المسار: استيقظ الإسرائيليون أمس على مشهد بدا وكأنه مقتطع من فيلم “يوم الجرذ الأرضي” (Groundhog Day)، حيث يستيقظ البطل كل صباح ليجد نفسه يعيش اليوم ذاته من جديد؛ وهكذا استيقظ الإسرائيليون على صيف عام 1982 من جديد: صور العلم الإسرائيلي ترفرف فوق قلعة الشقيف، وعناوين احتفالية تتغنى بـ”الاحتلال” و”الإنجاز”. ولزيادة المفارقة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خلال مراسم إحياء ذكرى قتلى حرب لبنان الأولى أن “مقاتلينا احتلوا الشقيف مرة أخرى وسيبقون فيها”. تمر العقود، لكن الدروس تبدو عصية على التعلّم.
إذا لم تُستبدل هذه الحكومة بنهج سياسي مختلف فعلاً، فقد يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام إعادة إنتاج مؤلمة لسنوات الاستنزاف التي سبقت الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000. مزيد من بيانات “سُمح بالنشر” عن مقتل المزيد من الجنود، والمزيد من الشبان الذين يدفعون ثمن الإيمان الأعمى بعقيدة القوة. فبعد كل هذه السنوات، لا يزال هناك من يعتقد أن المزيد من القوة العسكرية كفيل بحل كل شيء، رغم أن التجارب المتراكمة تشير إلى العكس، خصوصاً حين تكون القوة منفصلة عن أي أفق سياسي.
وحتى المواجهة الأخيرة مع إيران، التي شلت الحياة اليومية وأوقعت ضحايا مدنيين، لم تحقق الأهداف التي رُوّج لها: لم تُسقط النظام الإيراني، ولم تُنهِ البرنامج النووي، ولم تُزل تهديد الصواريخ الباليستية. بل إن كثيرين يرون أنها منحت طهران حافزاً إضافياً لمواصلة مشروعها النووي. وفي غزة ما تزال شعارات “القضاء على حماس” و”النصر المطلق” تنتظر التحقق، فيما لم تُثمر سياسة الاعتماد على القوة وحدها سوى مزيد من الضحايا ومزيد من الانتقادات الأخلاقية والسياسية. وحتى العملية الشهيرة الخاصة بأجهزة النداء “البيجر” ضد حزب الله، والتي أثارت موجة من الفخر في إسرائيل، لم تُنهِ في نهاية المطاف المخاوف الأمنية لسكان الشمال.
ماذا يلزم أيضًا كي يدرك شعبُ “الحروب الأبدية” أن الوصول إلى نتائج مختلفة يقتضي سلوك طريق مختلف؟ فالتاريخ لا يعيد نفسه إلا عندما لا يُبذل أي جهد لإخراجه من الحلقة المفرغة العالق فيها.
ولكي تعيد إسرائيل لسكان الشمال حياةً طبيعية، كان عليها أن تستغل الفرصة النادرة التي أتاحتها الحرب مع إيران، وأن تسعى إلى اتفاق سياسي مع الحكومة اللبنانية يضع تسوية نهائية لمسألة الحدود بين البلدين. فمثل هذا الاتفاق كان من شأنه أن يكشف المصالح الحقيقية لـ حزب الله بوصفه تنظيمًا مرتبطًا بولاءات خارجية، بعدما وقف إلى جانب إيران في الحرب، وأن يُضعف شرعيته في نظر الرأي العام اللبناني. كما كان سيعزز مكانة الحكومة اللبنانية ويقوي حضورها السياسي.
لكن ماذا يحدث في “دولة العبث”؟ إسرائيل ترفض المبادرة، وتحتل أجزاء من لبنان، وتقتل مدنيون، فتكون النتيجة تحقيق أمرين سلبيين في آن واحد: أولًا، تعزيز موقف إيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة من خلال مطالبتها بربط الملفات الإقليمية بعضها ببعض وعدم التخلي عن علاقاتها بحلفائها ووكلائها في المنطقة. وثانيًا، منح حزب الله فرصة أكبر لتقديم نفسه حاميًا للسيادة اللبنانية على حساب الدولة اللبنانية نفسها. وهكذا تمنح إسرائيل، مرة أخرى، شرعية لتنظيم مسلح بدل أن تعزز القوى الأكثر اعتدالًا، تمامًا كما فعلت في تعاملها مع حماس والسلطة الفلسطينية.
لو اختير مسار مختلف، لربما استيقظ الإسرائيليون يومًا على صباح جديد، تعمل فيه إسرائيل على دفع حل للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فتسد الفراغ الذي تستغله القوى المرتبطة بإيران. عندها كانت الشراكة مع الدول العربية المعتدلة ستزداد متانة، وكانت إيران ستبقى أضعف وأكثر عزلة، وكذلك حلفاؤها في غزة ولبنان.
لكن إسرائيل لم تتحرر من التصورات التي قادتها إلى السابع من أكتوبر، ولم تتخلص من نشوة القوة. ولهذا، ستستيقظ غدًا مرة أخرى على كابوس الأمس. المهم ألا تقوم دولة فلسطينية. المهم ألا يتحقق السلام.