تحت رعاية اتحاد الشباب الأوروبي الفلسطيني.. ندوة تؤكد تصاعد تأثير حركة المقاطعة في عزل الاحتلال الإسرائيلي دوليًا

المسار :أكد مشاركون في ندوة سياسية نظمها اتحاد الشباب الأوروبي الفلسطيني بالتنسيق مع اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا أجمع، أن حركة مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي وسحب الاستثمارات منه وفرض العقوبات عليه (BDS) باتت تشكل إحدى أبرز أدوات النضال الشعبي العالمي، بعد نجاحها في توسيع دائرة العزلة السياسية والاقتصادية والأكاديمية والثقافية المفروضة على الاحتلال، وتعزيز التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

وشهدت الندوة، التي افتتحها رئيس اتحاد الشباب الأوروبي الفلسطيني أحمد الطيب، مشاركة واسعة من ناشطين وممثلين عن الجاليات الفلسطينية في أوروبا، إلى جانب مداخلة رئيسية لأحد مؤسسي حركة المقاطعة عمر البرغوثي، تناول فيها تطور الحركة، وأبرز إنجازاتها، والتحديات التي تواجهها في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني.

المقاطعة أداة نضالية وليست موقفًا رمزيًا

وفي كلمته الافتتاحية، أكد أحمد الطيب أن المقاطعة لم تعد مجرد وسيلة احتجاج، بل أصبحت شكلاً من أشكال المقاومة المدنية السلمية التي تعكس وعي الشعوب والتزامها بقيم العدالة وحقوق الإنسان.

وأشار إلى أن الندوة تأتي في مرحلة تشهد تصاعدًا غير مسبوق لمحاولات طمس الحقيقة بشأن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، مؤكدًا أن المقاطعة أثبتت قدرتها على التأثير في الرأي العام العالمي والضغط على المؤسسات والحكومات لاتخاذ مواقف أكثر جدية تجاه الاحتلال.

الاحتلال يعتبر حركة المقاطعة “خطرًا وجوديًا”

من جانبه، استعرض عمر البرغوثي مسيرة حركة المقاطعة منذ إطلاق ندائها الرسمي عام 2005، مشيرًا إلى أن الاحتلال الإسرائيلي صنّف الحركة منذ عام 2014 باعتبارها “خطرًا استراتيجيًا”، قبل أن يصفها لاحقًا بأنها “خطر وجودي”، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي باتت تمثله.

وأوضح البرغوثي أن الاحتلال ينظر إلى الحركة باعتبارها تهديدًا حقيقيًا لأنها استطاعت توحيد مختلف مكونات الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاته السياسية والنقابية والشعبية، تحت مظلة واحدة تستند إلى القانون الدولي والحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

وأضاف أن الحركة لا تتبنى برنامجًا سياسيًا محددًا يتعلق بشكل الحل النهائي، وإنما تركز على ثلاثة حقوق أساسية تحظى بإجماع وطني فلسطيني، وهي:

إنهاء الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

تفكيك نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).

ضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم وفق القانون الدولي.

وأكد أن هذا الإجماع الوطني منح الحركة شرعية واسعة وجعلها تمثل الصوت الفلسطيني الجامع أمام الحكومات والمؤسسات الدولية.

استراتيجية تقوم على القانون الدولي

وأشار البرغوثي إلى أن أحد أهم أسباب اعتبار الاحتلال للحركة خطرًا يتمثل في اعتمادها على القانون الدولي وخطاب حقوق الإنسان، ما يجعلها قادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة قانونية وأخلاقية يصعب مواجهتها بالدعاية السياسية التقليدية.

وأوضح أن الاحتلال يرى في المطالبة بالحقوق الفلسطينية الثلاثة تهديدًا مباشرًا لمشروعه الاستعماري، ولذلك خصص موازنات ضخمة لمحاربة الحركة على المستويات السياسية والإعلامية والقانونية والأمنية.

بناء القوة الشعبية من القاعدة إلى القمة

وأكد البرغوثي أن فلسفة حركة المقاطعة تقوم على بناء القوة الشعبية تدريجيًا، من القاعدة إلى القمة، بحيث يبدأ التأثير من المجتمع المدني قبل أن يصل إلى البرلمانات والحكومات وصناع القرار.

وقال إن الحركة لم تراهن يومًا على الحكومات وحدها، وإنما ركزت على تعبئة المجتمعات والنقابات والجامعات والمؤسسات الثقافية، وهو ما أسهم في دفع عدد متزايد من الحكومات لاتخاذ خطوات عملية ضد الاحتلال.

