التباهي بإنجاز تكتيكي لا يُسهم في حل المشكلة الاستراتيجية الحقيقية: تهديد حزب الله لشمال إسرائيل.
إن احتلال مرتفعات البوفور والجزء الشرقي من هضبة النبطية يزيل خطر النيران، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، عن منطقة إصبع الجليل، وخاصةً عن منطقة المطلة. في هضبة النبطية، بنى حزب الله العديد من المنشآت العسكرية، معظمها تحت الأرض، والتي استُخدمت لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وقذائف الهاون والطائرات الحوامة على كامل المنطقة الشمالية، بينما كانت هذه المنشآت بمنأى عن النيران الجوية نظرًا لموقعها المخفي. تُظهر الصور التي نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، والتي تهدف إلى رفع الروح المعنوية، بوضوح وجود قواعد لحزب الله في كل قرية تقريبًا في المنطقة – بما في ذلك أرنون وزوطر الشرقية والغربية – مُجهزة بالأسلحة والعبوات الناسفة المتطورة، بالإضافة إلى شحنات مُصممة للانفجار على القوات عند اصطدامها بالصخور، والعديد من الوسائل الأخرى. وقد أتاحت مرتفعات البوفور مراقبة وتوجيه النيران لجميع المستوطنات في الجليل.
في هذا السياق، يُعزز احتلال المنطقة الأمن ويُصعّب عمليات حزب الله، ولكنه يضع إسرائيل والجيش الإسرائيلي في مأزق. إذا بقينا هناك، فسيتكرر تاريخ حرب الاستنزاف. لكن هذه المرة، على عكس السنوات الدامية التي قضيناها في المنطقة الأمنية، لا يوجد لدينا جيش جنوب لبناني ليشارك الجيش الإسرائيلي المهمة. والجيش الإسرائيلي، كما نعلم، منتشر حاليًا في ثلاث جبهات عمليات على الأقل، ويعاني من نقص يزيد عن عشرة آلاف مقاتل.
الخيار الآخر هو الانسحاب من المنطقة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، كما هو الحال في خريف عام 2024، وعندها سيعود حزب الله إلى هناك ويستأنف إطلاق النار كما يفعل الآن. في الواقع، ما يحدث اليوم يشير إلى أن هذا ما سيحدث – إطلاق النار باتجاه نهاريا وعكا دليل على ذلك.
هناك مشكلة أخرى: في عام 1982، خلال حرب لبنان الأولى، دخل الجيش الإسرائيلي لبنان على عدة جبهات، بسبع فرق، ووصل سريعًا إلى بيروت. كانت منظمة التحرير الفلسطينية في حالة فوضى، وبعد حصار قصير لغرب العاصمة، وافقت على الخروج الى المنفى. هذه المرة، وبسبب القيود التي فرضها الرئيس ترامب على نتنياهو، يتحرك الجيش الإسرائيلي ببطء شديد، متجاوزًا أي عقيدة هجومية عسكرية. تُنفذ العملية على محور واحد، ببطء، بطريقة تسمح لحزب الله بإعادة التجمع ضدنا وإلحاق خسائر فادحة بنا في كل مرة. هذه هي حرب الاستنزاف، وليست حملة هجومية تنتهي بنصر حاسم. كان نتنياهو محقًا عندما قال: “سيستغرق الأمر وقتًا”. تكمن المشكلة في أن هذا الوقت، في ظل الظروف الراهنة، حيث لا يملك الجيش الإسرائيلي ردًا على الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف الضوئية أو حتى على الصواريخ قصيرة المدى، يعني ثمنًا باهظًا وإنجازًا لـ”الصمود ” المستمر لحزب الله. يتطلب هذا التهديد استجابة استراتيجية مستقرة طويلة الأمد، وليس إنجازات تكتيكية، والتي ستتلاشى حتمًا في وقت قصير إذا لم يتم ترسيخها.
