المسار : أعادت فضيحة العلاقات التي نسجها رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين مع شخصيات سياسية ودبلوماسية نرويجية فتح ملف استقلالية لجنة نوبل للسلام ونزاهة أعضائها، بعدما دفعت المراسلات التي كُشفت بين إبستين ورئيس اللجنة السابق ثوربيورن ياغلاند المؤسسة العريقة إلى مراجعة قواعدها الأخلاقية وتشديد إجراءات الإفصاح والرقابة على المصالح الشخصية والمالية.
وبحسب تقرير أعدّه لينسي تشوتيل وهنريك برايسر ليبل، ونشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، أثارت رسائل البريد الإلكتروني التي كشفت علاقات بين إبستين، المدان بجرائم جنسية والمتوفى في السجن عام 2019، وياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي الأسبق والرئيس السابق للجنة نوبل للسلام، تساؤلات بشأن استقلالية اللجنة ونزاهة أعضائها، الذين يختارهم البرلمان النرويجي، وغالباً ما يكونون من السياسيين والدبلوماسيين السابقين.
وتكتسب القضية حساسية خاصة بالنظر إلى المكانة الدولية لجائزة نوبل للسلام، التي تُمنح منذ عام 1901، وتُعدّ من أبرز الجوائز العالمية المرتبطة بالدفاع عن السلام وحقوق الإنسان وتسوية النزاعات.
ولا تتعلق التساؤلات الجديدة بهوية الفائزين بالجائزة فحسب، بل تمتد إلى الأشخاص الذين يمتلكون سلطة اختيارهم، ومدى خضوع علاقاتهم الخارجية ومصالحهم المالية والشخصية للرقابة والمساءلة.
اهتمام إبستين بشخصيات مرتبطة بجائزة نوبل
وأظهرت المراسلات أن اهتمام إبستين ببعض الدبلوماسيين النرويجيين ارتبط جزئياً بعلاقاتهم بجائزة نوبل للسلام، ولا سيما ثوربيورن ياغلاند، الذي يخضع، بحسب التقرير، لتحقيق تجريه وحدة الجرائم الاقتصادية في الشرطة النرويجية.
ويُعدّ ياغلاند من الشخصيات البارزة في الحياة السياسية والدبلوماسية النرويجية، إذ شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 1996 و1997، وتولى رئاسة البرلمان النرويجي، قبل أن يصبح رئيساً للجنة نوبل للسلام بين عامي 2009 و2015.
كما شغل منصب الأمين العام لمجلس أوروبا بين عامي 2009 و2019، وهو منصب أتاح له شبكة واسعة من العلاقات مع قادة دول ومسؤولين ودبلوماسيين في أنحاء القارة الأوروبية وخارجها.
وتسلط هذه المسيرة الضوء على طبيعة الشخصيات التي سعى إبستين إلى إقامة علاقات معها، إذ لم تقتصر شبكة معارفه على رجال الأعمال والأثرياء، بل امتدت إلى مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين وأكاديميين وشخصيات تتمتع بنفوذ داخل مؤسسات دولية.
وكان إبستين قد أقرّ عام 2008 بذنبه في جرائم تتعلق باستغلال قاصر في ولاية فلوريدا الأمريكية، قبل توقيفه مجدداً في يوليو/تموز 2019 على خلفية اتهامات اتحادية بالاتجار الجنسي بقاصرات.
وتوفي في أغسطس/آب من العام نفسه داخل محبسه في نيويورك، وصُنّفت وفاته رسمياً على أنها انتحار، قبل أن تبدأ سلسلة من عمليات الكشف عن الوثائق والمراسلات المرتبطة بشبكة علاقاته.
وأثارت هذه الوثائق نقاشاً واسعاً بشأن كيفية تمكن إبستين من الاحتفاظ بعلاقات مع شخصيات نافذة، رغم إدانته السابقة بجرائم جنسية.
غير أن ورود أسماء مسؤولين وشخصيات عامة في مراسلات إبستين أو سجلات اتصالاته لا يعني، في حد ذاته، تورطهم في جرائمه، إذ يتطلب إثبات أي مخالفة أدلة مستقلة وتحقيقات قضائية.
