إعادة فتح ملف انتخابات 2020.. ما الجديد الذي كشفه ترمب؟

المسار : هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، اليوم الجمعة، النظام الانتخابي في الولايات المتحدة، معلنا رفع السرية عن معلومات تكشف “تدخلات صينية” في انتخابات بلاده، وذلك ضمن مساعيه المستمرة منذ سنوات للتشكيك في شرعية الانتخابات الأمريكية والطعن في خسارته انتخابات 2020، وفي دعوة لفرض قوانين انتخابية أكثر تقييدا قبل انتخابات التجديد النصفي.

وقد أدى ترويج ترمب لنظريات دُحضت حول الانتخابات قبل ست سنوات، وعجزه عن تقبّل خسارته، إلى واحدة من أحلك اللحظات في التاريخ الأمريكي، حين شنّت حشود من أنصاره هجوما على مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير/كانون الثاني 2021، خلال الأيام الأخيرة من ولايته الأولى.

ويزعم ترمب أن هزيمته في انتخابات عام 2020 كانت بسبب التلاعب، رغم أن أكثر من 60 دعوى قضائية لم تسفر عن أي حكم يثبت ذلك، كما لم تؤد عمليات إعادة الفرز والتدقيق إلى ما يمكن أن يغيّر النتيجة.

وبعد عودته إلى السلطة، اختار ترمب إعادة فتح هذا الموضوع في خطاب موجه إلى الأمة، وسط اتهامات الديمقراطيين له بالسعي إلى التأثير على انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ماذا تضمن الخطاب؟

وحدد الرئيس الأمريكي الليلة موعدا لرفع السرية عن “معلومات استخباراتية حاسمة” ونشرها للعلن، مؤكدا أنها تكشف ثغرات صادمة في البنية التحتية للنظام الانتخابي الأمريكي، موجها اتهامات بالتورط لإدارة جو بايدن.

وأوضح ترمب أن الوثائق السرية تكشف عن “معرفة الحكومة المسبقة بهشاشة أنظمة التصويت الإلكتروني وسهولة اختراقها من الخصوم”.

وتعهّد بالعمل مع الولايات لحل مشاكل الانتخابات، ودعا إلى إقرار قانون “إنقاذ أمريكا” الذي سيفرض قيودا على العديد من الناخبين.

وقال ترمب، في خطابه للشعب الأمريكي من البيت الأبيض، إنه “لا يمكن لأي دولة أن تكون عظيمة ما لم تكن انتخاباتها نزيهة”، مؤكدا أن إدارته تسعى لبناء “منظومة انتخابية آمنة تجعل الغش والتدخل فيها أمرا مستحيلا”.

وأضاف أن الولايات المتحدة لديها “نظام انتخابي منهار تماما، ولا يمكن لأحد الدفاع عن سلامته”، مؤكدا اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان ألا تُسرق الانتخابات أو تُخترق البيانات مجددا تحت أي ظرف.

ولفت ترمب إلى أن الأدلة المتوفرة تثبت تعرض نظام الانتخابات الأمريكي للاختراق والتدخل الأجنبي “بمستويات خطيرة لم يسبق لها مثيل”، وأنه “تم التكتم لسنوات” على هذه المعلومات الاستخبارية.

وقال الرئيس الأمريكي إن “تقييمات الاستخبارات تؤكد قدرة روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية وجماعات غير حكومية على اختراق بنيتنا الانتخابية”.

لماذا اتهم الصين؟

وفي هذا السياق، ذكر ترمب أن الوثائق كشفت إقدام الصين على “أكبر عملية اختراق وسرقة لبيانات الانتخابات في التاريخ” في عام 2020، حيث عملت منذ منتصف عام 2018 على التأثير في انتخابات التجديد النصفي والانتخابات الرئاسية لعام 2020، على حد تعبيره.

