المسار :استضافت جمعية مدرسة الأمهات مناظرة تربوية بعنوان: «الكتاب المدرسي المقرر: سلطة معرفية تحرر العقل أم نصوص مقدسة تجمّد الإبداع؟ ومتى ينجح الكتاب المدرسي في صناعة الهوية؟».
وجاءت المناظرة ضمن سلسلة «أصوات من أجل الحقوق» التي ينظمها مركز إبداع المعلم، بالتعاون مع جمعية مدرسة الأمهات، في إطار مشروع «تعزيز مشاركة الشباب والمجتمع من أجل التماسك الاجتماعي»، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.
واستضافت المناظرة الدكتور سامي الكيلاني، الأستاذ الجامعي والكاتب، والأستاذة ضحى معاري، الباحثة التربوية وطالبة الدكتوراه، فيما أدارها الأستاذ نسيم قبها، عضو مركز إبداع المعلم والائتلاف التربوي الفلسطيني، ومنسق تعاونية الإعلام التربوي في الحملة العربية للتعليم.
وتناول النقاش دور الكتاب المدرسي في بناء شخصية الطالب وصناعة هويته الوطنية، ومدى قدرته على تنمية التفكير النقدي وفتح المجال أمام التساؤل والحوار، بدلًا من الاكتفاء بتقديم المعرفة الجاهزة والتلقين.
وأكد المتحدثون أن الهوية الفلسطينية لا تُبنى فقط من خلال المعلومات المتعلقة بتاريخ فلسطين ومدنها ورموزها الوطنية، بل من خلال تمكين الطلبة من التعبير عن آرائهم، وطرح الأسئلة، وممارسة النقد المسؤول، وتحويل الانتماء الوطني إلى مواقف وسلوكيات يومية.
كما ناقشت المناظرة علاقة الطالب بالكتاب المدرسي، وتأثير المعلم والأسرة ونظام التقييم في هذه العلاقة، وضرورة الانتقال من التعليم القائم على الحفظ والامتحان إلى تعلّم مستمر يوقظ الفضول ويمنح الطالب القدرة على البحث والاستكشاف والإبداع.
وشدد المشاركون على ضرورة أن يبقى الكتاب المقرر أحد مصادر المنهاج الأساسية، مع العمل على تطويره بما يفتح فضاءات التفكير والنقد والتحليل والتركيب، وألا يبقى محصورًا في مستويات التذكر واسترجاع المعلومات.
وأشار الدكتور سامي الكيلاني إلى ضرورة التعامل مع الكتاب المدرسي بوصفه كائنًا معرفيًا متطورًا وقابلًا للتحديث، حتى يواكب التدفق المستمر للمعلومات والاكتشافات والتحولات العلمية والتكنولوجية، وألا يبقى نصًا ثابتًا أو مقدسًا يُعاد تدريسه بالطريقة ذاتها عامًا بعد عام.
وأوضح أن الكتاب المدرسي يجب أن يكون مقررًا من حيث المضامين والأهداف العامة، لا مصدرًا حصريًا ووحيدًا للمعرفة، وأن يقدم نماذج ونصوصًا تفتح المجال أمام التفكير والبحث والاستفادة من المصادر الأخرى، بدلًا من تقديم أفكار وحلول نهائية وجاهزة.
وأكد المشاركون أهمية تحديث محتويات الكتاب المقرر سنويًا بما يتناسب مع متطلبات الانفتاح الهائل في المعرفة والتطورات العلمية والتكنولوجية، بما يضمن بقاء الكتاب مواكبًا للتحولات التي يشهدها العالم، وقادرًا على الاستجابة لاحتياجات الطلبة وتطور طرائق التعلم.
وفي الوقت ذاته، شدد النقاش على أن الكتاب المقرر ينبغي أن يكون مصدرًا أساسيًا في تشكيل هوية الطالب الوطنية، من خلال محتوى يعزز وعيه بتاريخ شعبه وقضيته ومجتمعه، ويمنحه في الوقت نفسه القدرة على التفكير النقدي والمشاركة والحوار، بحيث لا تتحول الهوية إلى مجرد معلومات محفوظة، وإنما إلى وعي وممارسة ومسؤولية.
وتطرق النقاش إلى الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن إدخاله إلى العملية التعليمية يجب ألا يكون استجابة لموجة عابرة، بل ضمن رؤية تربوية متكاملة توضح كيفية استخدامه أداةً للتفكير والتعلّم وإنتاج المعرفة، لا وسيلة للحصول على إجابات جاهزة.
كما شدد المشاركون على أن الكتاب المدرسي ليس المنهاج كاملًا، بل هو أحد مكونات المحتوى التعليمي، إلى جانب دور المعلم والمتعلم والأنشطة الصفية والمصادر المفتوحة والتجارب الحياتية. وعندما يتحول الكتاب إلى المصدر الوحيد وصاحب السلطة العليا في القرارات التربوية، تتراجع مساحة المبادرة والحوار والإبداع داخل الصف.
وخلصت المناظرة إلى أهمية إعداد كتب مدرسية تقدم نماذج وأسئلة ومحفزات للتفكير، وتفتح آفاق المشاركة أمام المعلمين والطلبة، مع الاعتراف بالفجوة المعرفية والتكنولوجية بين الأجيال وتحويلها إلى فرصة للتعلّم المتبادل.
وشهد اللقاء مداخلات وأسئلة من الحضور، أكدت ضرورة تطوير الكتاب المدرسي ليصبح أداة للحوار والتحرر الفكري وبناء هوية وطنية واعية ومتجددة، مع الحفاظ على دوره بوصفه أحد المصادر الأساسية للمنهاج، وتحديثه بصورة مستمرة بما يواكب انفتاح المعرفة وتطوراتها؛ فمستقبل فلسطين يبدأ من عقول أطفالها، ومن تعليم يمنحهم المعرفة والقدرة على السؤال والنقد وصناعة التغيير.


