المسار : في التجربة الألبانية دلالات هامة، أولها يتصل بمفهوم الوطن/البلاد بوصفها حيز الذاكرة والحنين والتاريخ وسيرة الشعب على جماعاته. هنا، في هذا الموضع، رفض الألبان أن يصير وطنهم الذي يحمل كل هذه المعاني عقارًا يُباع للأثرياء.
أربعة أسابيع كاملة استمرت التظاهرات الشعبية في تيرانا، العاصمة الألبانية، احتجاجًا على بيع الحكومة جزيرة سازان في البحر الأدرياتيكي لصهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنير، وزوجته. أربعة أسابيع كاملة ظل الناس في الشوارع والساحات يؤكدون رفضهم لبيع جزء من وطنهم لتاجر العقارات، بصفته المعلنة، أو لممثل المؤسسة الأميركية ومخابراتها ومشاريعها، بصفته غير المعلنة. نضيف هذا في ضوء حقيقة أن الجزيرة المقصودة إنما تطل وتسيطر على المنفذ البحري الوحيد بين البحر الأدرياتيكي والبحر المتوسط. وهو ما يجعلني ويجعل آخرين يتجاوزون الحديث عن تحويلها إلى جزيرة سياحية في موقع بحري مثالي، والنظر مباشرة في عيني القائلين به. وكان رئيس الحكومة الألبانية قد نفى بداية أن الجزيرة بيعت لكوشنير، لكنه عاد واعترف، مدعيًا أنه رأى في الصفقة فرصة استثمارية لبلاده تستقدم المال ومصدر الرزق للمستفيدين من الألبان.
إلا أن حسابات القرايا ظلت مصرة على الرفض الحازم لهذا المشروع المشبوه. وكانت النتيجة أن اضطرت هيئة مكافحة الفساد في ألبانيا إلى التدخل عبر فحص مستندات المشروع وعقد بيع الجزيرة وشروطه، لتخلص إلى استنتاج أن العقد تم من خلال تجاوزات قانونية. وهذا بدوره ما اضطر الحكومة إلى إبلاغ كوشنير ومن معه أن الصفقة لاغية. وهو ما أعلنته مصادر صحافية استنادًا إلى مصادر ألبانية. وسنعتبر إلغاء الصفقة إنجازًا للشعب الألباني الذي رفض بيع قطعة من وطنه كأصول عقارية. وقد يكون هذا الإنجاز مدخلًا جيدًا لإسقاط الحكومة ومنع انزلاق ألبانيا بناسها وأرضها وثرواتها، لا سيما البحر والشواطئ والجزر، إلى فخ النيوليبرالية كما تتجسد في مشاريع كوشنير وأمثاله.
في التجربة الألبانية دلالات هامة، أولها يتصل بمفهوم الوطن/البلاد بوصفها حيز الذاكرة والحنين والتاريخ وسيرة الشعب على جماعاته. هنا، في هذا الموضع، رفض الألبان أن يصير وطنهم الذي يحمل كل هذه المعاني عقارًا يُباع للأثرياء. وهي تعبير عن تمسك الناس بحقهم في الوطن، وهو حق يريد الأثرياء والأقوياء أن يصادروه كي تصير الأمكنة أصولًا عقارية تُباع لمن يدفع، ويتم تغيير استعمالها. فلا تعود أمكنة للناس كي يعيشوا وفق إرادتهم وخياراتهم، بل أمكنة يمتلكها هذا أو ذاك ويسخرونها لغاياتهم. وقد تصير “جزيرة” يُحرم منها أصحابها ويتم ترحيلهم منها إلى مصائرهم. وعلى الجهة المقابلة يقف أثرياء العالم مستغلين كل فرصة للانقضاض على حقوق المجتمعات والشعوب عبر قوة المال. وقد يرفقونها بقوات من المرتزقة أو جيوش وطنية تعمل لصالح القطاع الخاص، كما هو الجيش الأميركي في الخليج، أو جيش دولة الإمارات والمرتزقة في السودان واليمن وسواهما. والأمر اللافت هنا أن كوشنير قد يكون غطاء لجهات أخرى. وعادة ما كان الاقتصاد غطاء لجهات استخباراتية. وكان قصده وضع اليد على “بوابة” بين البحرين لتؤول ملكيتها أو استخداماتها لاحقًا إلى جهات أخرى غير سياحية.
تأخذنا تجربة ألبانيا هذه إلى الإقليم، حيث يحاول الأثرياء، مجسدين بترامب، استغلال الأزمات لجني المكاسب وامتلاك أصول والاستفادة من الصعود والهبوط في أسعار الأصول والأسهم في البورصات. لقد علمتنا نعومي كلاين أمرًا أو اثنين عن نهج الرأسمال في استثمار الأزمات والكوارث لجني الأرباح ووضع اليد على أصول، لا سيما الأمكنة والعقارات. وهنا، قد يكون نشاط كوشنير هذا وضع اليد على موقع استراتيجي بمال خاص. وهو ما يمكن أن يكون ضمن منهجية الرأسمال المعولم في تجاوز الدول والحكومات وامتلاك قدرات استراتيجية خاصة به.
على أي حال، في التجربة الألبانية ما يبعث على الأمل بأن الشعوب لا تزال قادرة. أو أن الشعب الألباني نجح حيث فشلت شعوب أخرى. سيقول لنا الآن مناصرو النيوليبرالية بصيغتها المتوحشة إن التجربة في ألبانيا استثناء، وإن الأمور كلها في أيدي الرأسمال المعولم ومن أسماهم يانيس فاروفاكيس “سادة السحاب” من أصحاب شركات الخوارزميات الكبرى، ممن حولوا الناس إلى “أقنان سحابيين” – كما أسمانا نحن مستخدمي الخوارزميات في كتاب آخر له ينتقد فيه هيمنة هذه الشركات وهذا النوع من الرأسمال، ليس على مصائر الناس فحسب، بل على وعيهم أيضًا، وحولهم إلى تابعين يربطون حياتهم بالخوارزميات ويذهبون للنوم أو لا يذهبون. المهم أن الشعب الألباني استطاع، رغم كل هذا وذاك، أن يعيد لبلاده معنى الوطن الذي لا يُباع. ليذكرنا ويذكر الذين باعوا والذين يبيعون الآن، في الخليج ولبنان وفلسطين وسائر الإقليم.

