وسُجل منذ مطلع العام الجاري اقتحام الشرطة لأكثر من خمسة أعراس ومناسبات اجتماعية في المجتمع العربي، طالت برطعة وباقة الغربية وزيمر في المثلث، وصولًا إلى الاقتحامات والاحتجازات الأخيرة في أم الفحم والنقب خلال الأسبوع الماضي.
ويرى مواطنون أن تكرار هذه الحوادث يثير تساؤلات حول حدود صلاحيات الشرطة وطريقة استخدامها، فيما يخشى الأهالي من أن تتحول الأعراس والمناسبات السعيدة إلى أهداف لإجراءات شرطية تعكر أجواءها وتزرع الخوف بين المحتفلين.
“اقتحام أشبه بكتيبة عسكرية”

وقال مصطفى محاميد، والد العريس محمود محاميد، الذي اقتحمت الشرطة حفل زفافه في أم الفحم، السبت الماضي: “بعد أن أنهينا مراسم الحنّة، جلسنا في حلقة عائلية حول الفنان والوالدين لغناء أغانٍ تراثية. وفجأة سقطت بالقرب منا قنابل صوتية. ظننا في البداية أنها ألعاب نارية بسبب صوتها العالي، لكننا فوجئنا بعد ذلك بكثافة القنابل وتوافد العشرات من عناصر الشرطة وحرس الحدود”.
وأضاف: “كان الاقتحام أشبه بكتيبة كاملة، إذ شارك فيه أكثر من 100 عنصر مدججين بالسلاح، وكأننا في ساحة حرب”.
وبحسب محاميد، “لم يكن هناك أي مبرر لهذا الاقتحام. بدأ عناصر الشرطة بضرب الموجودين وإجبارهم على الاستلقاء على الأرض ومنعهم من الحركة. حتى حفيدي، البالغ من العمر عامين، أصيب برعب شديد وتبول على نفسه من الخوف”.
وتابع: “استمر الاعتداء لأكثر من ساعة، وكل من حاول رفع رأسه أو الاستفسار عما يحدث تلقى ضربة مباشرة. كما تعرض أحد أقاربنا للصعق بالكهرباء في ظهره، رغم أنه لم يفعل أي شيء”.
“تفتيش بلا نتائج واستمرار الاستفزاز”
وقال محاميد إن الشرطة، بعد نحو ساعة من إجبار الموجودين على الاستلقاء على بطونهم، “بدأت بتفتيش الحاضرين، لكنها لم تجد أي شيء على الإطلاق”.

وأضاف أن الشرطة “اقتحمت الحفل بطريقة غير لائقة ومن دون إبراز أمر تفتيش، وبدلًا من الاعتذار عن هذه الممارسات، انسحبت إلى الشارع واستدعت تعزيزات إضافية من عناصر الشرطة وحرس الحدود، ثم بدأت بإطلاق القنابل باتجاه الشبان الموجودين”.
وتساءل: “هل يجرؤ الوزير إيتمار بن غفير على إصدار أمر للشرطة باقتحام حفل زفاف في المجتمع اليهودي وإجبار الحضور على الاستلقاء على بطونهم؟”.
وقال إن “هذه الممارسات محاولة لخلق صور وهمية توحي بوجود مخالفات أو أسلحة، من أجل التغطية على فشل الشرطة وتبرير اقتحامها، بينما كل ما أردناه هو الاحتفال وزفاف أبنائنا”.
“إذا كان الهدف محاربة الجريمة فنحن أول الداعمين”
وأكد محاميد أن “الهدف، إذا كان فعلًا محاربة السلاح والجريمة، فنحن أول من يدعم ذلك، ونحن ضد العنف تمامًا ونريد الأمن لمجتمعنا العربي”.
لكنه أضاف: “ما حدث معنا ينشر الخوف والرعب بين الناس. كل عائلة لديها حفل زفاف باتت تخشى من اقتحام الشرطة لفرحتها وتدميرها من دون سبب. وإذا لم يكن هناك ردع لهذه الممارسات، فقد نشهد تكرارها في أعراس أخرى”.
عريس وعروسه من النقب إلى مركز الشرطة يوم الزفاف
وفي حادثة أخرى، قال العريس أديب أبو بلال، من قرية شقيب السلام في النقب، إنه اقتيد يوم زفافه، الجمعة الماضية، إلى مركز الشرطة برفقة عروسه.

وأوضح: “عند عودتنا من صالون العروس، وفي يوم زفافنا، نصبت الشرطة حاجزًا لنا في الطريق وأوقفتنا نحو ساعة على جانب الطريق. بعد ذلك اقتادتنا إلى محطة شرطة (يعروت) في النقب، رغم كل محاولاتنا لمنع ذلك”.
وأضاف: “أصروا على اقتيادي أنا وعروستي والسائق إلى محطة الشرطة”.
“خربوا فرحتنا من أجل إرضاء العنصريين”
وقال أبو بلال إنه عند الوصول إلى مركز الشرطة “أجبروني على النزول من المركبة، وأصروا على إنزال العروس أيضًا، رغم أنني حاولت جاهدًا منع ذلك”.
وأضاف أن الشرطة بررت الإجراء بأنه يأتي في إطار التحقيق بشبهة عرقلة حركة السير، “رغم أن هذا الادعاء غير صحيح، ولدينا توثيقات تثبت ذلك”.
وتابع: “عندما نزلنا من المركبة، التقطوا لنا صورة من الخلف من دون طلب إذن، ثم أدخلونا إلى محطة الشرطة. لم يتم التحقيق معنا إطلاقًا، رغم احتجازنا لعدة ساعات من دون سبب واضح”.
وبحسب أبو بلال، فإن “الهدف من إنزالنا من المركبة والتقاط الصورة كان نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للشرطة، لإشباع رغبات المتطرفين والعنصريين الذين يرون في ذلك إنجازًا”.

