مخزونات النفط العالمية أمام اختبار الحرب.. هل تصمد الإمدادات إذا طال الصراع الأميركي الإيراني؟

المسار : يضع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسواق الطاقة العالمية أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع اضطرابات الإمدادات النفطية المرتبطة بالحرب، وتصاعد المخاوف من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى استنزاف الاحتياطيات العالمية ورفع أسعار النفط والوقود إلى مستويات حادة.

وتتزايد أهمية المخزونات النفطية مع استمرار اضطراب تدفقات الخام عبر المنطقة، في وقت تشير تقديرات إلى أن العالم فقد نحو 2.6 مليار برميل من النفط منذ اندلاع الحرب، وهو مستوى من الانقطاع التراكمي في الإمدادات يعد من الأكبر تاريخيًا.

وبحسب تقديرات محللين، تتراوح فجوة الإمدادات الحالية بين 5 و11 مليون برميل يوميًا، فيما تضررت مصادر إضافية للإمدادات بعد هجمات بطائرات مسيرة أدت إلى تعطيل خط أنابيب بحر قزوين الذي ينقل النفط من كازاخستان، بطاقة تصل إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميًا.

احتياطيات تكفي لأشهر.. لكن ليس بلا حدود

كانت وكالة الطاقة الدولية قد أعلنت في آذار/مارس سحب 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، فيما تقدر إجمالي مخزوناتها الحكومية والتجارية بنحو 1.5 مليار برميل.

لكن المخزونات التجارية ليست متاحة بالكامل للاستخدام الطارئ، إذ تحتفظ بها شركات التكرير لأغراض تشغيلية، ما يجعل نحو 900 مليون برميل من الاحتياطيات الحكومية هي الكمية الأكثر قابلية للسحب في مواجهة أزمة واسعة.

وبناءً على فجوة تقدر بنحو 5 ملايين برميل يوميًا، يمكن لهذه الكميات تغطية النقص لنحو 180 يومًا، أي قرابة ستة أشهر، إذا استمرت معدلات العجز الحالية دون ارتفاع.

لكن هذا السيناريو لا يعني أن السوق العالمية محصنة؛ فكلما طال أمد الحرب، زادت احتمالات اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك واستنزاف الاحتياطيات المتاحة.

الاحتياطي الأميركي تحت الضغط

وتواجه الولايات المتحدة وضعًا أكثر حساسية، بعدما تراجعت مخزونات احتياطيها النفطي الإستراتيجي إلى مستويات هي الأدنى منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

كما حذرت جهات رقابية أميركية من تدهور جزء من البنية التحتية للمنظومة، ما يقلص الكميات القابلة للسحب فعليًا.

وتشير تقديرات محللين إلى أن الكميات المتاحة للسحب من الاحتياطي الأميركي قد لا تتجاوز 200 مليون برميل، وهو ما يعني أنها قد تغطي فجوة الإمدادات الحالية لنحو 40 يومًا فقط إذا استمر العجز عند مستواه الراهن.

الخطر لا يقتصر على النفط الخام

ولا تقتصر تداعيات الحرب على إمدادات الخام، إذ تظهر مؤشرات مقلقة على سوق المنتجات النفطية، خصوصًا الديزل ووقود الطائرات.

وتشير تقديرات إلى أن المخزونات العالمية من الديزل ووقود الطائرات تراجعت إلى أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، في وقت تعرضت فيه مصافٍ في الشرق الأوسط وروسيا لأضرار أثرت على قدرة السوق على توفير المنتجات المكررة.

وهذا يعني أن استمرار الحرب قد يترجم ليس فقط إلى ارتفاع أسعار النفط الخام، وإنما أيضًا إلى ضغوط مباشرة على أسعار النقل والطيران والشحن والسلع الأساسية.

الصين تملك هامشًا أكبر للمناورة

في المقابل، تبدو الصين في وضع أفضل نسبيًا لمواجهة اضطرابات طويلة في الإمدادات.

وتقدر مؤسسة “إنرجي أسبكتس” أن مخزونات الصين من النفط الخام بلغت نحو 1.7 مليار برميل في تموز/يوليو، رغم أن التقديرات المتداولة تتراوح بين مليار و1.7 مليار برميل، فضلًا عن مخزونات غير معلنة من الوقود والبتروكيماويات.

وبحسب هذه التقديرات، تستطيع الصين نظريًا تعويض وارداتها التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، والبالغة نحو 5.5 ملايين برميل يوميًا قبل الحرب، لفترة تقارب عامًا كاملًا.

معركة الاحتياطيات قد تكون طويلة

وتشير المعطيات إلى أن قدرة السوق العالمية على تحمل حرب طويلة لا تعتمد فقط على حجم النفط المخزن، بل على قدرة الدول المنتجة والمستهلكة على إعادة توجيه الإمدادات، وإعادة تشغيل المصافي وخطوط الأنابيب، والحفاظ على تدفق النفط عبر الممرات البحرية.

ومع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية واضطراب حركة الطاقة في المنطقة، يتحول مخزون النفط من مجرد احتياطي اقتصادي إلى أداة استراتيجية في الصراع؛ فكل شهر إضافي من الحرب يعني استهلاك جزء أكبر من هامش الأمان الذي تعتمد عليه الاقتصادات الكبرى لتجنب صدمة طاقة عالمية.

الخلاصة: الاحتياطيات الحالية قد تساعد العالم على امتصاص الصدمة لعدة أشهر، لكنها ليست مفتوحة بلا سقف. وإذا استمرت الحرب لستة أشهر أخرى مع بقاء فجوة الإمدادات عند مستوياتها الحالية أو ارتفاعها، فإن الضغوط على النفط والديزل ووقود الطائرات والأسعار العالمية قد تصبح أكثر حدة، بينما ستبرز الصين كواحدة من أكثر الاقتصادات قدرة على الصمود أمام اضطراب طويل للإمدادات.

Share This Article