المسار : أثارت تسجيلات صوتية وصور التقطتها بالخطأ كاميرا محمولة على صدر شرطي تابع للبلدية في مدينة كاركاسون جنوب فرنسا، موجة واسعة من الاستنكار، بعدما تضمنت تصريحات عنصرية ضد الأجانب ومسيئة للنساء والمثليين، إلى جانب مواقف مؤيدة للانقلاب العسكري ونظريات مؤامرة.
القضية وضعت أيضاً حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، ورئيس بلدية المدينة المنتمي إليه، في موقف سياسي محرج.
تعود الوقائع إلى بداية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2025، بينما كانت دورية من الشرطة البلدية في كاركاسون في مهمة ليلية، وقام أحد أفرادها، وهو ضابط برتبة brigadier-chef principal، يبلغ 50 عاماً، بتشغيل كاميرته الجسدية عن طريق الخطأ، وظلت تعمل لساعات، بحسب التحقيقات الصحافية.
تؤكد التقارير أن الشرطي المعني كان معروفاً بقربه من حزب “التجمع الوطني” (RN) اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، حيث كان عضواً في جهاز الأمن التابع للحزب، وشارك في تأمين زيارة رئيسه الحالي جوردان بارديلا إلى مدينة كاركاسون في شهر فبراير/شباط عام 2026.
سجلت الكاميرا المحادثات بين أفراد الدورية. ولم تظهر التسجيلات إلى العلن إلا في شهر سبتمبر/أيلول عام 2026، بعد أن حصلت عليها صحيفة Midi Libre الفرنسية ونشرت مقتطفات منها. وقد كشفت التسجيلات عن استخدام الشرطي لعبارات عنصرية بحق أشخاص من أصول مغاربية أو أفغانية، بينما شارك أحد زملائه في إطلاق عبارات مشابهة.
لم تقتصر التسجيلات على العنصرية، بل تضمنت أيضاً تصريحات عن المرأة والأسرة تتبنى تصوراً ذكورياً متطرفاً، إضافة إلى ترديد ادعاءات كاذبة مرتبطة بنظرية مؤامرة حول السيدة بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي.
كما تحدث أفراد من الدورية عن إمكانية حدوث انقلاب عسكري في فرنسا، وعبّر أحدهم عن تأييده لفكرة “ديكتاتورية صغيرة” في البلاد، بحسب التقارير، التي أوضحت أن التصريحات امتدت للجدل إلى الحديث عن حرب الجزائر، والجيش، واليسار الفرنسي، والهجرة، والإسلام.
أثارت التسجيلات ردود فعل سياسية واسعة؛ حيث وصف رئيس بلدية كاركاسون، كريستوف بارتيز، المنتمي إلى حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف، التصريحات بأنها “مقززة وغير مبررة”، وأعلن تعليق مهام جميع الأشخاص المعنيين الذين ظهروا في التسجيلات. لكنه في الوقت نفسه اتهم الإدارة البلدية السابقة بالتعامل مع القضية خلال الفترة السابقة للانتخابات، معتبراً أن الكشف عنها الآن قد يكون جزءاً من محاولة للإضرار بالإدارة الجديدة.
أما المعارضة البلدية، فشككت في هذا التفسير، وطالبت بتوضيحات حول سبب عدم اتخاذ إجراءات ضد الشرطي في وقت سابق، خصوصاً أنه عاد إلى عمله في الشرطة البلدية بعد انتهاء إجازة مرضية في شهر مارس/ آذار 2026.
على المستوى الحكومي، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز فتح عملية تفتيش للشرطة البلدية في كاركاسون، مؤكداً أن التصريحات العنصرية والمسيئة “لا تليق بزي الشرطة البلدية ولا بقيم الجمهورية”.
كما دانت وزيرة المساواة بين النساء والرجال ومكافحة التمييز أورور بيرجي التصريحات، وطالبت باتخاذ إجراءات فورية إذا ثبتت مسؤولية المعني.
أما حزب “التجمع الوطني”، فسارع إلى النأي بنفسه عن الشرطي، معلناً طرده من جهاز الأمن التابع للحزب واستبعاده من صفوفه، مع إدانة التصريحات التي وصفها بأنها يمكن أن تكون موضع ملاحقة قضائية.
من جانبه، قال زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون إن الفيديو يكشف “وجهاً يجب أن تتخلص منه الشرطة”، مندداً بما وصفه بـ”العنصرية وكراهية الإسلام والتمييز الجنسي وكراهية المثليين بشكل سافر”. وأشار إلى أن الشرطي المعني كان أيضاً عضواً في جهاز الأمن التابع لحزب “التجمع الوطني”، مطالباً بإقالته دون تأخير.
واعتبر ميلانشون أن استمرار الشرطي في الخدمة يطرح تساؤلات جدية حول آليات الرقابة والمحاسبة داخل جهاز الشرطة، داعياً إلى تطهير المؤسسة من هذه الممارسات وإعادتها إلى الالتزام الصارم بالمبادئ الجمهورية، معتبراً أن مواجهة العنصرية والتمييز داخل أجهزة إنفاذ القانون يجب أن تبدأ من أعلى مستويات الدولة وتمتد إلى جميع المستويات.
وقد فتحت النيابة العامة في كاركاسون تحقيقاً قضائياً، تزامنا مع تحقيقات إدارية داخل الشرطة البلدية. وتكمن إحدى النقاط القانونية الأساسية في تحديد هوية الأشخاص الذين نطقوا بكل عبارة مسجلة، حيث أوضحت السلطات البلدية أن التحقيق الإداري لم يتمكن من تحديد صاحب كل تصريح بشكل قاطع، نظراً إلى مشاركة عدة أشخاص في المحادثات وعدم إجراء تحديد رسمي للأصوات.
يواجه الشرطي المعني الرئيسي وزملاؤه احتمال فرض عقوبات تأديبية قد تصل إلى الإبعاد من الشرطة البلدية، بحسب ما ستخلص إليه التحقيقات. كما أن أي إدانة قضائية محتملة قد تكون لها تبعات إضافية.

