وأكد الشوا، في حديثه له ، أن القوارض لا تعرف الحدود السياسية، وكذلك الكوارث البيئية لا تتوقف عندها، مشددًا على أن صحة الإنسان والحيوان والبيئة مترابطة، وأن حماية الصحة البيئية في غزة تمثل ضرورة إنسانية وصحية وزراعية وأمنية للمنطقة بأكملها.
وقال: “ما يحدث لا ينبغي اختزاله في قصة طريفة عن (فئران غزة التي عبرت الحدود)؛ فالقصة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام تجربة حية لكيف يمكن للحرب وتدمير الموائل وتعطل خدمات الصحة البيئية، عندما تتفاعل مع المناخ والزراعة والغذاء وحركة الحيوانات، أن تغير توازن نظام بيئي كامل”.
وأضاف: “لا نستطيع علميًا أن نقول إن جميع القوارض الموجودة على الجانب الآخر جاءت من غزة، كما لا نستطيع تجاهل احتمال أن يؤدي الدمار الهائل واضطراب الموائل إلى حركة القوارض وإعادة توزيعها”.
وشدد على أن الخطأ الأول الذي يجب تجنبه هو التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد “غزو فئران”، قائلًا: “نحن أمام قضية بيئية أكثر تعقيدًا، وقد تكون ناتجة عن تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه”.
وأوضح أن الحرب أحدثت “اضطرابًا هائلًا” في البيئة داخل قطاع غزة وفي المنطقة الحدودية، مشيرًا إلى الدمار الواسع للمباني، والكميات الضخمة من الركام، وتراكم النفايات ومخلفات الغذاء، وتضرر شبكات المياه والصرف الصحي، والنزوح السكاني الواسع، واضطراب الأراضي الزراعية والموائل الطبيعية، إلى جانب تراجع خدمات الصحة البيئية وبرامج مكافحة الآفات.
وقال إن هذه التغيرات “يمكن أن تؤثر في أماكن معيشة القوارض ومصادر غذائها وتكاثرها وحركتها”، مضيفًا: “عندما يتغير المأوى أو الغذاء أو الماء، تبدأ القوارض بالبحث عن موائل بديلة”.
لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة عدم إرجاع الظاهرة إلى الحرب وحدها، موضحًا أن “العوامل المناخية والموسمية، وتوفر الغطاء النباتي والغذاء، وأنماط الزراعة واستخدام الأراضي، يمكن أن تسهم في الانفجارات العددية لبعض القوارض الحقلية”.
وقال: “نحن أمام اضطراب بيئي متعدد العوامل يحتاج إلى دراسة ميدانية، وليس إلى تفسير واحد مبسط”.
هل جاءت القوارض من غزة؟
وفي رده على سؤال حول إمكانية القول إن القوارض انتقلت من داخل قطاع غزة إلى المناطق الواقعة على الجانب الآخر من الحدود، قال الشوا إن ذلك “احتمال يمكن دراسته”، لكنه لا يجوز علميًا تقديمه باعتباره حقيقة مثبتة حتى الآن.
وأوضح أن القوارض قادرة على التحرك عندما تتعرض موائلها للدمار أو الاضطراب، وبالتالي فمن الممكن بيولوجيًا حدوث انتقالات من منطقة إلى أخرى، إلا أن إثبات أن مجموعات بعينها انتقلت من غزة إلى منطقة محددة “يحتاج إلى مسوحات ميدانية وتحديد الأنواع ومقارنة التوزيع الجغرافي، وربما دراسات وراثية إذا أريد إثبات منشأ التجمعات بدرجة عالية من الدقة”.
وأضاف: “هناك نقطة مهمة جدًا ظهرت بعد التدقيق في أنواع القوارض الموجودة أصلًا في المنطقة؛ بعض القوارض الحقلية من مجموعة الـJirds أو المريونات Meriones موجودة تاريخيًا في فلسطين وفي البيئات الزراعية والجافة، ولذلك لا يمكن اعتبار مجرد وجودها الآن دليلًا على أنها قدمت حديثًا من غزة”.
وتابع: “القوارض لا تعرف الحدود السياسية، ولكن العلم أيضًا لا يسمح لنا بتحديد اتجاه هجرتها دون دليل”.
الفئران والجرذان والـJirds.. أنواع مختلفة
وحول الفئران والجرذان، وكذلك الـJirds التي تُرجمت أحيانًا إلى “الجربيل”، أوضح الشوا أن الترجمة الإعلامية غير الدقيقة لأسماء القوارض قد تضع أنواعًا مختلفة تحت مسمى واحد هو “الفئران”.
