كتب نعيم حرب : إعادة الأمانة إلى أصحابها …. “الانتخابات الفلسطينية ضرورة وطنية للخروج من المأزق” 

المسار: في ظل التصاعد المطرد للإجراءات الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية ، من حرب الإبادة والتجويع على قطاع غزة  الى الحرب المفتوحة في الضفة الغربية  والقدس والتي تتخذ من التهجير القسري ومصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان أدواتها الرئيسية لمحو الوجود الفلسطيني، لم تعد القضية الفلسطينية تواجه خطراً خارجياً فحسب، بل تواجه أيضاً استحقاقاً داخلياً وجودياً في ظل تكلس النظام السياسي وانغلاقه على ذاته وتفرده واستفراده بعموم الحالة الفلسطينية فبينما تسعى القوى الخارجية لطمس الهوية وتفتت الجغرافيا، يبقى “البيت الداخلي” الفلسطيني بأمس الحاجة إلى إعادة ترتيب أركانه. ومن هنا، تبرز الانتخابات التشريعية والرئاسية ليس كرفاهية ديمقراطية أو استحقاق إجرائي فحسب، بل كضرورة وطنية ملحة، وطريق لا بديل عنه للخروج من المأزق التاريخي الذي ما زلنا نعيش نتائج تداعياته حتى اليوم.

ما زلنا نعيش نتائج ما آل إليه الأمر جراء التوقف المتعمد و الطويل عن تجديد الشرعية الديمقراطية وتعطيل الانتخابات، داخليًا وخارجيًا، أزمةً بنيويةً في النظام السياسي الفلسطيني؛ إذ أدى غياب التجديد الدوري للشرعيات وتراجع المساءلة والمشاركة الشعبية إلى اتساع فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسساته وقواه السياسية، وإضعاف القدرة على إنتاج قيادة سياسية موحّدة وفاعلة. وأدى إلى تآكل التمثيل الحقيقي لإرادة الشعب كما أسهمت حالة التفرد والاستفراد بالقرار السياسي، وغياب الشراكة الوطنية، في تعميق الانقسام وتعطيل آليات التداول الديمقراطي، فتحوّل الاستثناء إلى حالة شبه دائمة، وأُضعف الموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات الخارجية. فالشرعية السياسية لا تُبنى فقط بالاعتراف الدولي، بل أيضًا بقدرة النظام السياسي على تجديد شرعيته من الداخل، وبمدى انفتاحه على الشراكة والتعددية والمساءلة فعندما يتوقف نبض الديمقراطية، تبدأ المؤسسات في الشحوب، وتضعف قدرة النظام السياسي على استيعاب طموحات الأجيال الجديدة، مما ينعكس سلباً على تماسك الجبهة الداخلية. وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال والقيود المفروضة على الحياة السياسية لا يمكن أن يكون مبررًا دائمًا لتعطيل الديمقراطية؛ بل يجعل بناء مؤسسات وطنية ديمقراطية أكثر إلحاحًا، باعتبارها شرطًا لتعزيز الصمود والوحدة والقدرة على تمثيل الشعب الفلسطيني سياسيًا أمام العالم.

