بقلم “ريما كتانة نزال” انتخابات المجلس الوطني: الفجوة بين النص والتطبيق

المسار : لم يكن إقرار نظام انتخابي جديد للمجلس الوطني الفلسطيني خطوة إجرائية عابرة. فبعد سنوات طويلة من تشكيله وفق أسس ومعايير وعناوين مقنعة ومقبولة: تطلَّع النظام الانتخابي الجديد إلى الإصلاح: بدءا من إعادة الاعتبار إلى صندوق الاقتراع، مروراً بتجديد شرعية المؤسسة التي يفترض أن تمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وانتهاءً بتوسيع المشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني.
هذا ما أعلنته الجهات الرسمية عند المصادقة على النظام في حزيران الماضي.
لكن الانتقال من النص إلى التطبيق كشف سريعاً عن فجوات أثارت أسئلة واعتراضات في عدد من تجمعات الشتات ظهرت خلال الأيام الأخيرة من قبل قوى وفعاليات فلسطينية على طريقة تشكيل المجمعات الانتخابية، وعلى اللجوء إلى التعيين أو الاختيار من دوائر محدودة لا تُجسِّد ما نصّ عليه النظام الانتخابي وأحكامه والالتزام بها.
فالنظام الذي صدر في حزيران 2026 وضع تسلسلاً واضحاً هو: انتخابات حرة ومباشرة حيثما أمكن، ومجمع انتخابي عندما يتعذر إجراؤها، ثم التوافق على تشكيل المجمع الانتخابي حين تتعذر الانتخابات.
وهذا التسلسل أكدته كذلك لجنة المتابعة عند بدء التحضيرات في دول الشتات.
لذلك السؤال المطروح عن الإشكاليات التي واجهتها اللجنة المشرفة التي تعذر معها إجراء الانتخابات، والإعلان عنها!
المشكلة، إذاً، ليست في وجود بدائل تفرضها ظروف الدول المضيفة.
فمن الواقعي إدراك أن القوانين والسياسات في بعضها قد تحول دون إجراء انتخابات فلسطينية عامة ومباشرة، ولكن ليس مقبولاً تحويل الاستثناء ليصبح النمط والأصل قبل الفحص، وليس مقبولاً ألا يعرف أبناء وبنات الجالية لماذا تعذر الخيار الأول حسب النظام، وكيف تم الانتقال إلى الثاني، وكيف ومن الذي اختار أعضاء المجمع الذي من المفترض أن يختاروا ممثليهم.
إن المادة التاسعة من النظام تفتح باباً واسعاً للتمثيل داخل المجمع الانتخابي، كونها تنص على «مشاركة الفصائل والاتحادات الشعبية والنقابية والمؤسسات والجمعيات الأهلية والشخصيات الوطنية المستقلة والمرأة والشباب، إضافة إلى مكونات أخرى تقررها اللجنة التنفيذية لتحقيق التمثيل الوطني الشامل»، لكن التطبيق يكشف عن فجوة تتمثل في عدم تحديد من يختار ممثلي هذه المكونات والمعايير والأوزان المتبعة والتأكد من أن المجمع قد عَكَسَ جميع مكونات الجالية وتنوعها.. ومن هنا يأتي السؤال الذي ينبغي ألا نخشى طرحه: مَن يختار؟ والسؤال ليس تشكيكاً بل دفاعاً عن حق المشاركة والشفافية والتنوع والتمثيل الشامل.
ويكشف التطبيق ثغرة أخرى تتعلق بتمثيل المرأة: في بعض البلدان قد يقتصر تمثيلها في المجلس الوطني على مقعد واحد أو اثنين فقط، ما يتسبب تقليدياً في تفضيل تمثيل الرجال، ما يخل بتمثيل النساء، وعليه يتطلب معالجة ذلك من خلال تكييف آلية التنفيذ للحفاظ على نسبة التمثيل واحتسابها بالنظر لبعض الجاليات كمجموعات واحدة من أجل احتساب نسبة النساء.
لقد أسفرت التجارب التي خيضت لانتخاب أعضاء المجلس الوطني في الكويت والبحرين عن إشكاليات واضحة، كما ظهر أن المحاولات الجارية لتطبيق ذات النهج في لبنان وبعض الدول الأوروبية وأميركا عن ردود فعل ترفض الطريقة المتبعة، لذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها عائقاً أمام استكمال العملية، كما لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإسقاطها بالكامل، بل النظر إليها باعتبارها إنذاراً مبكراً وفرصة للإصلاح، والوقت ما زال يسمح بذلك، والتراجع خطوة لتوسيع المشاركة ليس تراجعاً عن الانتخابات، بل قد يكون تقدماً نحو معناها الحقيقي.
الأهم أن الوقت لم يفت بعد من أجل الإصلاح، وأول الإصلاحات الممكنة هو إعلان معايير موحدة وشفافة لتشكيل المجمعات الانتخابية في جميع الساحات ونشر مواعيد انتخابها وأسماء الناخبين بما يسمح للجالية بمعرفة من سيترشح ومن ستنتخب.
وثاني الإصلاحات: أن يكون الانتخاب هو الأولوية المفضلة لتشكيل المجمع الانتخابي نفسه حيثما أمكن ذلك. وإن تعذر إجراء انتخابات عامة ينبغي الإعلان عن سبب التعذر فقد يتم اقتراحات بديلة من خلال اختيار ممثلي المكونات داخل المجمع توخيا للاقتراب من الإرادة الشعبية، بمعنى أن كل خطوة يجب أن تكون معلنة ومفسرة لأبناء وبنات جميع الجاليات عن أسباب تعذر انتخاب المجمع الانتخابي وجميع الخطوات اللاحقة بما فيها خيار الانتقال إلى التوافق.
أما الإصلاح الأكثر أهمية فيتمثل في تعزيز استقلالية الإشراف الانتخابي. فعملية بهذا الحجم، هدفها تجديد شرعية المؤسسة الوطنية الجامعة، تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الفصل بين المتنافسين والجهة التي تدير العملية.
ويمكن الاستفادة من خبرة لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، أو بإنشاء هيئة انتخابية مستقلة ومتخصصة للمجلس الوطني تعمل وفق معايير مهنية معلنة.
المطلوب اليوم ليس العودة عن النظام الانتخابي، وإنما حماية مضامينه الديمقراطية من الابتلاع بسبب تحجيم المشاركة الواسعة، فالهدف الأساسي الخروج بمجلس وطني متجدد يستعيد ثقة الفلسطينيين في الوطن والشتات، والطريق إلى الهدف لا يدور عمن يمثل الفلسطينيين في دول الشتات والمهجر، بل السبيل إلى مشاركتهم في حرية الاختيار؟ وتحقيق ذلك لا يتحقق بتعديل النظام الذي أُقر حديثاً، بل بتطوير آليات تنفيذه وسد الثغرات التي كشف عنها التطبيق الأول، والنظم الانتخابية الجيدة والجادة هي التي تتعامل مع الثغرات فوراً، وتستجيب إلى مطالب الإصلاح وتصحيح المسار.

Share This Article