وقال: “لدينا الفأر المنزلي، ولدينا الجرذان المعروفة مثل الجرذ الأسود والجرذ البني، وهذه ترتبط بدرجة كبيرة بالمساكن والمخازن والنفايات وشبكات الصرف والبيئة البشرية”.
وأضاف: “لكن الـJirds هي قوارض حقلية تنتمي إلى مجموعة الجرابيل Gerbillinae، ومنها جنس Meriones، وهي مرتبطة أكثر بالحقول والسهوب والبيئات الجافة وشبه الصحراوية، وتتغذى على النباتات والبذور والحبوب ومواد نباتية أخرى، وتحفر جحورًا في التربة”.
وأكد أن من الأنواع المعروفة والمسجلة في فلسطين “مريون ترسترام” Meriones tristrami – Tristram’s jird، وهو قارض حقلي متوسط الحجم، يعيش أيضًا قرب الأراضي الزراعية، ويمكن أن ترتفع أعداده بشدة في الظروف الملائمة، ما قد يؤدي إلى أضرار بالمحاصيل.
واستطرد: “لكنني أشدد هنا على نقطة مهمة: ما دام التقرير حول غزو الجرذان لمستوطنات غلاف غزة لم يقدم تحديدًا علميًا للنوع المسؤول عن الضرر الزراعي، فلا يصح أن نقول إن Meriones tristrami تحديدًا هو الذي تسبب في الخسائر المذكورة”.
ورجّح أن تكون القوارض الحقلية من مجموعة الـJirds مسؤولة عن بعض الأضرار، موضحًا أن M. tristrami يمثل مثالًا مهمًا لنوع معروف ومسجل في المنطقة.
وحول الأسماء الشعبية المستخدمة في غزة للقوارض، مثل “الجربوع المصري” أو “الجربوع السوري”، دعا إلى التعامل معها بحذر، لأنها قد تستخدم محليًا لأكثر من قارض، بينما يميز التصنيف العلمي بين الجربوع الحقيقي Jerboa والـGerbil والـJird.
لماذا ارتفعت أعداد القوارض؟
وحول الأعداد الكبيرة لهذه القوارض خلال الحرب، أكد الشوا أن القوارض تتميز بقدرتها العالية على التكاثر والاستفادة السريعة من الظروف البيئية الملائمة.
وقال: “لدينا في الوقت نفسه ركام يوفر آلاف المخابئ والجحور، ونفايات ومخلفات غذائية، واضطراب في الصرف الصحي، وتغير في تخزين الغذاء، وتراجع في عمليات النظافة والمكافحة، وأراضٍ زراعية ومناطق تعرضت للهجر أو الاضطراب”.
وأضاف: “إذا تزامن ذلك مع ظروف مناخية ملائمة ووفرة في الغطاء النباتي والغذاء، يمكن أن ترتفع أعداد بعض الأنواع بسرعة”.
وأشار إلى أن إزالة الركام أو تحريك التربة لا يعني تلقائيًا القضاء على القوارض، محذرًا من أن التعامل مع الركام بمعزل عن برنامج المكافحة قد يؤدي إلى نقل المشكلة بدل حلها.
وقال: “إذا حركنا الركام الذي يحتوي على جحور ومخابئ دون تنفيذ برنامج مكافحة متزامن، فقد ندفع القوارض ببساطة إلى الانتقال إلى الأحياء أو الحقول المجاورة، وهذه نقطة سبق أن حذرت منها عند حديثي قبل أشهر عن أزمة القوارض داخل قطاع غزة”.
القوارض الحقلية تغيّر قراءة الظاهرة
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان وجود القوارض الحقلية مثل الـJirds يغير تفسير الظاهرة، أجاب الشوا: “نعم، وهذه في رأيي واحدة من أهم النقاط العلمية في القصة”.
وأوضح: “لو كانت الظاهرة مقتصرة على الجرذان والفئران المنزلية، لكان من السهل ربطها أساسًا بالنفايات والركام والصرف الصحي، لكن وجود قوارض حقلية وإبلاغ المزارعين عن أضرار في المحاصيل يعني أن علينا النظر أيضًا إلى النظام الزراعي والبيئي الأوسع”.
وأضاف أن القوارض الحقلية تعيش أصلًا في المنطقة، وبعضها معروف بحدوث انفجارات عددية عندما تصبح الظروف البيئية والتكاثرية ملائمة.
