ليست أهمية هذا التحقيق في محاولة نقل واقع معسكرات التعذيب الإسرائيلية إلى دائرة الاكتراث فقط، بل أيضاً بمواجهة مبلغ استفحال توحّش الحاضر في إسرائيل، قيادةً ومجتمعاً.
المسار: تحرير أنطوان شلحت- يُشير تحقيق جديد نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أخيراً إلى ترسّخ الانعدام المُذهل للاكتراث بما يحدث داخل جدران السجون من حملة تعذيب ضدّ الأسرى الفلسطينيين، لا سيما في أعقاب السابع من أكتوبر (2023) وبأوامر مباشرة من وزير الأمن القومي الكهاني، إيتمار بن غفير. ولا يقتصر انعدام الاكتراث على الرأي العام الإسرائيلي، بل يشمل حتى قضاة المحكمة الإسرائيلية العليا.
وارتأت الصحيفة أن تُسلّط الضوء على هذا الموضوع لتأكيد أنّ السجون الأمنية في إسرائيل تعمل منذ ثلاثة أعوام بوصفها شبكة معسكرات تعذيب، وهو ما سبق أن أكّدته عدّة مُنظمات لحقوق الإنسان قبل هذا التحقيق. فالتجويع والعنف الشديد وتفشّي الجَرَب وظروف الحياة القاسية، كلّها جزء من الحياة اليومية لآلاف الأسرى، ولا تجرى هذه المُمارسات في الظلام، بل إنّها سياسة مُعلنة تشكّل محور الحملة الانتخابية لبن غفير.
وكما ذكرنا، كُشف عن هذه الوقائع في تحقيقات أجرتها أبرز وسائل الإعلام في العالم، وفي تقارير مُنظّمات حقوق الإنسان، وفي طلبات التماس قُدّمت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بصفتها “محكمة العدل العليا”، ومع ذلك ظلّ الجمهور الإسرائيلي العريض غير مُكترث، بل حتى قضاة المحكمة العليا اختاروا إبداء عدم اكتراث وتطبيع مع الوضع الحاصل.
إذ بعد تأجيلات عديدة ومماطلة، أصدر قضاة هذه المحكمة حُكميْن فقط ضدّ هذه السياسة: في أيلول/ سبتمبر 2025 أمر القضاة بتوفير تغذية مُلائمة للأسرى، وفي حزيران/ يونيو 2026، أمروا مصلحة السجون باستئناف زيارات الصليب الأحمر إلى السجون. وفي كلتا الحالتيْن، لا يبدو أن الحكميْن غيّرا شيئاً في طريقة التعامل. فباستثناء تغييرات طفيفة في قائمة الطعام، لا تزال سياسة التجويع المُتعمّد مُستمرّة، كما أنّ مُمثلي الصليب الأحمر لم يحصلوا حتى الآن على الإذن بزيارة السجون. فيما رفضت المحكمة طلبات التماس أخرى، بما في ذلك طلب يتعلّق بتقديم العلاج لمرض الجَرَب.
ويوفّر هذا التحقيق ما يمكن أن نعدّه مساراً وقائعياً لاستكشاف واقع معسكرات التعذيب داخل السجون الإسرائيلية، ومن أبرز ملامحه ما يلي:
أولاً، في أيلول/ سبتمبر، كان هناك نحو 9,350 أسيراً أمنياً في السجون الإسرائيلية، منهم 16% فقط وُجّهت إليهم اتهامات وأُدينوا أمام محكمة. أما الباقون، فهم موقوفون (34%)، ومُعتقلون إدارياً (34%)، و”مقاتلون غير شرعيين”، وهي صفة لا يعترف بها القانون الدولي، وتُتيح احتجاز سكان من غزّة وسورية ولبنان من دون منحهم حقوق أسرى الحرب أو حقوق المُعتقلين الجنائيين.
ثانياً، بموجب بيانات قدّمتها مصلحة السجون العام الماضي، أفرجت المصلحة منذ السابع من أكتوبر عن مئات الأسرى شهرياً، من دون ارتباط ذلك بصفقات تبادل الرهائن. ففي عام 2024 على سبيل المثال أُفرج عن نحو 5,000 أسير، على الرغم من عدم إبرام أيّ صفقة لتبادل الأسرى خلال ذلك العام. وفي معظم الحالات، يُفرج عن الأسرى لأنّ فترة احتجازهم، اعتقالاً إدارياً كان أو عادياً، انتهت من دون توجيه اتهامات إليهم أو إدانتهم، وهذه الواقعة تثبت أنّ الادعاء بأنّ هؤلاء إرهابيون أو خطرون باطل.
ثالثاً، يشمل التحقيق شهادات خمسة أسرى أُفرج عنهم خلال العام ونصف العام الماضيين، تُسلّط الضوء على ما يجري خلف القضبان في معسكرات التعذيب التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية. وقد رفض أسرى آخرون أُفرج عنهم، ولا سيما أولئك الذين كانوا معتقلين إدارياً، إجراء مقابلات خوفاً من أن يلحق بهم الأذى.
وتُفيد شهاداتهم بأنّ كلّ واحد منهم خسر ما بين 15% و50% من وزن جسمه بسبب الجوع، وبأنهم جميعاً تعرّضوا للضرب إلى حدّ تكسّر العظام، ورووا جميعاً كيف يتسبّب الجَرب في أضرار جسيمة بين الأسرى، كما وصفوا العقاب الجماعي القاسي والإهانات اليومية والرعب، وتلفت الصحيفة إلى أنّ أوضاع المُعتقلين من سكان قطاع غزة أسوأ من ذلك بكثير.
وليست أهمية هذا التحقيق في محاولة نقل واقع معسكرات التعذيب الإسرائيلية إلى دائرة الاكتراث فقط، بل أيضاً بمواجهة مبلغ استفحال توحّش الحاضر في إسرائيل، قيادةً ومجتمعاً.

