المسار: لماذا يصبح التعبير عن الرأي تهمة؟ ولماذا يُلاحق الشاب الفلسطيني حين ينتقد واقعه، أو يطالب بحقه، أو يرفع صوته في وجه الظلم؟ هذه الأسئلة تختصر معاناة جيل يبحث عن الحرية والكرامة، لكنه يجد نفسه أمام الاحتلال من جهة، وأمام التضييق والمحسوبية وغياب الإصلاح في المؤسسات والنظام الفلسطيني من جهة أخرى.
من حق الشباب الفلسطيني أن يناقشوا ما يجري حولهم، وأن ينتقدوا السياسات التي تؤثر في حياتهم، وأن يسألوا عن مستقبلهم. فالوطن يحتاج إلى أصواتهم ومشاركتهم، وإلى قدرتهم على كشف الأخطاء والمطالبة بتصحيحها.
في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي، قد تتحول الكلمة أو المنشور إلى سبب للملاحقة والاعتقال. وحين يتحدث الفلسطيني عن سياسات الاحتلال وجرائمه الأمنية منذ السابع من أكتوبر عام 2023، يُعامل صوته باعتباره خطرًا يجب إسكاته.
إن اقتحام المنازل وترويع العائلات واعتقال الرجال والنساء لا يعالج أزمات الاحتلال، بل يضيف ظلمًا جديدًا إلى حياة الفلسطينيين. فالقوة التي تُستخدم من قبل الاحتلال وبطشه تترك آثارًا عميقة في الأطفال والأسر والمجتمع، وستخلق جيلًا جديدًا أكثر إصرارًا على المقاومة.
وأمام استمرار هذا الواقع، من الطبيعي أن يتساءل الفلسطيني عن جدوى القوانين الدولية التي لا يرى أثرًا ملموسًا لها في حمايته. المشكلة، في رأيي، أن غياب الإرادة الدولية، واستمرار الدعم الذي يُمنح لدولة الاحتلال، يمنحانه القدرة على الإفلات من المحاسبة. فما قيمة الالتزام المعلن بحقوق الإنسان إذا بقي الإنسان الفلسطيني بلا حماية؟
لقد أصبحت مشاهد الاقتحام والتدمير والترويع أشبه بكابوس مفتوح. لكن هذا الكابوس واقع ملموس يعيشه شعبنا الفلسطيني، ويتحمل تبعاته يومًا بعد يوم. لذلك، فإن حماية شعبنا تتطلب إجراءات عملية توقف الاعتداءات وتضع المسؤولين عنها أمام المحاسبة.
وفي الوضع الفلسطيني الداخلي، تتخذ معاناة الشباب شكلًا آخر حين تُقابل المطالبة بالإصلاح بالتشكيك، وتُواجه الدعوة إلى محاسبة الفساد بالاتهام. من حق المواطن أن يسأل عن إدارة المال العام، وعن معايير التعيين، وعن أسباب اتساع الفجوة بين ظروف الناس وامتيازات المسؤولين.
حين يرى الموظف مواكب رسمية ونفقات لا تنسجم مع الأزمة التي يعيشها، بينما ينتظر راتبه لتأمين احتياجات أسرته، فإن سؤاله عن الأولويات مشروع. ومطالبته بأجره حق لا يجوز تحويله إلى تهمة، أو وصفه بأنه يخدم أجندات خارجية.
أما المعلم الذي يطالب بحقوقه، فيستحق أن يُسمع صوته وأن تُصان كرامته. وإذا تعرض للفصل أو التضييق بسبب مطالبة سلمية، فإن الضرر يمتد إلى المجتمع كله. وعلى من يتخذ قرارًا بحقه أن يتذكر فضل المعلم الذي أسهم في تعليمه ووصوله إلى موقعه؛ فالمواقع العامة يجب أن تقوم على العلم والكفاءة، لا على قرابة «أبو فلان» أو نفوذ «ابن فلان».
إن الشكاوى من الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية تستدعي تحقيقًا ومحاسبة وشفافية. فحين يجد صاحب الواسطة طريقًا مفتوحًا، بينما يُهمَّش المتعلم وصاحب الخبرة، تتراجع ثقة الشباب بالمؤسسات، ويشعرون بأن مستقبلهم لا يُقاس بقدراتهم وجهدهم.
ومواجهة هذا الواقع تبدأ بإعلان معايير واضحة للتعيين والترقية والإنفاق، وتفعيل رقابة مستقلة، ومحاسبة كل من يسيء استخدام موقعه. كما تبدأ باحترام حق المواطن في النقد، والتعامل مع أسئلته بوصفها جزءًا من مسؤوليته تجاه وطنه.
وفي مواجهة الفساد والمحسوبية داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، نطالب برقابة مستقلة ومحاسبة عادلة، وحماية كل مواطن يطالب بالإصلاح بصورة سلمية. فلا يجوز أن يبقى الشباب بين خطر الاحتلال والخوف من التعبير عن رأيهم في الشأن الفلسطيني.
صوت الشباب الفلسطيني حق يجب أن يُصان، ومشاركته ضرورة لبناء وطن أكثر عدلًا وقدرة على الصمود.