وقال: “لذلك فإن السؤال العلمي الأقوى ليس فقط: من أين جاءت هذه القوارض؟ وإنما: لماذا ارتفعت أعدادها الآن إلى هذه المستويات، وما الذي تغير في النظام البيئي والزراعي حتى اختل التوازن بهذه الصورة؟”
وأضاف: “هذا السؤال يحتاج إلى دراسة تأثير الحرب والركام وتغير استخدام الأراضي، إلى جانب المناخ والأمطار والغطاء النباتي والزراعة ومصادر الغذاء والمفترسات الطبيعية وبرامج المكافحة”.
أضرار زراعية واقتصادية
وحول الأضرار الزراعية والاقتصادية التي يمكن أن تسببها زيادة أعداد القوارض في المناطق الزراعية، ومنها تضرر حقول الفول السوداني، أوضح الشوا أن ارتفاع كثافة القوارض الحقلية يحوّل الظاهرة مباشرة إلى قضية اقتصادية وأمن غذائي.
وقال: “القارض لا يستهلك فقط جزءًا من المحصول؛ يمكن أن يأكل البذور والبادرات والنباتات، ويتلف المحصول ويخزن جزءًا من الغذاء داخل جحوره، كما تستطيع القوارض تلويث الأعلاف والمخزونات الغذائية”.
وأكد أن الخسارة الاقتصادية الحقيقية لا تقتصر على المحصول المفقود، بل تشمل أيضًا المحاصيل المتضررة، وتلوث الغذاء والأعلاف، وتكاليف المكافحة، وحماية المخازن والمنشآت، وأي أضرار مادية إضافية.
وقال: “الدراسات الزراعية في المنطقة وثقت منذ سنوات أن Meriones tristrami وغيره من القوارض الحقلية يمكن أن تكون لها أهمية اقتصادية في المحاصيل، لذلك فإن وجود قوارض حقلية في القصة الحالية ليس تفصيلًا ثانويًا”.
مخاطر صحية تتجاوز الإزعاج
وحول المخاطر الصحية وما إذا كانت هذه القوارض تشكل خطرًا وبائيًا، قال الشوا: “عندما ترتفع كثافة القوارض بصورة غير طبيعية، فإن الأمر يصبح قضية صحة عامة وليس مجرد إزعاج”.
وأضاف: “الخطر المباشر هو العض، لكن توجد أيضًا مخاطر تلوث الأغذية والمياه والأسطح بالبول والبراز والإفرازات، إضافة إلى الطفيليات الخارجية التي قد تحملها بعض القوارض”.
وتابع: “من منظور الطب البيطري والصحة العامة، القوارض معروفة عالميًا بدورها في دورة عدد من الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان؛ لكنني أرفض علميًا أن نقفز من هذه الحقيقة العامة إلى القول إن مرضًا معينًا ينتشر حاليًا بسبب القوارض دون فحوص وتشخيص وترصد وبائي”.
وأكد أن ارتفاع أعداد القوارض يرفع الحاجة إلى المراقبة الصحية والوبائية، بما يشمل تسجيل حالات العض، وتحديد أنواع القوارض، وفحص العينات عند الضرورة، ومراقبة الطفيليات والنواقل والأمراض المحتملة.
وقال إن مفهوم “الصحة الواحدة” One Health يظهر هنا بوضوح، “لأننا أمام نقطة التقاء بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة”.
ظاهرة لها كلفة اجتماعية أيضًا
وفي رده على سؤال حول البعد الاجتماعي للظاهرة، قال الشوا إن هذا الجانب ربما يكون أكثر وضوحًا لدى سكان غزة بعد التجربة التي عاشتها الأسر النازحة خلال الحرب.
وقال: “وجود الجرذان أو الفئران داخل مكان النوم ليس مجرد إزعاج. هو خوف مستمر، واضطراب للنوم، وقلق على الأطفال، وصعوبة في حماية الطعام والممتلكات”.
وأضاف أن المشكلة تصبح أشد داخل الخيام والمباني المتضررة، حيث يصعب إغلاق المداخل أو تخزين الطعام بصورة محكمة، مشددًا على أن مكافحة القوارض “جزء من توفير بيئة سكنية آمنة وكريمة، وليست خدمة تجميلية أو ثانوية”.
هل يمكن أن تهدد المنشآت الحساسة؟
وحول إمكانية تأثير القوارض في المواقع العسكرية أو المنشآت الحساسة، أكد الشوا أنه من الناحية العلمية العامة يمكن أن تمثل القوارض خطرًا تشغيليًا ولوجستيًا، نظرًا لقدرتها على قرض الأسلاك والكابلات ومواد العزل، وإتلاف المواد المخزنة، وتلويث الأغذية.
وقال إن ارتفاع كثافتها في أي منشأة حساسة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، “يمثل خطرًا تشغيليًا ولوجستيًا يستوجب المكافحة”.