أما عن كيفية قيام الصين بذلك، فقال إن “بكين شكّلت وحدة خاصة لاستغلال بيانات الناخبين الأمريكيين المقرصنة وتوظيفها في أنشطة تخريبية”، مؤكدا أن الوثائق تكشف “تورط عناصر من الدولة العميقة داخل وكالات الاستخبارات في التواطؤ والتستر على التدخل الصيني”.

غير أن وثائق نشرها البيت الأبيض أشارت إلى أن بكين اطلعت على بيانات متاحة للعموم، قائلة إن “معلومات تسجيل الناخبين في الولايات المتحدة متاحة للتحميل العام، مع توفر معلومات تسجيل الناخبين لعام 2021 لبعض الولايات”.

كذلك، قال الرئيس الأمريكي إن “تقارير الاستخبارات تؤكد أن سياسة الحزب الشيوعي الصيني -منذ عام 2018- قضت بدعم أي طرف معارض لدفعي للاستقالة”، مشيرا إلى أن مكتب التحقيقات الفدرالي حصل على معلومات استخباراتية خام عام 2020 تُظهر “محاولة صينية لتصنيع بطاقات اقتراع غير قانونية لصالح بايدن”.

وزعم ترمب أن وثائق وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) أظهرت “سعي الصين إلى استغلال علاقاتها بشركات أمريكية كبرى للتحريض ضدي، ولتأليب رجال الأعمال ضد إدارتي”.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فحسب ادعاءات ترمب فإن الأمر وصل بالحكومة الصينية إلى درجة البحث عن صحفيين أمريكيين لكتابة تقارير سلبية ضده، ودعمهم بمبالغ مالية ضخمة لضمان خسارته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

ورغم تركيزه على الصين في خطابه، لم ينتقد ترمب الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي لطالما أشاد به، ولم يوجّه إليه أي تحذير.

ما الإثبات؟

وحول اتهاماته إدارة سلفه جو بايدن بالتورط في هذه المسألة، تحدث ترمب عن حصوله على اعتراف من مسؤولة في مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) “بإدارتها حكومة ظل لمنع تسريب تقارير التدخل الصيني إلى الصحافة الحرة”.

كما كشف عن حصوله على تأكيدات من قادة وكالات الاستخبارات الكبرى -الذين قال إنهم قاموا بمراجعة نتائج التحقيقات شخصيا- لصحة ومصداقية الوثائق المنشورة.

واتهم ترمب وزارة العدل في عهد بايدن بتعطيل التحقيق في طلبات تسجيل ناخبين مزورة اكتُشفت في مدينة موسكيغون بولاية ميشيغان قبيل الانتخابات الرئاسية لعام 2020.

وطالب الرئيس الأمريكي مدير مكتب التحقيقات الفدرالي بإعادة فتح التحقيق كاملا في قضية تزوير انتخابات ميشيغان، وتوجيه تهم جنائية إلى المتورطين فيها.

وأضاف أن تحقيقا أجرته وزارة الأمن الداخلي كشف تسجيل نحو 278 ألف شخص من غير المواطنين بصفة غير قانونية للتصويت في الانتخابات، متهما الولايات ذات الأغلبية الديمقراطية بأنها “ترفض مشاركة ملفات ناخبيها”، لمنع الكشف عن أعداد الأجانب المسجلين في لوائح الاقتراع.

وبينما كان ترمب يُلقي خطابه، كشف البيت الأبيض عن موقع إلكتروني يحتوي على وثائق تضمنت مقتطفات مُنتقاة من ملفات التحقيق، وتحليلات استخباراتية، ومراسلات.

غير أن الكثير من المحللين اعتبروا أن الرئيس الأمريكي قدم مزاعم التدخل والتأثير بطريقة تفتقر إلى السياق الأساسي، ولم يُقدّم أي دليل حقيقي على التلاعب بالأصوات أو تغيير نتائج الانتخابات.

