وتبرز بؤرة “كيدا” المقامة على أراضي قرية جالود جنوبي نابلس نموذجاً حياً لهذه الاستراتيجية التي تطبق ما يعرف بـ”الضم الخفي”.
وخصصت سلطات الاحتلال مؤخراً نحو 1627 دونماً من الأراضي الفلسطينية لتوسعة هذه البؤرة وربطها بالمستوطنات الكبرى المجاورة.
وكانت هذه المنطقة الممتدة بين محافظتي نابلس ورام الله تشكل مساحات شاسعة من الجبال والهضاب المكسوة بأشجار الزيتون والمراعي الطبيعية التابعة لأهالي جالود وقصرة ودومة.
واستغل المواطنون تلك الأراضي في زراعة الحبوب والأشجار المعمرة، ومع بدايات العقد الأول من القرن الحالي، بدأ المستوطنون بالتمدد عبر خيام وبيوت متنقلة بدعوى إقامة نقاط أمنية ومزارع رعوية، ليتطور الأمر تدريجياً إلى بؤرة “كيدا”.
واليوم أصبحت “كيدا”، كتلة استيطانية تضم عشرات الوحدات السكنية والمباني الثابتة والمرافق الخدمية.
تحول مفصلي استيطاني
وفي تحول مفصلي، لم تعد “كيدا” مجرد بؤرة عشوائية على الهامش، بل تحولت رسمياً إلى مستوطنة سكنية قائمة بذاتها، مستفيدة من منهجية قديمة يُعاد إنتاجها.
وتُعيد هذه الآلية إلى الأذهان ما جرى عقب إخلاء بؤرة “عمونة” عام 2008 بقرار قضائي، حين جرى التعويض عنها بنقل المستوطنين ونشرهم على أراضي “شيلو”.
واليوم، يتكرر المشهد في “كيدا” عبر هندسة تحايلية تستهدف اقتطاع الأراضي وتقليص مساحاتها، لتجاوز القوانين التي تمنع البناء على الأملاك الفلسطينية الخاصة، ودمجها قصراً ضمن ما يُسمى “أراضي الدولة” لتسوية وضع المستوطنين.
غير أن هذا الغطاء القانوني الشكلي سقط عملياً لصالح سياسة فرض الأمر الواقع بالبلطجة المباشرة وتوفر الغطاء الرسمي من سلطات الاحتلال، كما يجزم مسؤول ومختص بشؤون الاستيطان.
تفريغها لمنع التوسع
ويقول مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود، في حديث له، إن “إسرائيل لم تعد تتعامل مع البؤر الاستيطانية باعتبارها ظاهرة عشوائية، بل تحولها عبر القرارات الإدارية المتتالية إلى مستوطنات قائمة بذاتها تتمدد على حساب المساحات المفتوحة”.
ويلفت داود إلى أن إعادة تخصيص أحواض كاملة بمئات الدونمات، لصالح بؤرة مثل “كيدا” ليس سوى وسيلة سريعة للالتفاف على المسارات القانونية.
ويضيف “هذا الالتفاف والتسارع يهدف إلى تفريغ المنطقة من أي تمدد عمراني أو زراعي فلسطيني مستقبلي”.
واقع فاصل
ويؤكد داود أن الخطورة المترتبة على هذا التوسع لا تقتصر على سلب المساحات الزراعية المباشرة، بل تمتد لتخلق واقعاً يفصل الوسط عن الشمال.
ووفق المختص، فإن الفصل بين الجهتين، يجري عبر ربط “كيدا” بشريط استيطاني متصل يمتد نحو مستوطنات “شيلو” و”شفوت راحيل” و”عادي عاد”.
وينوه إلى أن هذا التمدد يحول القرى الفلسطينية المجاورة مثل جالود ودومة إلى جيوب محاصرة بين التلال المصادرة والشوارع الالتفافية المخصصة للمستوطنين.
ويحرم هذا التمدد أصحاب الأرض من الوصول إلى مصادر رزقهم، ويضع المنطقة بأكملها تحت الحصار والتجريف الدائم، وفق داود.