لكنه استدرك: “يجب التفريق بين هذا الخطر المعروف علميًا وبين الادعاء بحدوث أضرار محددة في معدات أو منشآت معينة”.
البيئة لا تعرف الحدود
وعن البعد البيئي والسياسي الذي تكشفه الأزمة، قال الشوا إن “الدرس البيئي الأوضح هو أن آثار الحرب على البيئة لا يمكن حصرها داخل خط جغرافي”.
وأضاف: “المياه لا تعرف الحدود، وتلوث التربة لا يعرف الحدود، والحشرات والطيور والحيوانات والقوارض ومسببات الأمراض لا تحمل تصاريح عبور”.
وتابع: “عندما تتضرر منظومات الصرف الصحي وإدارة النفايات والصحة البيئية على نطاق واسع، ويحدث دمار هائل للموائل، فإن النتائج المحتملة قد تمتد إلى النظام البيئي الأوسع”.
وشدد على أن هذا “استنتاج بيئي”، ويجب إبقاؤه منفصلًا عن تحديد المسؤوليات السياسية والقانونية التي تحتاج إلى أدلتها وتحقيقاتها الخاصة.
وأكد الشوا أن إعادة تأهيل البيئة والصرف الصحي وإدارة النفايات ومكافحة الآفات في غزة “ليست مسألة نظافة محلية فقط؛ إنها قضية صحة عامة وأمن بيئي تتجاوز الحدود”.
هل اكتسبت القوارض مقاومة للمبيدات؟
وحول ضعف فعالية بعض مبيدات القوارض المتوفرة، وإمكانية اكتساب القوارض مناعة ضدها، قال الطبيب البيطري إن المقاومة لمبيدات القوارض “ظاهرة معروفة علميًا”، لكنه شدد على أن تشخيصها لا يمكن أن يتم بالمشاهدة وحدها.
وأوضح أن فشل الطُعم قد يكون ناتجًا عن مقاومة المادة الفعالة، لكنه قد يرتبط أيضًا برداءة المادة أو سوء تخزينها، أو عدم ملاءمة تركيزها، أو عدم استساغة الطُعم، أو سوء توزيعه، أو توفر مصادر غذاء طبيعية أكثر جاذبية للقوارض.
وقال: “لذلك فإن عبارة السم لم يعد يؤثر فيها ليست تشخيصًا علميًا كافيًا؛ فنحن نحتاج أولًا إلى معرفة المادة الفعالة وتركيزها ومصدرها وطريقة استخدامها، ثم تقييم الاستهلاك والنتائج، وإذا استمر الاشتباه بالمقاومة يمكن دراستها بصورة متخصصة”.
وحذر من أن الاستخدام العشوائي والمتكرر للمبيدات “ليس حلًا”، وقد يعرض الأطفال والحيوانات الأليفة والطيور والحيوانات غير المستهدفة للتسمم.
ما الحل؟
وفي رده على سؤال حول الحل العلمي الذي يوصي به لغزة لمواجهة أي انفجار عددي مشابه للقوارض، أكد الشوا أن الحل لا يكمن في “توزيع المزيد من السموم بصورة عشوائية”، وإنما في تطبيق برنامج متكامل للإدارة المتكاملة للقوارض Integrated Rodent Management.
وأوضح أن البرنامج يجب أن يبدأ بخريطة ميدانية تحدد الأنواع المنتشرة وكثافتها والجحور ومناطق التكاثر وحالات العض والأضرار الزراعية، ثم معالجة مصادر المشكلة عبر إدارة النفايات ومصادر الغذاء، وتحسين الصرف الصحي، وإغلاق مداخل المباني والمخازن، وإدارة الركام بالتوازي مع برنامج مكافحة، واستخدام المصائد والطعوم المرخصة بطريقة مهنية، ومراقبة فعالية المبيدات واحتمال ظهور المقاومة، مع حماية الأطفال والحيوانات غير المستهدفة.
وأكد أنه في المناطق الزراعية لا ينبغي أن تكون المكافحة عشوائية، لأن النظام البيئي يحتوي أيضًا على مفترسات طبيعية للقوارض، وقد يؤدي الإخلال بهذه المنظومة إلى تفاقم المشكلة بدل حلها.
واقترح الشوا إنشاء برنامج وطني للترصد البيئي للقوارض والآفات، ضمن مفهوم “الصحة الواحدة” One Health، تشترك فيه الجهات الصحية والبيطرية والزراعية والبلديات والجامعات، خصوصًا خلال مراحل إزالة الركام وإعادة الإعمار.

