المسار : بدأت الحكومة الكولومبية الجديدة، عقب تنصيب الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييّا، التحضير لإرسال وفد رسمي إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال تشرين الأول/أكتوبر المقبل، في خطوة تؤشر إلى تحول سريع في سياسة بوغوتا تجاه “تل أبيب”، بعد أكثر من عامين من التوتر والقطيعة الدبلوماسية في عهد الرئيس السابق غوستافو بيترو.
وتسلّم دي لا إسبرييّا مهامه رئيسًا لكولومبيا، الجمعة 7 آب/أغسطس، لولاية تمتد حتى عام 2030، خلال مراسم تنصيب شهدت مشاركة عدد من القادة والمسؤولين الأجانب، بينهم وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر.
وبالتزامن مع مراسم التنصيب، أعلن نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو أن وفدًا يضم عددًا من وزراء الحكومة الجديدة سيتوجه إلى “إسرائيل” في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، في إطار مساعي الإدارة الجديدة لترسيخ العلاقات بين الجانبين.
من جانبه، رحّب وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر بالتحول الذي تشهده العلاقات مع بوغوتا عقب وصول دي لا إسبرييّا إلى الحكم، وقال إن الجانبين يدخلان ما وصفه بـ”عصر ذهبي” في العلاقات بين “إسرائيل” وكولومبيا.
وجاءت تصريحات ساعر خلال زيارته إلى كولومبيا للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس الجديد، حيث أجرى مباحثات مع دي لا إسبرييّا ومسؤولين في إدارته تناولت إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين الجانبين.
وكان ساعر قد التقى دي لا إسبرييّا عشية مراسم التنصيب، في اجتماع تناول مستقبل العلاقات الثنائية، وأشاد بالمواقف التي أعلنها الرئيس الكولومبي الجديد تجاه دولة الاحتلال، ولا سيما تعهده بإعادة العلاقات ونقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة.
وجاء الإعلان عن زيارة الوفد عقب اجتماع جمع ريستريبو وساعر وعددًا من أعضاء الحكومة الكولومبية الجديدة، وقال نائب الرئيس إن الزيارة ستبحث ملفات تتعلق بالتكنولوجيا والاستثمار والابتكار وريادة الأعمال، بالتوازي مع تفعيل التعاون الاقتصادي بين الجانبين.
وتشير تصريحات مسؤولين كولومبيين إلى أن زيارة تشرين الأول/أكتوبر قد تتجاوز إرسال وفد وزاري، إذ أعلن ريستريبو أن دي لا إسبرييّا يعتزم زيارة دولة الاحتلال خلال الشهر نفسه، فيما أفادت وسائل إعلام كولومبية بأن الرحلة قد تصبح أول زيارة دولية رسمية للرئيس الجديد منذ توليه السلطة.
ويأتي التحرك بعد تعهد دي لا إسبرييّا، قبل وصوله إلى الرئاسة، بإعادة العلاقات مع دولة الاحتلال، التي قطعها سلفه غوستافو بيترو في أيار/مايو 2024، احتجاجًا على حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
ويمثل وصول الإدارة الجديدة تحولًا واسعًا عن سياسة بيترو تجاه القضية الفلسطينية؛ إذ كان الرئيس السابق من أبرز قادة أمريكا اللاتينية المنتقدين للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ودعا مرارًا إلى وقف الحرب ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين عنها، قبل أن يعلن قطع العلاقات الدبلوماسية مع الاحتلال.
وبدأت ملامح التحول قبل مراسم التنصيب، عندما التقى وزير الخارجية الكولومبي في الإدارة الجديدة عمر بولا بوزير خارجية الاحتلال في واشنطن خلال تموز/يوليو الماضي، حيث اتفق الجانبان على إعادة العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة وتبادل السفراء.
وتضمنت التفاهمات المعلنة العمل على إلغاء متبادل لتأشيرات الدخول، وتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي، إلى جانب إعلان الإدارة الجديدة عزمها نقل السفارة الكولومبية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
كما تتجه الحكومة الجديدة إلى إعادة تفعيل ملفات التعاون الأمني والعسكري مع دولة الاحتلال، وهي علاقات تمتد لعقود وشملت شراء أسلحة ومعدات وتكنولوجيا عسكرية إسرائيلية قبل أن تتدهور العلاقات بصورة حادة خلال عهد بيترو.
وكانت كولومبيا في عهد بيترو قد اتخذت سلسلة مواقف مناهضة للحرب على غزة، ولم تقتصر على قطع العلاقات الدبلوماسية، بل شملت دعم تحركات دولية لمساءلة دولة الاحتلال، بما في ذلك مساندة القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
في المقابل، أعلنت إدارة دي لا إسبرييّا توجهها نحو التراجع عن عدد من تلك السياسات، في إطار إعادة صياغة علاقات كولومبيا الخارجية والتقارب مجددًا مع دولة الاحتلال.
ويجعل الإعلان المبكر عن زيارة وفد رسمي إلى “إسرائيل”، إلى جانب زيارة مرتقبة للرئيس نفسه، العلاقات مع الاحتلال واحدة من أولى ملفات السياسة الخارجية التي تتحرك فيها الإدارة الجديدة عمليًا، بعد أيام فقط من انتقال السلطة.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه حكومة الاحتلال إلى استثمار التغيير السياسي في بوغوتا لإعادة العلاقات إلى مستوياتها السابقة وتوسيعها، وهو ما عبّر عنه ساعر بوصف المرحلة المقبلة بأنها “عصر ذهبي” للعلاقات بين الجانبين، بعد قطيعة دبلوماسية استمرت منذ أيار/مايو 2024.