وفي الحالة النرويجية، تتمحور التساؤلات بصورة خاصة حول طبيعة العلاقات والمنافع المحتملة، ومدى توافقها مع الالتزامات الأخلاقية المفروضة على أعضاء مؤسسة تتمتع بمكانة دولية بحجم لجنة نوبل للسلام.
قواعد جديدة بعد عقود من الاعتماد على الثقة
وفي مارس/آذار 2026، أعلنت اللجنة النرويجية لنوبل مراجعة واسعة لقواعدها الأخلاقية، تضمنت تشديد متطلبات الإفصاح عن المصالح المالية والمهنية والعلاقات الخارجية لأعضائها.
وجاءت هذه الخطوة بعد مراجعة داخلية خلصت إلى أن الإجراءات السابقة لم تعد كافية لضمان الشفافية وتوثيق المسائل المتعلقة بتضارب المصالح.
وقال رئيس اللجنة، يورغن فاتنه فريدنس، إن التقاليد والتاريخ وحسن النيات لم تعد كافية لضمان النزاهة، في اعتراف بأن المكانة التاريخية للمؤسسة لا تعفيها من متطلبات الرقابة الحديثة.
وبموجب القواعد الجديدة، يتعين على أعضاء اللجنة تقديم إفصاحات سنوية عن وظائفهم ومناصبهم ومصالحهم المالية، فضلاً عن الهدايا والرحلات التي تلقوها.
وتخضع هذه الإفصاحات لمراجعة مدقق مستقل، كما تشمل الإجراءات تعزيز حفظ الوثائق وتسجيل المسائل الأخلاقية المهمة كتابةً، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات الشفهية والثقة المتبادلة.
وتنص القواعد كذلك على الإبلاغ عن محاولات التأثير غير المشروع في أعضاء اللجنة، بما في ذلك الاتصالات التي قد يجريها مرشحون محتملون للجائزة أو أشخاص يعملون لمصلحتهم.
ويمثل هذا التحول انتقالاً من نظام اعتمد بدرجة كبيرة على السمعة الشخصية والثقة بين الأعضاء إلى إجراءات أكثر وضوحاً في توثيق المصالح والعلاقات والقرارات.
لماذا يختار البرلمان النرويجي أعضاء لجنة نوبل؟
وتعود خصوصية لجنة نوبل للسلام إلى وصية العالم والمخترع السويدي ألفريد نوبل، التي حررها عام 1895، ونص فيها على أن تتولى لجنة من خمسة أشخاص يختارهم البرلمان النرويجي مهمة تحديد الفائز بجائزة السلام.
وعلى خلاف جوائز نوبل الأخرى التي تتولى مؤسسات سويدية منحها، تُمنح جائزة السلام في العاصمة النرويجية أوسلو.
وتتكون اللجنة من خمسة أعضاء ينتخبهم البرلمان النرويجي لولاية مدتها ست سنوات، مع تجديد جزء من عضويتها كل ثلاث سنوات.
وتستند عملية الاختيار إلى ترشيحات الكتل الحزبية داخل البرلمان، وهو ما جعل اللجنة تاريخياً مرتبطة بالنخب السياسية النرويجية، رغم أنها تعمل بصورة مستقلة عن الحكومة في اختيار الفائزين.
وفي العقود الأولى من تاريخها، كان من الممكن أن تضم اللجنة وزراء ونواباً يشغلون مناصبهم، قبل أن تتغير هذه الممارسة تدريجياً.
فمنذ عام 1936، لم يعد يُسمح لأعضاء الحكومة العاملين بالجلوس في اللجنة، ثم استُبعد النواب الحاليون من عضويتها اعتباراً من عام 1977.
لكن هذه التعديلات لم تنه الجدل بشأن تأثير الخلفيات السياسية لأعضائها، إذ ظل عدد منهم من رؤساء الحكومات السابقين والوزراء والدبلوماسيين والشخصيات المرتبطة بالأحزاب.
وتثير قضية إبستين اليوم سؤالاً إضافياً: هل تكفي الاستقلالية القانونية عن الحكومة لضمان استقلالية القرارات، إذا كانت العلاقات الشخصية والمصالح الخارجية للأعضاء لا تخضع لإفصاح ورقابة كافيين؟
سرية تمتد إلى نصف قرن
وتحيط السرية بمداولات لجنة نوبل للسلام، إذ لا تُكشف أسماء المرشحين ومحاضر المناقشات والتقييمات المتعلقة بالاختيار إلا بعد مرور خمسين عاماً.
