المسار : تقترب دمشق وموسكو من إبرام اتفاقيات جديدة، تحدد مستقبل القواعد الروسية على الساحل السوري، وسط تمسك بمطلب تسليم رئيس النظام السابق بشار الأسد الذي فر عقب سقوط حكم عائلته.
اتفاقات جديدة مرتقبة
وأعلن نائب وزير الخارجية الروسي، غيورغي بوريسينكو، الأربعاء، أن موسكو ودمشق تعملان على إعداد اتفاقيات حكومية دولية تحدد بصورة نهائية الوضع المستقبلي للقواعد الروسية في سوريا، متوقعا أن يتم توقيع الاتفاق النهائي قبل نهاية العام الحالي.
وفي مقابلة مع القناة الروسية، رجح أن المنشآت العسكرية الروسية في سوريا، ستستخدم جزئيا بصورة مشتركة بين البلدين، بما يشمل تدريب العسكريين السوريين، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي، موضحا أن التفاهمات الجديدة، يجري العمل عليها بناء على مذكرة تفاهم مرحلية وقعاها البلدان في آب/ اغسطس الماضي، لتحويل المنشآت العسكرية الروسية في سوريا إلى مراكز روسية – سورية مشتركة للتدريب والدعم اللوجستي.
وأعلنت وزارة الخارجية السورية، في 9 من آب/ أغسطس الماضي، التوصل إلى تفاهم مع موسكو لإدارة دمشق المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت تسيطر عليها روسيا في الساحل السوري، على أن يتم تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، تحفظ المصالح المتبادلة.
كما قالت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك إن سوريا تسلمت المواقع التجارية التي كانت تشغلها روسيا ضمن مرفأ طرطوس، بما في ذلك الرصيف رقم 4 والمستودعات والمنشآت التابعة له، كما أكدت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، أن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، زار برفقة رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السوري، عمر الحصري، مطار اللاذقية الدولي، بعد توقيع مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية، التي مهّدت لعودة إدارة المطار إلى الجانب السوري ثم أعلنت في 27 أيلول/ سبتمبر الماضي، انطلاق عمليات تأهيل وترميم مبنى المطار ومرافقه، تمهيدا لإعادة تشغيله واستقبال المسافرين.
مطلب تسليم الأسد
نائب رئيس لجنة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية في مجلس الشعب، نوار نجمة، أوضح أن ملف القواعد الروسية في سوريا هو محل نقاش بين الحكومتين، ولا بد من التوصل لاتفاق نهائي حولها سواء من حيث نشاطها أو المدة الزمنية لبقائها.
وبين في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن المحادثات تأتي تحت عنوان التسليم بوجود علاقات ثنائية تندرج تحت إطار محاولة سوريا الدائمة للحفاظ على التوازن في علاقاتها الدولية وبما يحقق مصالحها الخاصة، مع مراعاة تاريخ العلاقات السابقة، وأن روسيا دولة عظمى وتحوز العلاقات معها على حساسية كبيرة.
وشدد على أن الحكومة السورية حريصة على عدم وجود توترات لعلاقاتها الدولية وخصوصا مع دول كبيرة مثل روسيا، حتى لا ينعكس ذلك بأي أثر سلبي على الوضع السوري الداخلي.
ورفض مقولة أن إعادة النظر بالاتفاقات الروسية السورية مرده ضغوط أمريكية وغربية، مشددا على أن المصالح السورية السياسية والعسكرية والاقتصادية لن تكون عرضة للمقاربة أو التفاوض مع العلاقات الغربية، ومؤكدا أن قرار دمشق في مثل هذه الملفات يرتبط أساسا بالمصلحة الوطنية وليس بإملاءات ومطالبات خارجية وحتى إن كانت تأتي من دول صديقة أو قريبة وداعمة للحكومة السورية.
