كتب أحمد رياض أبو حليمة : في اليوم العالمي لمهارات الشباب ..طاقاتٌ عابرة للحدود وقهر المستحيل: مهارات الشباب الفلسطيني من ركام غزة إلى أقاصي الشتات

المسار : يصادف الخامس عشر من تموز/يوليو من كل عام اليوم العالمي لمهارات الشباب، وهو اليوم الذي يقف فيه العالم لتقييم جهوده في تمكين الأجيال الشابة وتزويدهم بأدوات المستقبل لكننا في فلسطين، وتحديداً في قلب المعاناة في قطاع غزة، لا نحيي هذا اليوم كبقية شعوب الأرض؛ بل نحييه كوقفة عزٍّ وإصرار، نؤكد من خلالها أن الاستثمار في الشباب الفلسطيني ليس خياراً ثانوياً، بل هو حجر الأساس لإعادة بناء ما دمره الاحتلال، وهو الاستثمار الحقيقي في مستقبل فلسطين وحريتها.

إن مهارات الشباب الفلسطيني ليست مجرد مؤهلات تُكتب في السير الذاتية، بل هي أدوات بقاء، ورافعات نضال، وجسور عبور نحو الحرية والعودة من غزة المحاصرة بالحديد والنار، إلى القدس والضفة المقيدتين بالجدران والحواجز، وصولاً إلى مخيمات اللجوء والشتات والمنافي البعيدة في شرق الأرض وغربها يرسم الشباب الفلسطيني لوحة استثنائية من الإبداع والتمكين الذاتي.

في قطاع غزة، حيث الحرب المستمرة، والنزوح المتكرر، والحصار الخانق، لم تعد “المهارة” مجرد وسيلة للحصول على وظيفة أو تحسين الدخل؛ إنها أداة للبقاء، وركيزة للمقاومة المجتمعية، ونافذة للأمل

لقد أثبت شباب غزة كفاءة منقطعة النظير في مواجهة الأزمات المركبة حيث بادر الشباب، وفي مقدمتهم كادر اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد»، إلى تنظيم حملات الإغاثة، وتأمين المياه، وإقامة نقاط ترفيهية وتعليمية للأطفال النازحين في الخيام و تحت ظروف انقطاع الكهرباء والإنترنت، ابتكر مبدعون شباب وسائل بديلة للطاقة وشبكات تواصل محلية لكسر العزلة المفروضة عليهم و قاد المتطوعون من خريجي الكليات الطبية والصحية جهوداً جبارة لإسناد المستشفيات والنقاط الطبية الميدانية تحت أقسى الظروف وبأقل الإمكانيات.

إن هذه الإمكانات الهائلة تثبت أن عقول شبابنا لا يمكن تدميرها بالصواريخ، وأن إرادتهم في البناء والتطور أقوى من آلات الهدم.

في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، يواجه الشباب الفلسطيني واقعاً يهدف إلى تفتيت الجغرافيا وعزل المدن والبلدات ومع ذلك، تحولت هذه التحديات إلى حوافز لصقل مهارات نوعيةو بات الشباب الفلسطيني في الضفة والقدس من رواد العمل الحر (Freelancing) والابتكار الرقمي، متجاوزين الحواجز الجغرافية والاقتصادية ليصلوا بمهاراتهم البرمجية والتصميمية إلى الأسواق العالمية وينشط شباب القدس في توظيف مهاراتهم الإعلامية والفنية وصناعة المحتوى الرقمي لتوثيق الانتهاكات والدفاع عن عروبة المدينة المقدسة، مقدمين نموذجاً ملهماً في “المواطنة الرقمية الفاعلة”و تبرز مهارات الإدارة والتخطيط في المبادرات الزراعية والاقتصادية التعاونية التي تهدف إلى تعزيز صمود المزارعين واستصلاح الأراضي المهددة بالمصادرة.

وفي مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن، يواجه الشباب الفلسطيني مركّب الحرمان من الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعيةورغم هذه البيئة، يبرهن شباب المخيمات يومياً على تميزهم رغم شح الإمكانيات وضيق مساحات المخيمات، يسجل الطلبة الفلسطينيون أعلى معدلات النجاح والتميز في الشهادات الرسمية والجامعية، وفي تخصصات تقنية ومهنية رائدة.

وتقود الأطر الشبابية والمؤسسات الأهلية في المخيمات مبادرات تنموية تركز على التدريب المهني، مكافحة التسرب المدرسي، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الهشة.

ويبدع الشباب في صون مهارات التطريز، والفنون الشعبية، والمسرح الملتزم، كأدوات حية للتعبير عن التمسك بحق العودة وإبقاء القضية حية في وعي الأجيال.

من أقصى الأرض لغربها وشرقها، في أوروبا، والأمريكيتين، وآسيا، وأستراليا، يمثل الشباب الفلسطيني المغترب قوة ناعمة وجسراً معرفياً هائلاً حيث قاد الشباب الفلسطيني في الجامعات الغربية والعواصم الدولية حراكات فكرية وسياسية غير مسبوقة، مستخدمين مهارات الخطابة، والتنظيم النقابي، واللغات الأجنبية لشرح القضية الفلسطينية وكسب مناصرين جدد.

ويلمع نجم الباحثين والأطباء والمهندسين الشباب في أرقى الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية، مقدمين للعالم صورة ناصعة عن قدرة الإنسان الفلسطيني على الإبداع متى ما توفرت له البيئة والفرصة ويسعى الشباب المغترب إلى نقل خبراتهم ومعارفهم إلى الداخل الفلسطيني عبر برامج التدريب الافتراضي، والمشاريع المشتركة، ودعم المبادرات المحلية.

إننا في اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد»، وفي إطار رؤيتنا لتمكين جيل الشباب، نتقاطع تماماً مع الجهود والمبادرات التي تقودها المؤسسات والمنظمات الشريكة والفاعلة على الأرض.

نحن نؤمن معاً بأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين يتلقون المساعدات الإنسانية والتنموية، بل هم شركاء حقيقيون، وقادة، وصناع قرار في رسم ملامح الحاضر والمستقبل.

إن صمود شبابنا استثنائي بكل المقاييس، ولكن الصمود وحده لا يكفي؛ إن هذا الصمود يحتاج إلى مقومات تسنده، وأهمها:

1.الحق في التعليم والتدريب:توفير برامج تعليمية ومهنية تتوائم مع متطلبات العصر واحتياجات السوق المحلية والدولية.

2. المساحات الآمنة:توفير بيئات حاضنة تحمي الشباب وتتيح لهم التعبير والابتكار بعيداً عن التهديد والتضييق.

3. الفرص الحقيقية للمشاركة: دمج الشباب في الهياكل القيادية والمؤسساتية لصنع القرار الوطني والاجتماعي.

في هذا اليوم، نوجه من غزة المحاصرة والمقاومة نداءً إلى المجتمع الدولي، وإلى كافة المؤسسات الأهلية والحكومية: إن الشباب الفلسطيني لا يبحث عن الشفقة، بل يبحث عن التمكين والحق في الفرص الاستثمار في مهارات شباب غزة وفلسطين في كل مكان هو استثمار في كرامة هذا الشعب، وفي قدرته الأصيلة على البناء، والتحرر، وتقرير المصير.

*في اليوم العالمي لمهارات الشباب*

*طاقاتٌ عابرة للحدود وقهر المستحيل: مهارات الشباب الفلسطيني من ركام غزة إلى أقاصي الشتات.*

بقلم: أحمد رياض أبو حليمة

مسؤول اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد» في قطاع غزة

Share This Article