مغادرة المدعوين وإفساد يوم الزفاف
وعن تأثير ما جرى على حفل الزفاف، قال أبو بلال: “عندما أُطلق سراحنا ووصلنا إلى العرس، كان قسم كبير من المدعوين قد غادر. سادنا شعور سيئ جدًا جراء هذه الممارسات التي أفسدت علينا يوم العمر الذي انتظرناه طويلًا”.
وأضاف: “لقد أفسدوا فرحتنا من أجل التقاط صورة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للشرطة، لإرضاء الجمهور اليميني المتطرف”.
وحول آثار ما جرى عليه وعلى عروسه، قال: “أنا عريس جديد، وقد ألغيت رحلتي إلى خارج البلاد. حالتي النفسية سيئة جدًا بعد هذا التصرف، وتحديدًا العروس التي لا تزال تعيش حالة نفسية صعبة بسبب ما حدث، خصوصًا أنه وقع في يوم زفافنا”.
وأشار أبو بلال إلى تخوفه من تحول هذه الممارسات إلى نهج ثابت، وقال: “نخشى أن تتحول هذه الممارسات، التي تبدو فردية حاليًا، إلى نهج تعتمد عليه الشرطة تجاه المواطنين العرب في البلدات العربية، بذريعة تطبيق القانون، كما حدث معنا”.
“هذه الممارسات العنصرية تحدث غفط في المجتمع العربي”
ورفض أبو بلال ادعاء الشرطة بأن موكب الزفاف تسبب في عرقلة حركة السير، وقال: “هذا غير صحيح إطلاقًا، ولدينا توثيقات تؤكد عكس ذلك. ما أرادته الشرطة هو تخريب الفرحة، وهذا يحدث في المجتمع العربي، إذ لا نرى مثل هذه الممارسات العنصرية في المجتمع اليهودي”.
وأضاف: “لا نزال تحت الصدمة النفسية. لقد حولوا يوم فرحنا إلى يوم تعاسة من خلال إجراءات استفزازية هدفت، برأينا، إلى تعكير فرحتنا، فضلًا عن التعليقات المسيئة على مواقع التواصل الاجتماعي التي أثرت علينا وعلى زوجتي بشكل كبير”.
“استغلال سيئ للصلاحيات”

من جهتها، قالت المحامية هديل أبو صالح من مركز “عدالة” الحقوقي إن ما شهدته أم الفحم وغيرها من البلدات العربية “يمثل امتدادًا لسياسات تنتهجها السلطات منذ ما قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والتي تفاقمت بعده، إذ وسعت الشرطة صلاحياتها وأساءت استخدامها ضد المواطنين الفلسطينيين في الداخل”.
وأوضحت أن “ممارسات الشرطة في الداخل باتت تتشابه مع أساليب الجيش في الضفة الغربية، من خلال استغلال الصلاحيات بصورة غير قانونية، الأمر الذي حوّل الشرطة من جهاز لإنفاذ القانون وحماية المواطنين إلى جهة تسعى إلى السيطرة على مختلف مناحي الحياة، وتوظف الاعتقالات التعسفية وقمع حرية الرأي كأداة للانتقام”.
شكاوى وتوثيق ومساءلة قانونية
وحول سبل مواجهة هذه الممارسات قانونيًا، قالت أبو صالح إن “الرد يبدأ بتقديم شكاوى إلى قسم التحقيقات مع أفراد الشرطة (ماحاش)، وفي حال عدم قيامه بدوره، يمكن تقديم الاستئنافات، والتي يمكن أن تصل لاحقًا إلى المحكمة العليا”.

وأضافت أن من بين الخيارات القانونية أيضًا “تقديم دعاوى تعويض عن الأضرار، ومراجعة قانونية للأحداث بأثر رجعي، للتأكد من سلامة أوامر التفتيش ودقة المعلومات التي استندت إليها الشرطة، وبناءً على ذلك يمكن أيضًا ملاحقة المعتدين”.
وشددت أبو صالح على أهمية توثيق الأحداث، وقالت إن “التوثيق بالصوت والصورة يعتبر من أهم مقومات نجاح القضايا في الوقت الحالي، خاصة أمام المحاكم، لأنه يفنّد الروايات غير الدقيقة التي تقدمها الشرطة للإعلام والقضاء”.
وأضافت أن “هناك دورًا للقيادات العربية وأعضاء الكنيست في مواجهة التصاعد الملحوظ في الاعتداءات خلال السنوات الأخيرة، والتي وصلت إلى حد الاعتداء على المواطنين لأسباب بسيطة، من بينها مخالفات السير”.
واختتمت أبو صالح بالتشديد على ضرورة “كسر حاجز الخوف وعدم السكوت عن هذه التجاوزات، وتقديم الشكاوى ومواصلة المساءلة القانونية لمواجهة التصاعد المستمر في الاعتداءات ضد المواطنين الفلسطينيين في الداخل”

