المسار : يضع قرار اعتماد نظام “المجاميع الانتخابية” لاختيار ممثلي الجاليات الفلسطينية في الخارج للمجلس الوطني الفلسطيني، النظام السياسي الفلسطيني أمام أزمة جديدة تتصل بشرعية التمثيل وآليات إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وسط اعتراضات من قوى وفصائل فلسطينية، وفي مقدمتها قوى اليسار داخل المنظمة، التي ترى أن إصلاح النظام السياسي لا يمكن أن يتم عبر آليات انتقائية أو إجراءات منفردة.
وتؤكد القوى الرافضة لهذه الآلية أن إعادة بناء المجلس الوطني ومنظمة التحرير يجب أن تقوم على أساس الشراكة الوطنية والتمثيل الديمقراطي، بما يضمن مشاركة مختلف القوى السياسية والمجتمعية الفلسطينية في الداخل والشتات، ويحفظ للمنظمة دورها باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني.
وتأتي هذه الاعتراضات بعدما اتهمت ثمانية فصائل وقوى فلسطينية قيادة السلطة الفلسطينية بالتفرد والإقصاء، معتبرة أن اعتماد “المجاميع الانتخابية” لا يعالج أزمة النظام السياسي، بل قد يفتح الباب أمام تكريس واقع سياسي قائم على احتكار القرار والتمثيل.
وترى هذه القوى أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تكون لاستكمال إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي، والاتفاق على آلية انتخابية تتيح للشعب الفلسطيني اختيار ممثليه، بدل الاكتفاء بترتيبات تحددها القوى القائمة على إدارة المؤسسات.
ويشير مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون إلى أن الفصائل الفلسطينية أبدت استعدادًا لخيار الاقتراع الشامل، في حين أُلغيت انتخابات سابقة بقرارات ومراسيم حالت دون استكمال مسار إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة انتخابية.
ويعتبر المدهون أن “المجاميع الانتخابية” تفتقر إلى الأسس التي تجعلها بديلًا عن الانتخاب المباشر، معتبرًا أنها قد تتحول إلى آلية لتعيين ممثلين بصورة غير مباشرة، بما يضعف ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات المنتخبة، ويعمق أزمة الشرعية السياسية.
ويأتي ذلك في وقت أعلنت فيه وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” انتخاب أعضاء في المجلس الوطني الجديد في عدد من دول الخليج، حيث جرت عملية انتخاب ممثلين عن الجاليات الفلسطينية في قطر والبحرين والكويت.
وذكرت الوكالة أن الانتخابات جرت في العاصمة القطرية الدوحة خلال اجتماع عقدته لجنة المتابعة لانتخابات المجلس الوطني مع ممثلي الجالية، مشيرة إلى أن العملية بدأت في الكويت وتواصلت في البحرين.
وبحسب المعترضين، فإن الإشكالية لا تتعلق فقط بطريقة اختيار ممثلي الجاليات، وإنما بمسار سياسي أوسع يتعلق بمستقبل منظمة التحرير وتركيبتها ودورها، وما إذا كانت عملية إعادة تشكيل المجلس الوطني ستقود إلى توسيع التمثيل الوطني أم إلى إعادة إنتاج التوازنات السياسية القائمة.
وفي المقابل، يدافع المتحدث باسم حركة فتح إياد أبو زنيط عن الإجراءات الرسمية، مستندًا إلى تعديلات تشريعية صدرت بين عامي 2013 و2021، قال إنها تجيز اللجوء إلى “المجاميع الانتخابية” في الساحات الخارجية التي يتعذر فيها إجراء الاقتراع المباشر.
وأوضح أبو زنيط أن العملية تُدار من خلال لجنة عليا تضم فصائل منظمة التحرير، معتبرًا أن الاعتراضات الفصائلية لا ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل العملية الانتخابية.
غير أن هذا الطرح يواجه اعتراضات من قوى فلسطينية ترى أن وجود ممثلين عن فصائل المنظمة في اللجنة المشرفة لا يحسم وحده مسألة الشرعية، ما لم تكن الآلية ذاتها قائمة على توافق وطني واسع، وتضمن مشاركة مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
ويرى مدير مركز “مسارات” لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية هاني المصري أن الإشكالية تتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يرى أن تشكيل المجلس الوطني بهذه الطريقة قد يؤدي إلى إبقاء المؤسسات الفلسطينية تحت سيطرة لون سياسي واحد، بدل العمل على فتح المجال أمام إعادة بناء منظمة التحرير على أساس الشراكة.
ويشير المصري إلى ضرورة الالتزام بخريطة الطريق التي أقرتها الحوارات الفلسطينية السابقة، ولا سيما التفاهمات التي هدفت إلى توسيع إطار منظمة التحرير ودمج القوى الفلسطينية خارجها، معتبرًا أن تجاوز هذا المسار يعمق أزمة النظام السياسي بدل معالجتها.
وتتمسك قوى اليسار الفلسطيني داخل منظمة التحرير، في هذا السياق، بمبدأ أن المنظمة ملك للشعب الفلسطيني بمختلف قواه واتجاهاته، وأن تجديد شرعيتها يتطلب إعادة بناء مؤسساتها على قاعدة الانتخابات والتوافق الوطني، لا تحويلها إلى إطار مغلق على القوى الموجودة داخلها فقط.
وترى هذه القوى أن إعادة بناء المجلس الوطني يجب أن تكون جزءًا من عملية سياسية شاملة تعيد الاعتبار للمجلس باعتباره الإطار التشريعي والوطني الجامع للفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة، مع ضمان تمثيل اللاجئين والجاليات والقوى السياسية والاجتماعية والنسوية والشبابية والنقابية.
كما تؤكد أن معالجة الانقسام الفلسطيني لا يمكن فصلها عن إصلاح منظمة التحرير، وأن المطلوب ليس مجرد استبدال أعضاء أو إعادة توزيع مقاعد، وإنما إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية والمساءلة الديمقراطية.
وفي ظل هذه الخلافات، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجاوز حالة الاستقطاب والانقسام. فالمضي في تشكيل المجلس الوطني من دون توافق وطني واسع قد يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين الفصائل، بينما يمكن أن يشكل الحوار الوطني فرصة لإعادة صياغة قواعد العملية السياسية بما يضمن مشاركة أوسع ويعيد الاعتبار لمبدأ التمثيل الشعبي.
ويحذر المعترضون من أن استمرار الإجراءات الانفرادية قد يزيد الانقسام الداخلي عمقًا، في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية تحديات سياسية وميدانية مصيرية، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى توحيد الصف الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات الوطنية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وتبقى الانتخابات الشاملة وإعادة بناء منظمة التحرير على أساس ديمقراطي وتشاركي، بالنسبة إلى قوى اليسار الفلسطيني، المدخل الأساسي للخروج من أزمة الشرعية، عبر تمكين الشعب الفلسطيني من اختيار ممثليه، وإنهاء احتكار القرار، وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة المشاركة الوطنية لا الإقصاء.
وتأتي هذه التطورات قبيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي حدد الرئيس محمود عباس موعدها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، والتي ستكون، في حال إجرائها، أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عام 2006، ما يضع القوى السياسية أمام استحقاق مزدوج يتمثل في تجديد المؤسسات المنتخبة وفتح مسار أوسع لإعادة بناء منظمة التحرير ومؤسسات النظام السياسي على قاعدة الشراكة والتمثيل الوطني الشامل.

