تشهد الضفة الغربية موجة متسارعة من التوسع الاستيطاني، لم تعد تقتصر على بناء وحدات سكنية داخل المستوطنات القائمة، بل باتت تشمل إنشاء مستوطنات جديدة، وإعادة إحياء مستوطنات أخليت سابقًا، وتحويل بؤر استيطانية إلى تجمعات معترف بها إسرائيليًا، إلى جانب ضخ موازنات كبيرة لتثبيت هذه المواقع وربطها بشبكات طرق وبنية تحتية.
المسار :وأحدث التطورات جاء مساء الأربعاء، مع افتتاح مستوطنة “معاليه عروغوت” ضمن تجمع “غوش عتصيون” جنوب الضفة، لتصبح، بحسب الإعلام العبري، ثالث مستوطنة يجري تدشينها خلال الأسبوع الجاري. وتقع المستوطنة على محور يربط بين الأجزاء الغربية والشرقية من “غوش عتصيون”، وهو موقع وصفته الجهات الاستيطانية نفسها بأنه يهدف إلى خلق تواصل استيطاني بين أجزاء التجمع.
وسبق ذلك افتتاح مستوطنة “ماكيدا” شمال غرب الخليل، ومستوطنة “نوعا” جنوب شرق جنين، ما يعني أن التوسع الأخير لا يتركز في منطقة واحدة، بل يمتد من شمال الضفة إلى جنوبها.
من القرارات إلى البناء على الأرض
التحرك الحالي يأتي ضمن سياسة أوسع دفعت بها الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة. وبحسب معطيات إسرائيلية منشورة في تموز/يوليو، أقرت الحكومة الحالية منذ تشكيلها إنشاء أو تسوية وضع 103 مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بالحكومات السابقة.
وفي خطوة تهدف إلى نقل هذه القرارات من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، خصصت الحكومة نحو 1.3 مليار شيكل لبدء إقامة 34 مستوطنة، عبر تمويل مبانٍ أولية وطرق وشبكات بنية تحتية، بالتوازي مع استكمال إجراءات التخطيط الدائم.
وهذا التحول مهم؛ إذ لم تعد العديد من مشاريع الاستيطان مجرد خرائط أو قرارات حكومية مؤجلة، بل بدأت تتحول إلى مواقع مأهولة ومنشآت وطرق وخدمات، بما يصعب التراجع عنها مستقبلًا.
E1.. المشروع الأكثر حساسية
بالتوازي، تقدمت سلطات الاحتلال خطوة إضافية في مشروع “E1” شرق القدس، بطرح مناقصة في آب/أغسطس لبناء 1234 وحدة استيطانية ضمن سبعة مجمعات سكنية في المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة “معاليه أدوميم”.
وتكمن أهمية المشروع في موقعه الجغرافي؛ إذ تقول الأمم المتحدة ودول عدة إن البناء في E1 من شأنه أن يضرب التواصل الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها، ويزيد من عزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني.
ولهذا تحوّل المشروع خلال الأسابيع الأخيرة إلى محور مواجهة دبلوماسية، مع صدور مواقف دولية رافضة له وتحذيرات من اتخاذ إجراءات ضد النشاط الاستيطاني إذا بدأ التنفيذ الفعلي.
العودة إلى مستوطنات أُخليت قبل عقدين
وفي شمال الضفة أيضًا، أعادت إسرائيل خلال آب/أغسطس إسكان مستوطنة “غانيم” قرب جنين، التي كانت قد أخليت عام 2005، بعد وضع منازل جاهزة وعودة عائلات استيطانية إليها.
وتزامنت هذه الخطوات مع إنشاء تجمعات استيطانية جديدة في محيط جنين، بما يعيد الاستيطان إلى مناطق كانت قد أخليت قبل أكثر من عشرين عامًا ويضيف محورًا جديدًا للتوسع في شمال الضفة.
البؤر تمتد إلى مناطق B
التغيير الآخر اللافت يتمثل في انتقال البؤر الاستيطانية إلى مناطق مصنفة “B”، بعدما كانت تتركز تاريخيًا في المنطقة “C”.
ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، نقلًا عن معطيات “السلام الآن”، إلى إقامة ما لا يقل عن 26 بؤرة استيطانية داخل مناطق B خلال العامين ونصف العام الماضيين، بينها 19 منذ نهاية 2024، معظمها خلال الأشهر الأخيرة.
وتقدّر المعطيات أن المستوطنين بسطوا سيطرتهم على أكثر من 100 ألف دونم في مناطق A وB، بينها نحو 55 ألف دونم داخل مناطق B.
وتظهر آثار هذا التوسع في قرى مثل قصرة جنوب نابلس، حيث ارتبطت إقامة البؤر الجديدة بتقييد وصول الأهالي إلى الأراضي والمياه والكهرباء، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين.
ماذا تعني هذه الخريطة؟
عند جمع التطورات الأخيرة، تظهر ثلاثة مسارات متزامنة: توسيع وربط الكتل الاستيطانية الكبرى جنوب الضفة، دفع مشروع E1 شرق القدس، وإعادة الاستيطان وتوسيعه في شمال الضفة، إلى جانب انتشار البؤر في مناطق كانت بعيدة نسبيًا عن الاستيطان المنظم.
وبذلك، لا يتعلق التصعيد الحالي بعدد الوحدات السكنية وحده، بل بإعادة رسم شبكة السيطرة على الأرض من خلال المستوطنات والطرق والبؤر والبنية التحتية، وربطها ببعضها بصورة أكثر تماسكًا.
ويؤكد مسؤولون إسرائيليون، وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، صراحة أن أحد أهداف هذه السياسة هو منع إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، فيما ترى الأمم المتحدة ومعظم دول العالم أن المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفة للقانون الدولي وتشكل أحد أبرز التهديدات لإمكانية تطبيق حل الدولتين.
ومع الانتقال المتسارع من قرارات الاعتراف والتمويل إلى إقامة مستوطنات فعلية على الأرض، يبدو أن ملف الاستيطان يدخل مرحلة جديدة عنوانها تثبيت وقائع يصعب عكسها، وليس مجرد توسيع المستوطنات القائمة.