لمن وجّه اتهامات؟

ووجّه الرئيس الأمريكي اتهامات لمن يعارض “قانون حماية أمريكا”، قائلا إن المعارضة “لا تصدر إلا عن أطراف تسعى للغش الانتخابي بسبب ضعف مرشحيها وسياساتها”.

ودعا الكونغرس إلى تمرير القانون “دون أي تأخير”، مطالبا كذلك بإلغاء التصويت بالبريد وحصره فقط في حالات المرض أو الإعاقة أو الخدمة العسكرية أو السفر.

وقانون “إنقاذ أمريكا” هو مشروع قانون يُلزم الناخبين بتقديم إثبات شخصي للجنسية، كشهادة الميلاد أو جواز السفر. لكنّ المعارضين يجادلون بأن هذا سيشكّل عائقا أمام الناخبين الشرعيين الذين لا يملكون هذه الوثائق، في ظل سماح عدد من الولايات بالتصويت باستخدام أشكال أخرى من إثبات الهوية، مثل رخصة القيادة الصادرة من الولاية أو رقم الضمان الاجتماعي.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، يسعى ترمب لإجراء تغييرات جذرية في إجراءات التصويت. فقد حاول الحد من استخدام التصويت عبر البريد من خلال قوانين مثل قانون “إنقاذ أمريكا” وأوامر تنفيذية. إلا أن المحاكم الفدرالية عرقلت محاولاته مرارا وتكرارا.

ويقول خبراء أمن الانتخابات إن نظام التصويت اللامركزي في أمريكا، حيث تتركز سلطة الانتخابات في الولايات بدلا من الحكومة الفدرالية، يُعدّ نقطة قوة. إذ يُدلي الأمريكيون بأصواتهم في أكثر من 10 آلاف ولاية قضائية مختلفة بقواعد متباينة، مما يجعل انتخابات البلاد بالغة التعقيد، لكنها في الوقت نفسه بمنأى عن التزوير واسع النطاق.

ما موقف الديمقراطيين؟

سارع الديمقراطيون إلى التعبير عن استنكارهم الشديد لخطاب ترمب، ووصف السيناتور مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، تصريحات الرئيس الأمريكي بأنها “مقدمة للتدخل في انتخابات التجديد النصفي”.

وأشار أيضا إلى أن ترمب صوّر الوصول إلى معلومات الناخبين العامة بشكل مضلل على أنه عمل خبيث.

كما انتقد زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، الرئيس بشدة، فكتب على إكس أن الخطاب أظهره على أنه “رئيس ضعيف، مختل عقليا، يروج لنظريات المؤامرة”، وفق تعبيره.

ووصف العديد من النقاد الخطاب بأنه محاولة لصرف الانتباه عن برنامج ترمب الاقتصادي وسياساته الأخرى غير الشعبية.

ماذا ردت الصين؟

من جانبه، نفى متحدث باسم السفارة الصينية في الولايات المتحدة ادعاءات الرئيس الأمريكي، قائلا إن بلاده تلتزم “بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين”.

وجاء في البيان: “الانتخابات الأمريكية شأن داخلي أمريكي، ونتيجتها تُحدد بأصوات الشعب الأمريكي. لم ولن تتدخل الصين مطلقا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية”.

من بث الخطاب؟

ووجّه ترمب خطابه إلى الأمة خلال ما يُعرف بـ”وقت الذروة”، لكن لم تقدم جميع القنوات الأمريكية على إذاعته. فلم تبث قنوات “سي إن إن” و”إيه بي سي” و”إن بي سي” الخطاب. بينما قطعت قناتا “إس بي سي” و”إم سي ناو” البث قبل انتهاء الخطاب، وواصلت قناة فوكس نيوز بثه.

وانتقد ترمب وسائل الإعلام لعدم بثها الخطاب مباشرة، واتهمها بأنها “جزء من مؤامرة”، واقترح سحب تراخيص بثها.

Share This Article