إنجازات سياسية ودبلوماسية

وتطرق البرغوثي إلى أبرز النجاحات التي حققتها الحركة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن عدة دول أوروبية بدأت تتخذ خطوات لتقييد التعاون العسكري مع الاحتلال، من بينها إسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا، إضافة إلى مواقف اتخذتها دول أخرى استجابة للضغط الشعبي.

كما أشار إلى قرار ماليزيا منع السفن المتجهة إلى الاحتلال من استخدام موانئها، وقرار كولومبيا وقف تصدير الفحم إلى الاحتلال، باعتبارهما من أبرز النجاحات التي جاءت نتيجة تصاعد حملات المقاطعة.

خسائر اقتصادية وانسحاب شركات كبرى

وأوضح البرغوثي أن الحركة حققت نجاحات اقتصادية ملموسة، كان أبرزها انسحاب شركات عالمية من السوق الإسرائيلية بعد تعرضها لضغوط شعبية وخسائر مالية كبيرة.

وأشار إلى شركة فيوليا الفرنسية التي انسحبت من مشاريعها المرتبطة بالاحتلال بعد خسارة عقود تجاوزت قيمتها 20 مليار دولار، إضافة إلى انسحاب شركات أخرى مثل G4S وCRH، فضلًا عن قيام صندوق الاستثمار السيادي النرويجي بسحب استثماراته من عدد من المؤسسات الإسرائيلية تحت ضغط النقابات ومنظمات المجتمع المدني.

توسع المقاطعة الأكاديمية والثقافية

وأكد البرغوثي أن العدوان على قطاع غزة ساهم في اتساع المقاطعة الأكاديمية والثقافية بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد الحراك الطلابي في الجامعات الأمريكية والأوروبية.

وأوضح أن عددًا من الجامعات الأوروبية بدأ مراجعة أو إنهاء علاقاته مع الجامعات الإسرائيلية بسبب دورها في دعم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

كما أشار إلى انضمام أكثر من 5500 فنان ومخرج وممثل إلى المقاطعة الثقافية، بينهم حاصلون على جوائز أوسكار، إضافة إلى تراجع كبير في نسب مشاهدة مسابقة يوروفيجن، ومقاطعة عدد من هيئات البث الأوروبية للمسابقة احتجاجًا على مشاركة الاحتلال.

نجاحات في المجال الرياضي

ولفت البرغوثي إلى أن الحركة حققت أيضًا اختراقات في المجال الرياضي، مشيرًا إلى نجاح حملات المقاطعة في إنهاء مشاركة فريق يحمل اسم الاحتلال في بطولات دولية لسباقات الدراجات الهوائية، بعد تعرضه لضغوط جماهيرية متواصلة.

الإبادة في غزة غيّرت الرأي العام العالمي

وأكد البرغوثي أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة شكّل نقطة تحول كبيرة في الرأي العام العالمي، معتبرًا أن ما يجري يمثل أول “إبادة جماعية متلفزة” يشاهدها العالم بشكل مباشر.

وأوضح أن الأجيال الشابة في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا أصبحت أكثر دعمًا للحقوق الفلسطينية، بعدما تمكنت من متابعة الأحداث مباشرة بعيدًا عن الرواية التقليدية للإعلام الغربي.

وأشار إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت تراجعًا ملحوظًا في صورة الاحتلال حتى داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك بين فئات من اليهود الأمريكيين، وهو ما اعتبره مؤشرًا على نجاح الحركة في تغيير المزاج العام العالمي.

الاحتلال يصعّد حملته ضد حركة المقاطعة

وفي ختام مداخلته، أكد البرغوثي أن الاحتلال يواصل تخصيص مئات ملايين الدولارات لمحاربة حركة المقاطعة، عبر حملات إعلامية وقانونية واستخباراتية، في محاولة للحد من اتساع تأثيرها عالميًا.

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب توسيع حملات المقاطعة في مختلف القطاعات، وتعزيز العمل الشعبي والحقوقي، باعتبار أن المقاطعة أصبحت إحدى أهم أدوات النضال الفلسطيني والدولي في مواجهة الاحتلال والاستعمار الاستيطاني.

واختُتمت الندوة بنقاش موسع مع المشاركين، الذين أكدوا ضرورة مواصلة تطوير حملات المقاطعة في أوروبا والعالم، وتعزيز التنسيق بين الجاليات الفلسطينية والمؤسسات المتضامنة، بما يسهم في زيادة الضغوط الدولية على الاحتلال ودعم الحقوق الوطنية الفلسطينية.

Share This Article