إن التعامل مع مخططات التهجير ومصادرة الأرض يتطلب “فعلاً سياسياً” موحداً وحاسماً، وهذا الفعل لا يمكن أن ينبع من شرعية متقادمة أو قرارات فردية، بل يجب أن ينبع من إرادة شعبية جامعة. فالشعب الذي يُسلب أرضه يوماً بعد يوم، هو ذاته الذي يجب أن يُسأل عمن يمثله في الدفاع عن هذه الأرض، وكيف يدير معركتها. إن جوهر المطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية يتلخص في مبدأ جوهري: “رد الأمانة إلى أصحابها”. الأمانة هنا هي “السلطة والتمثيل”، وهي أمانة لا تُورث ولا تُغتصب، بل تُستمد من الشعب وإليها تعود، فالانتخابات هي الآلية الوحيدة القادرة على تحقيق عدة أهداف استراتيجية في آن واحد تتمثل في  تجديد الشرعية والشرعية ليست حقاً مكتسباً للأبد، بل هي عقد متجدد بين الحاكم والمحكوم. صندوق الاقتراع هو الضامن الوحيد لبقاء القيادة السياسية في حالة انسجام مع تطلعات شعبها. والمحاسبة والتجديد حيث تتيح الانتخابات تدوير النخب السياسية، وفتح الباب أمام كفاءات جديدة وأفكار مبتكرة، وتسمح للشعب بمحاسبة من أخطأ ومكافأة من أصاب، مما يعزز من كفاءة الأداء الوطني. إضافة الى توحيد القرار الوطني في مواجهة المخططات الإسرائيلية، لا يمكن خوض المعركة بمرجعيات متعددة أو قرارات متنازع عليها. الانتخابات تنتج سلطة تنفيذية وتشريعية تمتلك الغطاء الشعبي الكامل لاتخاذ القرارات المصيرية، سواء تعلق الأمر بالمقاومة، أو بالتفاوض، أو ببناء مؤسسات الدولة.

لا يمكن إنكار أن الطريق إلى الانتخابات مفروش بالشوك، فالتجارب السابقة أثبتت أن الخوف من نتائج الانتخابات، والانقسام الجغرافي والسياسي، كانا من أبرز المعوقات. لكن التحليل الموضوعي للواقع الحالي يؤكد أن “كلفة الاستمرار في المأزق” أصبحت أعلى بكثير من “كلفة تجاوز عقبات الانتخابات”، إن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني استمراراً في تآكل المشروع الوطني، وتكريساً لحالة الانقسام التي تستنزف الطاقات وتخدم في المحصلة النهائية الأجندة الإسرائيلية الرامية إلى تفكيك المشروع الوطني الفلسطيني. الخروج من هذا المأزق يتطلب شجاعة سياسية استثنائية، وتغليباً للمصلحة الوطنية العليا على الحسابات الفصائلية الضيقة، والبدء في تهيئة المناخات اللازمة من خلال: توفير بيئة من الحريات العامة تضمن نزاهة العملية التنافسية والتوافق الوطني على ضمانات لإنجاح العملية الانتخابية في كافة التراب الفلسطيني (الضفة، القدس، غزة).

إن مواجهة مخططات التهجير ومصادرة الأرض لا تتطلب فقط صموداً على الأرض، بل تتطلب أيضاً “صموداً ديمقراطياً” يعكس صلابة المجتمع وتماسكه. الانتخابات الفلسطينية هي الوسيلة التي ستعيد توجيه البوصلة الوطنية نحو مسارها الصحيح. إن رد الأمانة إلى أصحابها عبر صناديق الاقتراع ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان وطني بأن الشعب الفلسطيني، رغم كل ما يتعرض له من تهجير وتضييق، لا يزال حياً، يقرر مصيره، ويختار من يحمي أمانته. غياب الانتخابات يعني غياب أدوات المساءلة الداخلية على الفساد وسوء الإدارة، وهو ما يغذي الاحتقان الشعبي تجاه السلطة نفسها، لا الاحتلال فقط. الانتخابات تفتح الباب أمام تجديد الكوادر ومحاسبة الأداء. كما أن جيل كامل من الفلسطينيين لم يُصوّت أبداً في انتخابات وطنية. غياب المشاركة السياسية الرسمية يدفع الطاقات الشابة إما نحو العزوف الكامل على المشاركة في الحياة السياسية والوطنية  والاتجاه الى الهجرة بينما الانتخابات توفر قناة سلمية ومؤسسية للتغيير وتجديد النخبة السياسية الخروج من المأزق يبدأ حين يدرك الجميع أن الديمقراطية ليست نقطة ضعف، بل هي أقوى أسلحة الشرعية وأصلب دروع البقاء.

Share This Article