كتب رامي منصور : المونديال… بزنس وسياسة

المسار : تحولت هذه الرياضة الشعبية من فرق الأحياء والمنظمات الاجتماعية إلى فرق تبلغ ميزانياتها مليارات الدولارات، بملكية أثرياء العالم. لم تعد هذه الرياضة ملكًا للشعوب، بل صارت “بزنس” بعدما جرى تسليعها وتحويلها إلى سيرك…

لا شكّ في أن منتخب مصر تعرّض للإجحاف والظلم التحكيمي في مباراته مع الأرجنتين، لكن أداءه كان بطوليًا واحترافيًا جدًا، واستطاع مرة أخرى توحيد وجدان العرب كما حصل في مونديال قطر عام 2022. وشرعت خسارة مصر والأخطاء التحكيمية الباب أمام اتهامات لـ”فيفا” بأنها دبّرت مؤامرة لفوز ميسي، إلا أن الحديث عن مؤامرة مبالغ فيه ولا يمكن إثباته، لكن اعتبارات السياسة والمال تختلط في مسابقة بهذا الحجم.

مسألة المال واضحة؛ فقد تحوّلت الرياضات الشعبية، مثل كرة القدم، إلى سوق للاستثمار في المواهب الكروية، وتُصرف على العقود معها مليارات الدولارات، لكنها في المقابل تشكّل مصدر دخل كبيرًا من تنظيم العروض – المباريات – وبيع المنتجات والإعلانات، حتى إن اللاعبين أنفسهم يتحولون إلى سلع للبيع في سوق الإعلانات والرعايات.

تحوّلت هذه الرياضة الشعبية من فرق الأحياء والمنظمات الاجتماعية إلى فرق تبلغ ميزانياتها مليارات الدولارات، بملكية أثرياء العالم. لم تعد هذه الرياضة ملكًا للشعوب، بل صارت “بزنس” بعدما جرى تسليعها وتحويلها إلى سيرك، ولا يفوت الصحافة الرياضية أن تستخدم مثل هذه المصطلحات، مثل “سيرك كروي”.

هذا عالمنا اليوم؛ يجري فيه تسليع كل شيء ليباع للناس، وإغواء قلوبهم وإفراغ جيوبهم. فإلى جانب السيرك الكروي، صارت هناك سياحة رياضية عالمية لمشاهدة مباراة لـ”برشلونة” أو “ريال مدريد” مثلًا، بتكاليف متاحة للميسورين وليس لعموم الناس، كما صارت هناك سوق سوداء لبيع التذاكر، وتذاكر مزيفة مثل تزوير الأوراق النقدية. أصبحت مشاهدة مباريات الكبار طقسًا مكلفًا جدًا، لكنها “لحظة من العمر”.

ماذا تبقّى من هذه الرياضة الشعبية؟

كان بيليه ومارادونا، في زمن آخر، نجمين شعبيين، فقيرين مثل عامة الناس. فحيثما تتجول في أحياء نابولي الفقيرة تجد لوحات تخلّده، لكن تحتها تنتشر بسطات شعبية تبيع مجسمًا صغيرًا لمارادونا بخمسة يوروهات. مصدر دخل للفقراء، لكنّ ذلك أيضًا تحوّل أيضًا إلى سلعة.

في زماننا، كان خروج ميسي من المونديال سيتسبب بخسارة سوق الإعلانات مليارات الدولارات، وكذلك سوق المراهنات.

فقد قدّرت “فيفا” أن مدخولاتها من المونديال الجاري قد تصل إلى 11 مليار دولار من حقوق البث والإعلانات وبيع التذاكر والاستضافة، أي بزيادة 4.5 مليارات دولار عن مونديال قطر.

أما على مستوى السياسة، فأول ما يُذكر هو ما سُمّي بفضيحة خيخون في مونديال إسبانيا عام 1982، عندما تواطأ منتخب ألمانيا الغربية مع منتخب النمسا، وقدّما مباراة هزلية انتهت بفوز ألمانيا (1-0)، ليتأهلا معًا إلى الدور الثاني، مقابل إقصاء المنتخب الجزائري، الذي كان متساويًا معهما في النقاط.

وكان التآمر على الجزائر بين فريقين أوروبيين ضد فريق عربي أفريقي، على اعتبار أنه لا يستحق التأهل إلى مراحل متقدمة في مسابقة يجب أن تبقى أوروبية.

في المقابل، أعادت المنتخبات العربية، وفي مقدمتها مصر والمغرب، إحياء النفس القومي لدى الناس من المحيط إلى الخليج، ليس من باب التعاطف، بل من باب الانتماء إلى العروبة، حتى في مباراة ضد ميسي.

وكذلك فإن سعي الدول وإنفاقها عشرات المليارات لاستضافة المونديال هدفه سياسي، باعتبار أن كرة القدم ساحة نفوذ.

إذن، تحوّلت الرياضة الشعبية إلى سوق استثمار ونفوذ، وتحوّل “الأساطير” الكرويون من أبطال شعبيين إلى أثرياء جدد، إلّا أنّهم محض سلع.

Share This Article