نجمة لـ«القدس العربي»: الملف يرتبط بالمصلحة الوطنية وليس بإملاءات ومطالبات خارجية
وشدد على أن الأولوية عند اتخاذ أي قرار يتعلق بمستقبل العلاقات العسكرية مع أي دولة خارجية، ترتبط بمصلحة الشعب السوري، وإلى المدى الذي تحتاج سوريا لاستمرار هذا التعاون، مشيرا إلى أن ما يتعلق بالعلاقات العسكرية مع موسكو ينسحب على العلاقات الاقتصادية فهذه ترتبط أيضا بمصلحة الشعب والحكومة السورية وإلى المدى الذي يمكن لهذا العلاقات أن تؤدي إلى تحسين الوضع الاقتصادي للدولة وتحسين الأسعار والتنافسية وجودة المواد، مشددا على أن بناء العلاقات السورية الخارجية سواء منها السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، لا يرتبط بمطالبات أو إملاءات دول أخرى، وإنما مرتبط بشكل أساسي بمصالح الشعب والدولة السورية.
وتحدث عن طلب دمشق من موسكو تسليمها الرئيس السابق بشار الأسد، وغيره من رموز نظامه البائد، وقال هذا الملف مبدأي بالنسبة للحكومة السورية وذو بعد أخلاقي عال جدا يرتبط بالثورة السورية ودماء الشهداء والتضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب السوري.
وقال: لا اعتقد أن الحكومة السورية، من الناحية الأخلاقية والسياسية، قادرة على تجاوز هذا الملف وسيبقى ملفا معقدا مع موسكو يرتبط بمدى الأذى الذي سببه النظام للمواطنين السوريين. وكان بوريسينكو، قد أكد في مقابلة ذاتها، أن روسيا تتمسك بقرار منح الأسد اللجوء السياسي على أراضيها.
وقال إن موسكو لا تعتزم إعادة النظر في قرارها، رغم التغيير السياسي الذي شهدته سوريا.
وأضاف: «يعلم شركاؤنا السوريون جيدا أن روسيا منحت بشار الأسد اللجوء السياسي لاعتبارات إنسانية، وتدرك السلطات الحالية في دمشق أن هذا القرار الروسي لا رجعة عنه».
الباحث السياسي والأكاديمي أحمد الكناني اعتبر أن العلاقات الثنائية بين الدولتين، باتت تقوم حاليا على المصلحة المتبادلة، وبما يؤكد على تحول سوريا من دولة تبعية إلى روسيا، كما كانت في عهد نظام الأسد، إلى دولة تبني علاقاتها على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، مشيرا إلى أن دمشق تتحرك لإعادة النظر بالاتفاقيات الثنائية السابقة والتي تم التوقيع عليها عامي 2015 و2017 وتتعلق بميناء طرطوس ومطار اللاذقية وغيرها من الاتفاقيات العسكرية.
وبين في تصريح لـ«القدس العربي» أن دمشق تبلور اليوم سياسة جديدة، فبعد أن كانت هناك 114 قاعدة ونقطة روسية موزعة على مختلف المحافظات، انحسرت إلى 3 نقاط عام 2025، وتراجعت حاليا إلى قاعدتي طرطوس ومطار حميميم في اللاذقية بعد انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي.
ورأى أن الهدف من الضغوط الأمريكية والغربية على دمشق هو دفعها لإخراج موسكو من كامل التراب الوطني وخصوصا بعد أن باتت سوريا واحدة من دول التحالف الدولي الخاص بمحاربة تنظيم «الدولة»، موضحا أن دمشق تتلقى إشارات بأن الوجود الروسي يربك التعاون والدعم الأوروبي والأمريكي، وربما اتخذت قرارها بتقليص الوجود الروسي ليقتصر على قواعد ذات منفعة وتدريب مشترك، وتعديل لاتفاقيات كانت تسمح بوجود روسي لمدة 43 عاما قابلة للتجديد، مشددا على أن الأمر لن يصل بالطبع إلى درجة القطيعة مع موسكو، وإنما ستحافظ دمشق على علاقة هادئة ومتوازنة مع موسكو على غرار طبيعة العلاقات التي تربط بين الجارة الشمالية تركيا وروسيا.

