أسبوعان على الانتخابات والتعادل سيد الموقف

المسار : قبل أقل من أسبوعين على الانتخابات الإسرائيلية، ما زالت كفتا الميزان الانتخابي بين معسكر نتنياهو والمعسكر المناهض له قريبتين من التعادل، فيما يبتعد كلا المعسكرين عن الرقم الذي يمكّن أيًا منهما من تشكيل الحكومة القادمة، وهو 61 مقعدًا، علمًا أن المعسكر المناهض لنتنياهو يتمتع بفائض مقاعد غير مستغل، هي مقاعد القوائم العربية التي أظهر استطلاع القناة 13 الأخير حصولها على 15 مقعدًا.

وكانت استطلاعات الأيام الأخيرة قد شهدت انخفاضًا تدريجيًا في عدد مقاعد ما يسمى بمعسكر التغيير، الذي كان في السابق يقترب من العدد المأمول (61)، ليتعادل مع معسكر نتنياهو حول الـ50 مقعدًا، ما يجعل حتى خيار الاتكاء على قائمة عباس – سجالوفتش (خمسة مقاعد) للوصول إلى الأغلبية المطلوبة غير عملي، وبذلك يزيد من ترجيحات تشكيل حكومة وحدة ائتلافية بين الأحزاب الرئيسية في المعسكرين، دون “الحريديم” ودون الصهيونية الدينية.

وتُعزى الأسباب المباشرة لهذا الهبوط لدى المعسكر المناهض لنتنياهو، الذي راوح قبل أسابيع بين 57 و59 مقعدًا، وأمِل بأن يصل إلى الحد المطلوب لتشكيل “حكومة صهيونية” دون الاعتماد على الأصوات العربية من الداخل أو من الخارج، إلى عبور بعض القوائم اليمينية المتأرجحة نسبة الحسم، وربما إلى زيادة قوة الأحزاب العربية أيضًا.

وبغض النظر، فإن هذه النتائج تعيدنا إلى ذات السيناريو الذي ساد بين عامي 2019 و2022، عندما جرت جولات انتخابية متلاحقة، وتشكلت حكومات قصيرة العمر بسبب غياب أغلبية برلمانية ثابتة لدى أي من المعسكرين المتنافسين، فيما تعيد الأحزاب العربية إلى حالة التخبط التي شهدتها حينها، بين رغبتها بإزاحة نتنياهو وتحالفه من أقصى اليمين عن سدة الحكم، من جهة، وبين العوائق المبدئية التي تحول دون مشاركتها في ائتلاف حكومة دولة موجودة في صراع دموي مفتوح مع شعبنا الفلسطيني، إلى جانب نزع شرعيتها السياسية ورفض الاستناد إلى أصواتها، وهي النزعة التي تعززت بعد السابع من أكتوبر، من جهة ثانية.

وتجربة منصور عباس السابقة واللاحقة في هذا المضمار ما زالت حاضرة، حيث تنازل الرجل عن البعد الوطني، ووافق على الخطوط العريضة لحكومة بينيت – لبيد التي كان جزءًا من ائتلافها، مقابل فتات الميزانيات في القضايا اليومية، ورغم ذلك لم تُهضم مسألة اعتماد حكومة إسرائيلية على أصوات عربية، فانقلب عليها وأسقطها أعضاء من قلب حزب رئيسها نفتالي بينيت (عيديت سيلمان وعميحاي شيكلي)، عُيّنا لاحقًا وزيرين في حكومة نتنياهو اللاحقة تعويضًا على خدماتهما.

كما نرى كيف تُقابل محاولة إعادة الكرة من قبل منصور عباس ذاته، الذي رغم الخضوع لاشتراطات الاعتراف بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي، والموافقة على الخدمة المدنية للعرب، وضم ضابط شرطة سابق من حزب صهيوني إلى قائمته، ثم استعداده للانضمام إلى حكومة إسرائيلية لا تطرح أي أفق سياسي لوقف حرب الإبادة التي تشنها الأخيرة على قطاع غزة ووقف مخطط التهجير في الضفة الغربية، رغم كل ذلك، فإنه لا يزال مرفوضًا من قبل جميع أقطاب ما يسمى بمعسكر التغيير، الذين يصرحون ليل نهار بأن حكومتهم العتيدة لن تكون سوى صهيونية خالصة.

وبعيدًا بعض الشيء، تتراءى تجربة الكتلة المانعة التي خاضتها الجبهة والحزب العربي الديمقراطي في عهد حكومة رابين الثانية عام 1992، وإن كانت تختلف جذريًا عن تجربة منصور عباس على مستويين؛ الأول أن الجبهة والحزب العربي الديمقراطي دعما الحكومة من الخارج، ولم ينضما إلى الائتلاف ويوافقا على خطوطه العريضة، وبالتالي يتحملا مسؤولية القرارات السياسية، والثاني أن الهدف الأساسي من دعم الحكومة تمثل بإعطاء فرصة لعملية السلام التي انطلقت بانعقاد مؤتمر مدريد عام 1991 ومفاوضات واشنطن التي أعقبته، والتي انبثق عنها لاحقًا مسار أوسلو السري وما أفضى إليه من اتفاق، وذلك بعد أن عطّلتها حكومة اليمين بقيادة إسحق شامير. ومعروف أن اتفاق أوسلو، اختلفنا أم اتفقنا حوله، فإنه شكّل تحولًا في الموقف السياسي الإسرائيلي باتجاه الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والتفاوض مع قيادته الشرعية.

إلا أن الكتلة المانعة، بما مثّلته من اعتماد الحكومة الإسرائيلية على أصوات العرب في “القضايا المصيرية”، خاصة بعد انسحاب حركة “شاس” من الحكومة، لم تُهضم إسرائيليًا أيضًا. وإن كان اتفاق أوسلو وما وُصف بأنه “تنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل” هو ما وقف أساسًا وراء مقتل رابين، إلا أن اعتماد حكومته على أصوات العرب شكّل أحد أعمدة حملة التحريض التي سبقته.

واليوم، عندما يخرج رئيس القائمة المشتركة يوسف جبارين ليعرض على ما يسمى بمعسكر التغيير، بالمجان، شبكة أمان تمكّنه من تشكيل حكومة أقلية، فإن تصريحه، رغم ما يحمله من تنازل عن قضايا مبدئية وثوابت سياسية، لم يُستقبل بالترحاب ولم يحظَ بأي التفاتة من قبل هذا المعسكر، الذي يسعى أقطابه إلى نفي أي تهمة تربطهم بالعرب الفلسطينيين من قريب أو من بعيد، كونهم، وبغض النظر عن وجودهم داخل الخط الأخضر أو خارجه، “عدو إسرائيل اللدود”.

والمفارقة أن الالتفاتة الوحيدة كانت من منصور عباس، الذي استشعر خطر المنافسة وأن المشتركة تقتحم ملعبه، وبدا رده وكأن “العرب” يتنافسون في تقديم عروض مجانية لمن لا يستحقها ولا يرغب بها، بل يأنف منها ومن أصحابها، وهو بهذا المعنى إمعان في استرخاص الذات، حتى لو كانت المقاصد سامية.

Share This Article