وتهدف هذه السرية إلى حماية استقلالية عملية الاختيار من الضغوط السياسية والإعلامية، وإتاحة المجال أمام أعضاء اللجنة لمناقشة الترشيحات بحرية.
غير أن هذا النظام يثير بدوره تساؤلات بشأن كيفية تحقيق التوازن بين حماية المداولات وضمان الشفافية في العلاقات والمصالح التي قد تؤثر في القائمين على الجائزة.
فالسرية المتعلقة بأسماء المرشحين والمناقشات لا تعني بالضرورة أن تظل المصالح المالية أو العلاقات الشخصية لأعضاء اللجنة بعيدة عن التدقيق.
ومن هنا تكتسب القواعد الجديدة أهميتها، إذ تسعى إلى الفصل بين سرية عملية اختيار الفائزين، التي تُعدّ جزءاً من تقاليد المؤسسة، وبين ضرورة الإفصاح عن الظروف التي قد تثير تضارباً في المصالح.
رحلة إلى إثيوبيا تثير تساؤلات إضافية
ولا تقتصر التساؤلات التي أوردتها «نيويورك تايمز» على ياغلاند، إذ أثارت رحلة قام بها نائب رئيس اللجنة، أسله تويه، إلى إثيوبيا عام 2024، في إطار عمل استشاري لشركة تعدين، جدلاً بشأن طبيعة علاقاته الخارجية.
وارتبطت التساؤلات بعلاقته برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019.
وكانت اللجنة قد منحت آبي أحمد الجائزة تقديراً لجهوده في تحقيق السلام والتعاون الدولي، ولا سيما مبادرته لإنهاء النزاع الطويل بين إثيوبيا وإريتريا.
لكن صورة رئيس الوزراء الإثيوبي على الساحة الدولية واجهت لاحقاً انتقادات واسعة، بعد اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020، وما رافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وأعادت الحرب فتح النقاش بشأن حدود قدرة لجنة نوبل على تقييم المسارات السياسية، ومدى إمكانية أن تتغير مواقف الفائزين بالجائزة أو سياساتهم بعد منحها لهم.
وفي حالة تويه، تتركز التساؤلات على ضرورة الفصل بين الأنشطة المهنية الخاصة لأعضاء اللجنة وعلاقاتهم مع مسؤولين أو دول قد تكون لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بالجائزة.
ولا تثبت الرحلة، في حد ذاتها، وقوع تأثير غير مشروع على قرارات اللجنة، لكنها تبرز أهمية القواعد الجديدة المتعلقة بالإفصاح عن الرحلات والمصالح المهنية والتجارية.
محاولات لإصلاح طريقة اختيار أعضاء اللجنة
وفي يونيو/حزيران الماضي، رفض البرلمان النرويجي مقترحاً يدعو إلى تعديل معايير اختيار أعضاء لجنة نوبل، بما يعزز الخبرة المهنية ويحدّ من تأثير الانتماءات السياسية.
ويعكس هذا الجدل نقاشاً أوسع داخل النرويج بشأن ما إذا كان من المناسب استمرار الاعتماد على التوازنات الحزبية في اختيار أعضاء مؤسسة دولية تتولى منح جائزة يفترض أن تتجاوز الاعتبارات السياسية الضيقة.
فبينما يرى المدافعون عن النظام الحالي أن اختيار البرلمان للأعضاء يمنح اللجنة أساساً مؤسسياً واضحاً، يطرح دعاة الإصلاح ضرورة توسيع معايير الاختيار لتشمل خبرات مستقلة في مجالات السلام والقانون الدولي وحقوق الإنسان وتسوية النزاعات.
وفي موازاة ذلك، بدأ البرلمان تحقيقاً علنياً في مدى نفوذ إبستين داخل النخب السياسية النرويجية، بالتزامن مع تحقيق مستقل بشأن تأثير علاقاته على وزارة الخارجية.
وتكشف هذه الإجراءات أن تداعيات القضية لم تعد محصورة في شخص ياغلاند أو في لجنة نوبل وحدها، بل امتدت إلى مراجعة أوسع لطبيعة العلاقات التي ربطت شخصيات نرويجية نافذة برجل الأعمال الأمريكي الراحل