——————————————
معاريف 1/6/2026
إسرائيل تُجرّ إلى حرب استنزاف في لبنان
بقلم: افي اشكنازي
يُعدّ الاستيلاء على البوفور إنجازًا تكتيكيًا باهرًا، لكن إسرائيل تُجرّ إلى حرب استنزاف في لبنان، لا تلوح لها نهاية في الأفق.
لم يوقع الأمريكيون والإيرانيون بعدُ اتفاقًا طويل الأمد لوقف إطلاق النار، أو اتفاقًا لإنهاء الحرب، لكن إسرائيل بدأت تُدرك أن الحملة في إيران لم تُحقق النتائج المرجوة. يوم الأحد، قدّمت مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ادعاءاتٍ مفادها أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يمنح صلاحيات كاملة للعمل ضد إيران، وعرقل أجزاءً من الخطط العسكرية وخطط الموساد، بما في ذلك مهاجمة خزانات النفط والغاز ومحطات توليد الطاقة ومحطات تحلية المياه في إيران.
كما زُعم أن ترامب، تحت ضغط من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم نائب الرئيس ج. د. ومستشاره المقرب ستيف ويتكوف، أوقف عملية الجيش الكردي في إيران. هذا جيشٌ بُني على مرّ السنين من قِبل الولايات المتحدة والموساد الإسرائيلي، وكان من المفترض أن يقود المعركة ضد الحرس الثوري في إيران ويُسقط النظام.
لكن بدأت الانتقادات تُسمع بالفعل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن تحقيق أهداف الحرب. قال مصدر عسكري: “على مدى أربعين يومًا، زُوّد الموساد بكل القوة النارية التي طلبها. وتلقّى استجابةً عملياتيةً لكل ما حلم به وتخيّله. عندما طلبوا فتح النار على
نقاط تفتيش الباسيج، تمّ ذلك. لم تكن هناك نقطة تفتيش أو مقرّ قيادة أشاروا إليه، ولم يتم تدميرها. ولكن ماذا؟ أين النتيجة الموعودة؟ أين تفكيك النظام؟”
في غضون ذلك، تحاول القيادة السياسية الإسرائيلية تقديم صورةٍ ما للنصر في لبنان. ومع دخول الجيش الإسرائيلي شهره الرابع من حرب “زئير الأسد” وحرب “وقف إطلاق النار”، فإنّ الاستيلاء على البوفور ليس سوى حدثٍ تكتيكي.
كما قال ضابط رفيع في الجيش الإسرائيلي: “دعونا نضع الأمور في نصابها. في النهاية، سيطرنا على تلة أخرى. الآن، لا نستطيع القيام بالخطوات التي نرغب بها. هناك خطط، لكن لا يوجد تفويض للعمل. نحاول السير على حافة الهاوية بين ما يوافق عليه الأمريكيون ضمنيًا وما يمنعونه ويقيدوننا”.
يقول الجيش الإسرائيلي إن السيطرة على البوفور لا تهدف إلى تغيير الوضع في لبنان، رغم أنها إنجاز مؤلم لحزب الله. وقد كثّف حزب الله في الأيام الأخيرة قصفه على إسرائيل، انطلاقًا من فهمه أن هذا التصعيد يهدف إلى تعزيز موقعه داخل لبنان باعتباره الطرف الذي يواصل الحرب ضد الجيش الإسرائيلي. في الوقت نفسه، يحاول حزب الله ممارسة ضغوط للانضمام إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، أي لإجبار الأمريكيين إسرائيل على وقف القتال في لبنان.
وتُجرّ إسرائيل حاليًا إلى حرب استنزاف في لبنان. هذه حرب تُشنّ فوق رؤوس سكان الشمال، وتُكبّد الجيش الإسرائيلي خسائر فادحة في الأرواح والجرحى، فضلاً عن استنزاف القوات النظامية والاحتياطية. لكن الصعوبة الرئيسية تكمن في غياب استراتيجية سياسية.
—————-انتهت النشرة—————–

