وردة الشنطي
المسار : غزة – مع ارتفاع درجات الحرارة في قطاع غزة، تواجه العائلات التي احتفظت بكميات من الطحين خشية عودة نقص الغذاء مشكلة جديدة تتمثل في ظهور السوس واليرقات داخل بعض الأكياس.
وبينما كان التخزين بالنسبة إليهم وسيلة لمواجهة الخوف من الجوع، تحوّل اليوم إلى مصدر قلق بشأن سلامة ما تبقى من مؤنهم، في ظل ظروف معيشية صعبة وإمكانات محدودة لحفظ المواد الغذائية.
عدو خفي
تقول الطبيبة إيمان الطويل إن ظهور الدود أو السوس في الطحين المخزن لفترات طويلة، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة وصعوبة ظروف التخزين، لا يعني بالضرورة أن من تناوله سيتعرض للتسمم، موضحة أن الخطر يعتمد على طبيعة التلوث ودرجة تلف الطحين ومدة التعرض له.
وتوضح الطويل، في حديث مع «القدس العربي»، أن وجود السوس أو يرقات الحشرات يشير إلى تعرض الطحين للإصابة والتلوث، وقد يؤثر في جودته وقيمته الغذائية، إلا أن هذه الحشرات بحد ذاتها لا تعد سموماً قاتلة، وتضيف أن القلق الأكبر يرتبط بالطحين الذي تظهر عليه علامات العفن أو الرطوبة أو تغير الرائحة واللون، إذ يمكن لبعض أنواع العفن إنتاج سموم فطرية لا يمكن اكتشافها بالعين المجردة أو التخلص منها بمجرد الغربلة.
وتشير إلى أن تناول كمية صغيرة من الطحين المصاب بالحشرات عن طريق الخطأ لا يعني حتماً حدوث تسمم، لكنها تحذر من الاستهلاك المتكرر للطحين المتضرر لفترات طويلة، خصوصاً في حال وجود تلوث فطري، كما تؤكد أهمية طهي المنتجات المصنوعة من الطحين جيداً، لأن الطحين الخام قد يحمل بكتيريا مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية، فيما لا يضمن الخَبز التخلص من السموم الفطرية الموجودة مسبقاً.
وحسب الطويل، قد تظهر عند حدوث عدوى أو تسمم غذائي أعراض مثل الغثيان والقيئ وآلام أو مغص البطن والإسهال والانتفاخ، وأحياناً الحمى، بينما تختلف شدة الأعراض والمضاعفات بحسب نوع الملوث وكمية التعرض، وتؤكد، في الوقت نفسه، أنه لا ينبغي ربط كل اضطراب في الجهاز الهضمي بتناول طحين يحتوي على السوس، إذ توجد أسباب صحية متعددة لهذه الأعراض.
وسط ارتفاع درجات الحرارة وظروف تخزين غير مناسبة
وتشير الطبيبة إلى أن الأطفال، والرضع، والأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية أو ضعف المناعة، وكبار السن، وبعض مرضى الأمراض المزمنة، يمثلون فئات أكثر حساسية لمخاطر الأمراض المنقولة بالغذاء، ولذلك ينبغي التعامل بحذر أكبر مع الطحين شديد التلف أو المتعفن، كما تنصح الحوامل بتجنب التعرض غير الضروري للأغذية المشكوك في سلامتها، دون افتراض أن تناول كمية صغيرة بالخطأ يعني بالضرورة حدوث ضرر.
وتوضح أن من أبرز العلامات التي تستدعي الحذر كثرة الحشرات أو اليرقات، ووجود خيوط أو تكتلات غير طبيعية، والرائحة العفنة أو الرطبة، وتغير اللون، وظهور العفن أو الرطوبة، أو تعرض كيس الطحين للقوارض أو لظروف تخزين سيئة.
وفي ظل الظروف المعيشية الصعبة، ترى الطويل ضرورة التعامل مع الأمر بواقعية، خصوصاً للعائلات التي قد لا تملك القدرة على التخلص من مخزونها الغذائي بسهولة، وتقول إن الطحين الذي يحتوي على حشرات فقط، من دون عفن أو رطوبة أو رائحة فساد، يمكن تقليل مخاطر استخدامه بإزالة الحشرات واليرقات الظاهرة وغربلته، ثم استخدامه في طعام مطهو جيداً، مع عدم خلطه بكمية جديدة سليمة، وحفظه في وعاء نظيف وجاف ومحكم الإغلاق.
لكنها تشدد على أن الغربلة لا تزيل السموم الفطرية، وأن تعريض الطحين للشمس أو تحميصه منزلياً لا يضمن جعله آمناً إذا كان متعفناً أو شديد التلف.
وتنصح الطويل بتخزين الطحين في مكان جاف وبارد قدر الإمكان، بعيداً عن الشمس والحرارة والرطوبة، ويفضل وضعه في وعاء نظيف ومحكم الإغلاق، مع تجنب خلط الطحين القديم بالجديد وتنظيف مكان التخزين باستمرار.
خوف المجاعة
ويقول أبو عمر الصلاحات إن عائلته بدأت بتخزين الطحين بعد تجربة المجاعة التي عاشها سكان قطاع غزة خلال الحرب، خشية أن تعود أزمة نقص الغذاء من جديد، خصوصاً مع صعوبة الحصول على المواد الأساسية في فترات سابقة.
ويضيف أن الطحين الذي احتفظت به الأسرة لفترة طويلة تعرض لظروف تخزين صعبة، ومع ارتفاع درجات الحرارة بدأت تظهر فيه حشرات السوس، ما أثار مخاوفهم بشأن إمكانية استخدامه. ويقول الصلاحات لـ«القدس العربي» إن العائلة لم تكن تملك خيارات كثيرة، فالتخلص من الطحين يعني خسارة كمية من الغذاء يصعب تعويضها، بينما شراء كميات جديدة ليس أمراً متاحاً دائماً في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها السكان.
ويشير إلى أن الأسرة أصبحت تفحص الطحين قبل استخدامه وتحاول إزالة السوس الظاهر وغربلته، فيما تتجنب استخدام الكميات التي تظهر عليها علامات تلف واضحة.
ويرى أن ما حدث يعكس معاناة عائلات كثيرة اضطرت إلى تخزين المواد الغذائية لفترات أطول من المعتاد، ليس رغبة في التخزين، وإنما خوفاً من انقطاع الإمدادات وعودة مشاهد الجوع التي عاشوها.
ويقول إن ارتفاع درجات الحرارة يضيف تحدياً جديداً أمام الأسر التي تحتفظ بما لديها من مؤن، في ظل محدودية إمكانات التخزين المناسبة، لتجد نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على مخزونها الغذائي والمخاطرة باستخدام طحين تغيرت حالته بفعل طول التخزين.
وبين الخوف من عودة المجاعة ومخاطر تلف الغذاء، تجد عائلات غزة نفسها أمام واقع قاسٍ، تحاول فيه الحفاظ على ما تملكه من طحين في ظروف تخزين صعبة، فيما تزيد حرارة الصيف من احتمالات تلفه، وبينما تبقى سلامة الغذاء أولوية صحية، يظل التخلص من الطحين المتضرر خياراً ليس سهلاً لعائلات أنهكها نقص الغذاء.

