المسار : تواجه الجامعات الفلسطينية أزمة مالية متصاعدة تنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل التعليم العالي، في ظل استمرار الحصار المالي الإسرائيلي، وتراجع قدرة الأسر الفلسطينية على دفع الرسوم الجامعية، وتراكم المستحقات المالية للجامعات على السلطة الفلسطينية، الأمر الذي بدأ ينعكس بصورة مباشرة على تسجيل الطلبة وانتظام العملية التعليمية.
وتكشف إفادات من أوساط أكاديمية عن مؤشرات مقلقة على تراجع أعداد الطلبة المسجلين في بعض المساقات والشعب الدراسية، نتيجة عجز عدد من الأسر عن توفير الرسوم الجامعية، بعدما أثقلت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية كاهل المواطنين، وأصبحت الأولويات المعيشية اليومية تتقدم على القدرة على تمويل التعليم.
وبحسب هذه الإفادات، فإن بعض الشعب الدراسية التي كان من المفترض أن تضم نحو خمسين طالبًا، لم يسجل فيها سوى خمسة وعشرين طالبًا، فيما اضطرت جامعات إلى إغلاق شعب أخرى بسبب انخفاض عدد المسجلين فيها إلى سبعة أو عشرة طلاب فقط، ما يثير مخاوف من اتساع دائرة التعثر الأكاديمي وتأخر تخرج الطلبة، وربما اضطرار بعضهم إلى تعليق دراسته الجامعية.
الحصار المالي يضرب التعليم العالي
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة مالية خانقة تواجه السلطة الفلسطينية، بفعل احتجاز إسرائيل أموال المقاصة والضغوط الاقتصادية المتواصلة، إلى جانب تراكم الالتزامات المالية المستحقة للمؤسسات والقطاعات المختلفة، ومن بينها الجامعات الفلسطينية.
وتجد الجامعات نفسها أمام معادلة صعبة؛ فمن جهة، تتزايد تكاليف التشغيل ورواتب العاملين والاحتياجات الأكاديمية، ومن جهة أخرى، تتراجع قدرتها على تحصيل الرسوم الجامعية من الطلبة الذين لم تعد أسرهم قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
ولا تقتصر خطورة هذه الأزمة على العجز المالي الذي تعانيه المؤسسات الأكاديمية، بل تمتد إلى تهديد حق الطلبة في مواصلة تعليمهم، وإضعاف قدرة الجامعات على الحفاظ على برامجها وتخصصاتها، في وقت يحتاج فيه المجتمع الفلسطيني إلى المزيد من الكفاءات العلمية والمهنية.
ويحذّر مراقبون من أن استمرار هذه الأوضاع من دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التعليمية والاجتماعية، بحيث يصبح التعليم الجامعي متاحًا بصورة أكبر لمن يمتلك القدرة المالية، بينما يجد الطلبة من الأسر محدودة الدخل أنفسهم أمام خطر الحرمان من استكمال دراستهم.
تحرك عاجل قبل تفاقم الأزمة
وأمام هذه المؤشرات، تبرز الحاجة إلى تحرك حكومي وأكاديمي عاجل يتجاوز الإجراءات التقليدية، ويضع إنقاذ الجامعات الفلسطينية على رأس الأولويات الوطنية.
ويتمثل التحرك الأول في قيام وزارة التربية والتعليم العالي بإعداد ملف متكامل عن الأوضاع المالية للجامعات، يتضمن حجم احتياجاتها، والمستحقات المتراكمة لها، وأعداد الطلبة غير القادرين على دفع الرسوم، والآثار المترتبة على انخفاض التسجيل وإغلاق الشعب الدراسية.
كما تبرز ضرورة تشكيل وفد رسمي من الوزارة والجامعات الفلسطينية لإطلاق حملة عربية ودولية لجمع الأموال اللازمة لدعم التعليم العالي، والتواصل مع الحكومات والمؤسسات المانحة والصناديق العربية والإسلامية، بهدف توفير تمويل طارئ يضمن استمرار العملية التعليمية ويحمي الطلبة من التسرب الجامعي.
وفي السياق ذاته، يتعين على مجالس أمناء الجامعات والإدارات الأكاديمية تكثيف اتصالاتها بالجامعات العربية والدولية، والعمل على إقامة برامج توأمة وشراكات أكاديمية ومالية، تشمل تقديم المنح الدراسية، ومساعدة الطلبة غير القادرين، وتوفير الدعم للمؤسسات الجامعية التي تواجه أشد الأزمات.
اليونسكو والمجتمع الدولي أمام اختبار المسؤولية
ومن الضروري كذلك وضع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» والمؤسسات الدولية المعنية بالتعليم أمام صورة واضحة عن المخاطر التي تواجه الجامعات الفلسطينية، والمطالبة ببرنامج دعم طارئ يضمن استمرار التعليم العالي ويحافظ على فرص الطلبة في الالتحاق بالجامعات واستكمال دراستهم.
ويتطلب ذلك تحركًا فلسطينيًا منظمًا يستند إلى بيانات دقيقة وموثقة، ويشرح كيف تؤثر الأزمة المالية في تسجيل المساقات، واستمرارية البرامج الأكاديمية، وقدرة الجامعات على دفع التزاماتها التشغيلية، مع المطالبة بتوفير منح ومساعدات مباشرة للطلبة الأكثر تضررًا.
كما تقع على السلطة الفلسطينية مسؤولية العمل على تسوية مستحقات الجامعات، ووضع جدول زمني واضح لمعالجة الديون المتراكمة، بما يخفف الأعباء عن المؤسسات الأكاديمية ويحول دون انتقال الأزمة المالية إلى أزمة تعليمية مستدامة.
هل يُترك الطالب الفلسطيني لمواجهة الأزمة وحده؟
إن المؤشرات المتداولة من الأوساط الأكاديمية تستدعي التعامل مع الأزمة بوصفها إنذارًا مبكرًا يستوجب التحقق من حجمها والتحرك قبل تفاقمها. فإغلاق الشعب الدراسية، وتراجع التسجيل، وعجز الطلبة عن دفع الرسوم، ليست مجرد مشكلات إدارية أو مالية، بل مؤشرات تمس مستقبل جيل كامل من الشباب الفلسطيني.
وإذا كانت الجامعات الفلسطينية قد واصلت أداء رسالتها في أصعب الظروف، فإن استمرارها اليوم يحتاج إلى موقف وطني مسؤول، ودعم مالي حقيقي، وشراكة عربية ودولية تتناسب مع خطورة المرحلة.
إن ترك الجامعات الفلسطينية تواجه أزمتها منفردة، وترك الطلبة يصارعون عجز أسرهم المالي، قد يفتح الباب أمام أزمة تعليمية واجتماعية يصعب احتواء نتائجها لاحقًا.
فهل تتحرك الحكومة ووزارة التربية والتعليم العالي ومجالس أمناء الجامعات، قبل أن تتسع دائرة الطلبة غير القادرين على التسجيل؟ وهل تتحمل الدول العربية والمؤسسات الدولية مسؤولياتها في حماية التعليم العالي الفلسطيني؟
إن التحذير اليوم واضح: الأزمة المالية لم تعد تقف عند أبواب الجامعات، بل بدأت تدخل القاعات الدراسية، وتهدد فرص الطلبة في مواصلة تعليمهم، ما يجعل التحرك العاجل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل

