الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيلية – الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 16/10/2026

إسرائيل تقيد حكومة لبنان وتساعد حزب الله على إعادة البناء

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

وجه وزير الدفاع إسرائيل كاتس رسالة شديدة وقاسية في هذا الأسبوع. فاثناء زيارته في يوم الأربعاء في قرى الخط الامامي في لبنان، هدد بقوله: “لن ننسحب من المناطق الأمنية. اذا انضم حزب الله لإيران في هجوم على إسرائيل فسيحصل على ضربة قوية وسيخسر المزيد من الأراضي في جنوب لبنان، في منطقة النبطية ومنطقة الليطاني، التي ستصبح جزء من المنطقة الأمنية الدائمة لإسرائيل – والجيش الإسرائيلي مستعد لتنفيذ هذه العملية. سيتم اخلاء كل السكان الشيعة حتى خط نهر الاولي والزهراني نحو الشمال، من اجل التمكين من توجيه ضربة قوية للبنية التحتية للارهاب في المنطقة وإزالة خطر المسيرات عن مستوطنات الشمال. أيضا سيتم اخلاء الضاحية الجنوبية في بيروت وضرب البنية التحتية للارهاب هناك. وسيصبح اكثر من مليون شيعي نازحين في لبنان”.

كان المشهد متقن والنظرة ثاقبة، القميص اسود والسترة مغلقة الازرار باحكام، في جهة سيارة مدرعة وفي جهة أخرى كومة انقاض. هكذا ستظهر خارطة ارض إسرائيل الكاملة مع ضفتي الزهراني ومليون نازح لبناني. صحيح ان هذا العدد اقل من مليوني نازح في غزة، لكن المستقبل ما زال امامنا. من المؤسف ان هذه الرؤية المزيفة لم تمر من تحت يد مخرج لمراجعتها كما يجب. فالالقاء الرتيب الذي يخلو من النبرة، وجمود اليدين، تذكر بصورة الطالب الذي حفظ النص للتو. حيث ان كاتس يحفظ هذا النص عن ظهر قلب.

لقد اسمعه في حزيران عندما تعهد وقال ان “الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من لبنان حتى لو طلبت الولايات المتحدة ذلك”. وكرره في شهر آب. ولكن واشنطن تراجعت عن المشاركة في المفاوضات، وأوضح مسؤول رفيع المستوى فيها ان “الولايات المتحدة تتوقع من كل الأطراف الالتزام باتفاق الاطار الذي وافقت عليه. وقد أوضحت إسرائيل بشكل قاطع انه ليس لها أي طموحات إقليمية في لبنان… ان الوجود العسكري الإسرائيلي الدائم في جنوب لبنان يتعارض مع الالتزامات المذكورة في اتفاق الاطار، ويتنافى مع السلام والامن بعيد المدى للدولتين”. ان الخارطة الجديدة  لإسرائيل – التي رسمها كاتس بدعم رئيس الحكومة – لا تتعارض فقط مع الاتفاقيات التي وقعت عليها إسرائيل وروجتها الولايات المتحدة، بل هي تؤدي الى حالة حرب دائمة. يبدو ان البيت الأبيض سئم من الرد على كل تصريح انتخابي يصدر عن وزراء إسرائيل، لكن عندما لا تكون هذه التصريحات منفصلة عن حملة الانتخابات، يصبح الرد الأمريكي ضروري، رد يذكر بسياسة ترامب.

جاءت تهديدات كاتس في وقت كان من المقرر فيه عقد جولة أخرى من المحادثات العسكرية بين إسرائيل ولبنان في يوم الثلاثاء في مقر القيادة المركزية الامريكية (السنتكوم) في تامبا في فلوريدا. وقد يكون الهدف منها هو اظهار الفرق الكبير بين موقف الحكومة ونواياها في التوصل الى اتفاق مع لبنان في المستقبل القريب. وفي لبنان تحلق الشكوك حول عقد هذه الجولة، حيث يعتقد ان ترامب سيفضل تاجيلها الى ما بعد الانتخابات بسبب عدم توقع أي تقدم حقيقي. بهذه الطريقة يمكنه على الأقل الحفاظ على مظهر التحرك الدبلوماسي، لان فشل جولة المحادثات قد يصب في مصلحة حزب الله وايران.

النتيجة هي ان مجرد وجود المحادثات، وليس التخطيط لها، اصبح شرك دبلوماسي، حيث يملي التوتر مع ايران وتيرة التقدم. مع ذلك فان ايران لا تقف مكتوفة الايدي في انتظار التطورات الدبلوماسية. ففي اليوم الذي ارسل فيه كاتس رسائله في جنوب لبنان، تحدث الرئيس اللبناني جوزيف عون مع وزير خارجية ايران عباس عراقجي. وصل نائب عراقجي، سعيد خطيب زادة، الى بيروت على رأس وفد إيراني، والتقى مع ممثلين عن حركة امل وحزب الله.

لا تربط عون وعراقجي علاقة ودية. ورغم ان البيان الرسمي الذي صدر في اعقاب اللقاء، ذكر ان الطرفين اتفقا على ان الحل لا يتحقق الا بالجهود الدبلوماسية، وان ايران تشدد على ضرورة وقف إسرائيل لهجماتها ومطالبتها بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها في لبنان، الا ان الخلاف بينهما عميق. فايران لا تكتفي برفض إعادة سفيرها الذي اعلن عنه انه شخص غير مرغوب فيه، وتصمم على بقائه في منصبه حتى انتهاء ولايته، بل هي تسعى الان الى إعادة تأكيد موقفها كجهة تعنى باحتياجات الشعب اللبناني، خاصة في جنوب لبنان.

التقرير الذي يفيد بان ايران حولت 200 مليون دولار لحزب الله من اجل تمكينه من الوفاء بالتزاماته بتعويض السكان المتضررين من الحرب، يضع حكومة لبنان في موقف حرج. لم تكتف الحكومة بالتعهد في منع دخول الأموال المخصصة للحزب، ومنع البنوك في لبنان لسنوات كثيرة من فتح حسابات للحزب واعضائه، بل لا يعرف كيف دخلت هذه الأموال الى الدولة أصلا.

يبدو هذا تفصيل بسيط، حيث يمتلك حزب الله شبكات لتهريب الأموال واسعة تحصل على عمولات باهظة تتراوح بين 10 و20 في المئة، ولا يحتاج الى خدمات البنوك اللبنانية على الاطلاق. مع ذلك، تحويل أموال بهذا الحجم، حتى لو اقل من المليار دولار عليها حصل عليها الحزب من ايران في 2025، يجبر حكومة لبنان على تقديم توضيح للإدارة الامريكية. والاسوأ من ذلك هو انه في يوم الثلاثاء ظهر الشيخ علي دعموش، رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله، الهيئة الإدارية الأعلى التي تعمل حسب معايير حكومة موازية، وقدم للجمهور تقرير عن خطة التعويضات والمساعدات للمدنيين المتضررين.

وحسب المواصفات التي قدمها دعموش فانه من حق أي عائلة تم تدمير بيتها ولا تملك أي سكن بديل، الحصول على ما يبلغ 14 الف دولار في بيروت، وما يبلغ 12 الف دولار في مناطق أخرى. يخصص من هذا المبلغ 8 آلاف دولار للاثاث والباقي للايجار. وسيتم تحويل الأموال على دفعات كل ثلاثة اشهر. وسيقوم الحزب باعداد قائمة مفصلة بأسماء المحتاجين وحجم الاضرار التي لحقت بهم. وبناء على ذلك سيتم صرف التعويضات. خلال السنتين الأخيرتين واجه حزب الله صعوبة في تمويل نظام التعويضات والسكن البديل، وتعرض لانتقادات شعبية من سكان القرى في جنوب لبنان ومن سكان الضاحية. الان سيتمكن الحزب من التظاهر بالوفاء بوعوده والتنافس بشكل أساسي مع حكومة لبنان على رعاية المدنيين والاهتمام بهم.

يعتبر هذا الامر هام جدا في النضال من اجل شرعية الحزب، وبالتالي، في حملة نزع سلاحه. من جهة أخرى تواجه حكومة لبنان صعوبة حتى في البدء في اعمال إعادة التاهيل او تعويض السكان. وقد خصص صندوق الطوارئ الذي أقامه البنك الدولي لمساعدة لبنان مليار دولار لهذا الغرض، لكن لم يجمع فيه حتى الان الا 250 مليون دولار، في حين ينتظر المبلغ المتبقي، 750 مليون دولار، من المانحين الذين لا يبدو أنهم مستعجلون في تقديم مساعدتهم.

ولا يقل صعوبة وضع الجيش اللبناني الذي يحتاج الى تبرعات لتمويل نشاطاته الجارية وتحسين ظروف عيش جنوده. وقد أعلنت المانيا في هذا الأسبوع عن تحويل 5 ملايين يورو (لتحسين ظروف عيش جنود الجيش اللبناني)، إضافة الى 5 ملايين يورو أخرى حولتها في السابق. وتواصل قطر تمويل بعض احتياجات الجيش ضمن رزمة مساعدات شاملة تبلغ 434 مليون دولار أعلنت عنها في كانون الثاني الماضي.

وتعتبر هذه الأموال اقل بكثير من طلب قائد الجيش اللبناني، اللواء رودلف هيكل، الذي يطلب مليار دولار سنويا للتجنيد والتدريب والاعداد، كي يتمكن لبنان من الوفاء بالتزامه في مواجهة تحدي نزع سلاح حزب الله.

المازق الذي تواجهه الحكومة له قسمين. لا تستطيع حكومة لبنان تقديم أي انجاز سياسي أو أي تنازل لإسرائيل، وفي نفس الوقت تتراجع شعبيتها بين مؤيديها، بسبب العجز عن مساعدة السكان في ظل قيام حزب الله بتوزيع الأموال وتولي زمام الأمور. هنا تكمن مفارقة خطة إسرائيل. فهي تسعى الى استبدال سيطرة حزب الله العسكرية بسيادة الدولة، لكنها في نفس الوقت تصعب على الدولة اثبات تفوقها على حزب الله.

بدون خطة سياسية تمكن حكومة لبنان من دخول الأراضي اللبنانية وإعادة تاهيلها، واثبات قدرتها على رعاية مواطنيها، قد تكتشف إسرائيل انها نجحت في توسيع نطاق سيطرتها الامنية، لكنها تركت لإيران وحزب الله المجال المدني، وبالتالي، يمكنهما إعادة بناء قوتهما. قد يكون نزع السلاح هدف عسكري، لكن تفكيك التبعية لحزب الله هو الاختبار السياسي، وإسرائيل ما زالت عاجزة عن تقديم إجابة عليه.

——————————————

هآرتس 16/10/2026

نتنياهو لا يتحكم بجدول الاعمال العام وكفيل بالتوجه الى تصعيد أمني

بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

هل يحضر بنيامين نتنياهو لـ “مفاجأة أكتوبر” امنية في محاولة للتاثير على نتائج الانتخابات؟ يبدو وفقا لسيل التصريحات والتسريبات الصادرة عن رئيس الحكومة، ان الفكرة على الأقل قيد الفحص من قبل المقربين منه.

وضع حزب الليكود في الاستطلاعات غير مبشر. باستثناء عدد قليل من مؤسسات الاستطلاعات الموثوقة التي تميل الى تغيير تقييماتها وفقا لما يخدم مصالح نتنياهو، تتوقع معظم وسائل الاعلام في افضل الحالات نتيجة متقاربة بين الكتلتين (فقط لان نتنياهو حقق نجاحا واحدا هاما وهو حملة نزع الشرعية التي شنها ضد الأحزاب العربية، والتي أدت الى استبعادها من صفوف المعارضة). هدفه الرئيسي في ظل هذه الظروف واضح تماما: فرض شلل سياسي، الامر الذي يسمح له في الاستمرار برئاسة حكومة انتقالية حتى جولة انتخابية أخرى. وفي نفس الوقت قد يفكر في ضم أحزاب المعارضة الى حكومة وحدة وطنية.

مع ذلك، وجود اجندة عسكرية، لا سيما حالة طواريء امنية على جبهة او اكثر، قد يقلب الموازين. وفي أسوأ الحالات قد يؤدي ذلك الى تأجيل الانتخابات لاشهر. ليس لنتنياهو ما يخسره. فبالنسبة له الفشل في الانتخابات وفقدان السلطة كارثة، ليس فقط على البلاد أو حزبه، بل عليه شخصيا بالدرجة الأولى. انطباع من تحدثوا معه في السنوات الأخيرة هو ان رئيس الحكومة على قناعة بان فقدانه للسلطة سيؤدي بالتأكيد الى ادانته في محاكمته الجنائية، وانه سيواجه عندها خطر السجن رغم تقدمه في السن، خلافا لتوقعات الكثير من المحللين القانونيين الذين يرون انه في مثل هذه الحالة سيتم التوصل الى صفقة معه.

اذا كان هناك استنتاج واضح من سلوك نتنياهو وتصريحاته في هذا الوقت فهو انه لا يمانع في استخدام أي وسيلة. لا توجد خدعة أو تلاعب او كذبة سيرفضها تلقائيا اذا زادت المسافة بينه وبين زنزانة سجن معسياهو.

في الأسابيع الأخيرة أشار نتنياهو دائما الى خطر تصاعد التوتر الأمني. وأول امس ادعى أيضا ان هناك مؤشرات متزايدة على ان أعداء إسرائيل يخططون لشيء ما عشية الانتخابات. من جهة أخرى افاد براك ربيد، مراسل القناة 12 في واشنطن ان نتنياهو ناقش مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية شن إسرائيل هجوم على ايران لوحدها أو بالتعاون مع الولايات المتحدة، وان الرئيس طلب من نتنياهو الاستعداد لهذا السيناريو ولكنه لم يعطه الضوء الأخضر.

وصرح رئيس الأركان ايال زمير في يوم الثلاثاء اثناء زيارته في قيادة المنطقة الوسطى بان احتمالية تصاعد التوتر في المنطقة ازدادت، “بسبب ارتفاع عدد حالات التاهب في كل المجالات وحساسية الوضع الراهن”. وقد تم رفع حالة التاهب في الجيش الإسرائيلي مؤخرا واتخذت خطوات تحضيرية أولية.

أما ترامب نفسه، الذي الغى في اللحظة الأخيرة الهجوم الذي خططت له بلاده على ايران في بداية شهر اب وفضل منذ ذلك الحين فرض عقوبات اقتصادية، فقد عاد في هذا الأسبوع ليتخذ موقف ينم عن تهديد واضح. ولا يخفي الرئيس الاستياء من الحرب في ايران رغم انها تشن حاليا في معظم الأحيان بوتير هادئة نسبيا. حتى قبل فترة قصيرة كان يميل الى تجنب أي هجوم، على الأقل حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، التي ستجرى بعد أسبوع من الانتخابات للكنيست. والى جانب الإحباط الناتج عن عجز الولايات المتحدة عن حسم الحرب وفرض اتفاق مليء بالتنازلات على المرشد الأعلى الجديد في ايران مجتبى خامنئي، يلوح في الأفق قلق بشان معلومات استخبارية تراكمت مؤخرا حول انخراط طهران المتجدد في جوانب عديدة تتعلق بالمشروع النووي وصناعة الصواريخ البالستية.

لكن نتنياهو، للمرة الثانية، يفسر المعلومات الاستخبارية بما يخدم أهدافه السياسية، ويشير تحقيق أجرته “هآرتس” مع عدد من المصادر الأمنية الى عدم وجود ضرورة ملحة لاتخاذ اجراء فوري في الـ 11 يوم المتبقية على الانتخابات في إسرائيل. وفي ظل هذه الظروف تعتمد التطورات اللاحقة بشكل أساسي على شخصيتين لا يمكن شن أي هجوم بدونهما، ترامب وزمير.

يحافظ ترامب على مسافة معينة من نتنياهو، وقد امتنع حتى الان عن اعلان دعمه له علنا عشية الانتخابات الإسرائيلية. ربما يعود هذا أيضا الى خيبة امله من فشل توقعات نتنياهو بشان فرص اسقاط النظام في ايران (التي أعلنت بشكل رئيسي خلال لقاءهما في البيت الأبيض في 11 شباط). مع ذلك، يصعب تجاهل النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به نتنياهو على ترامب الى ان تعقدت الحملة الأخيرة في ايران.

اما زمير فقد عرف في حينه كيفية تأجيل مطالب نتنياهو وحكومته عندما لا تروق له، وذلك في صيف 2025. في ذلك الحين ضغط رئيس الحكومة من اجل احتلال شمال القطاع بدلا من المضي قدما في صفقة الرهائن الأخيرة، والباقي معروف: نتنياهو رغم معارضة قادة المؤسسة الأمنية امر بعملية اغتيال ضد قادة حماس في قطر، فشلت العملية وغضب ترامب، وبعد شهر اجبر نتنياهو على التوصل الى اتفاق نهائي. هذا لم يكن ليحدث لولا موقف زمير وتحركاته على الأرض لتاجيل العملية العسكرية.

تكمن المشكلة في ان الخيار في ايران ثنائي، صفر أو واحد، ولن يساعد تأجيل الإجراءات. فاذا صدرت توجيهات من الحكومة بالهجوم واعتقد زمير ان الدافع هو فقط الخوف من خسارة الانتخابات، فسيتعين عليه التصريح بذلك علنا واتخاذ خطوات لم يسبقه اليها أي رئيس اركان. يجد رئيس الأركان نفسه في موقف حرج جدا في هذه المسالة.

قد يبقى خيار العمل العسكري في ايران متاح حتى بعد الانتخابات. ففي أيار 2021، في عملية حارس الاسوار، تصاعد التوتر في قطاع غزة في مرحلة تنافس فيها نتنياهو مع نفتالي بينيت ويئير لبيد على تشكيل حكومة جديدة بعد حملة انتخابات أخرى انتهت بدون حسم. ان احداث فوضى امنية في حالة عدم حسم النتائج سيصعب على غادي ايزنكوت وبينيت تشكيل ائتلاف جديد، لا سيما اذا كان يعتمد على الأحزاب العربية، حتى مع وجود دعم غير علني من الخارج.

في غضون ذلك يتصاعد العنف في الضفة الغربية، لا سيما خلال موسم قطف الزيتون، حيث لا يمر يوم بدون هجمات عنيفة لمستوطنين متطرفين على المزارعين الفلسطينيين. ويظهر الجيش، من رئيس الأركان الى ادنى المستويات، العجز الكامل عن كبح جماح العنف، الامر الذي يبرز ضعفه في هذا الشأن. أيضا تتواطأ الشرطة والشباك وجهاز منسق اعمال الحكومة في المناطق مع هذا الوضع المشين. ولا يوجد ما يدعو الى الاعتقاد بان الأجواء في الضفة الغربية وفي شرقي القدس ستهدأ قبل الانتخابات. بل على العكس، من المرجح ان يعتقد البعض بانهم توصلوا الى فكرة عبقرية: اشعال حريق متعمد واسع في المنطقة على امل ان يؤثر هذا على التحركات في الساحة السياسية.

قنبلة يدوية عشية الانتخابات

تبدو دعوى التشهير التي قدمها رئيس الشباك السابق رونين بار ضد نتنياهو في يوم الثلاثاء، والوثائق المرفقة بها، بمثابة خطوة تمهيدية نحو تشكيل لجنة تحقيق رسمية في المستقبل. وهذا بالتحديد ما يحاربه نتنياهو بكل الطرق، يوميا، منذ مذبحة 7 أكتوبر.

للمرة الأولى عرض بار بتفصيل دقيق التحذيرات التي وجهها لنتنياهو خلال سنتين تقريبا، من تشرين الثاني 2022 بعد فوز نتنياهو في الانتخابات وقبل تشكيل حكومة اليمين برئاسته، وحتى بداية تشرين الأول 2023. وقد عدد بار اكثر من عشرين مرة، التي في معظمها أشار الى الحاجة الى ضرورة التعامل بحزم مع حماس في قطاع غزة. ولم يكن بار هو الوحيد الذي حذر نتنياهو.

بعض التفاصيل المذكورة في الدعوى تثير القلق. فحسب بار رفض نتنياهو وثيقة تخطيط استراتيجية قدمها لها في تموز 2023 تشمل توصيات للمس بقيادة حماس، مدعيا ان رئيس الجهاز قد توغل في منطقة ليست تحت سيطرته، وانه بذلك ينتهك المباديء الديمقراطية الأساسية. وفي مناسبة أخرى، حسب بار، اعرب رئيس الحكومة عن قلقه من استئناف عمليات التصفية خشية ان يؤدي ذلك الى محاولات لاستهدافه هو وعائلته. وحسب بار، كانت هناك “عناصر في الحكومة” تؤيد نقل السيطرة على المدن الفلسطينية في الضفة الغربية لحماس بدلا من السلطة الفلسطينية.

تعكس الصورة العامة المستخلصة من الوثائق، والمدعومة باقتباسات وتواريخ مفصلة، لامبالاة نتنياهو وتجاهله للخطر الذي تشكله حماس، رغم التحذيرات التي حصل عليها. أيضا هي تقوض بدرجة معينة ادعاء انصار نتنياهو بشان الرسائل الأربعة التي أرسلها رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية، العميد عميت ساعر، عشية الحرب، والتي بحسبها التحذيرات تركزت على حزب الله والجبهة الشمالية.

تم تقديم دعوى بار ردا على تغريدة نشرها نتنياهو على صفحته في “اكس” في 28 أيلول الماضي، هاجم فيها بار بشدة والمح الى نظريات مؤامرة حول خيانة داخلية في الشباك عشية المذبحة. وحسب بار كانت هذه هي القشة التي قسمت ظهر البعير، بعد ان تجاهل الكثير من الافتراءات من نتنياهو وعائلته ومساعديه في السنوات الأخيرة. مع ذلك، لا يمكن تجاهل التوقيت. لقد القى بار قنبلة في الساحة عشية الانتخابات، وذلك في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة ينفي أي مسؤولية عن الكارثة. وتجدر الإشارة الى ان بار استقال من منصبه قبل اكثر من سنة واعترف علنا باخطائه.

بعد مرور سنتين تقريبا على نشر بار بيلغ لتقريره في “هآرتس”، الذي أشار فيه على الأقل الى تدخل قطر في الدائرة المقربة من رئيس الحكومة، نتنياهو ما زال يدعم رجاله بشكل كامل. هذا لم يكن أسلوبه في الفضائح السابقة عندما كان يختار أحيانا الابتعاد عن المقربين منه ومساعديه المشتبه فيهم بالتورط في نشاطات إجرامية. يبدو ان هامش انكاره هذه المرة محدود. ويراهن نتنياهو على تحقيق تعادل سياسي، ولا يمكنه تحمل حدوث ازمة في حزبه قبل المرحلة الأخيرة من الانتخابات. مع ذلك فان دعوى بار القضائية والتسريبات من حسابات اوريخ المخترقة والخلافات المستمرة حول التحذيرات التي حصل عليها نتنياهو عشية 7 أكتوبر، تجعل المذبحة قضية رئيسية، ومشكوك فيه ان يخدم هذا الوضع الائتلاف الحاكم.

——————————————

معاريف 16/10/2026

الشراكة الاستراتيجية بين إسرائيل واليونان هامة لمستقبل شرق المتوسط

بقلم: دافيد بن بست

في الشرق الأوسط التي تختبر فيه الاحلاف المرة تلو الأخرى عند الازمات، فان اليونان هي شريك على إسرائيل ان تعرف كيف تقدره. فخلف البحر الأزرق، الجزر والموسيقى الحبيبة، توجد دولة تفهم أهمية العلاقة مع إسرائيل وتمنحها عمقا سياسيا، امنيا واقتصاديا. تفيد العلاقات بين القدس واثينا كيف ان القرب الجغرافي يمكنه أن يصبح شراكة استراتيجية حين تستثمر فيها القيادة السياسية على مدى الزمن.

للعلاقات بين الدول يوجد بعد شخصي، يلقى تعبيره بلقاءات دبلوماسية. هكذا كانت وليمة العشاء التي اجراها عميحاي اوركابي، عميد الطاقم القنصلي وقنصل الشرف لكوريا الجنوبية، وزوجته شيرلي، بمشاركة غيل هسكيل، رئيس طاقم الاحتفالات الإسرائيلي على شرف نيكولاوس مارغاروبولوس من اليونان، رئيس الفيدرالية العالمية للقناصل. يجسد مثل هذا اللقاء أهمية دبلوماسية في الربط بين الأشخاص والدول وتنمية تعارف وعلاقات ثقة.

الصلة اليونانية لرئيس المنظمة تمنح للقاء ارتباطا إنسانيا أيضا لموضوع العلاقات مع اليونان. قناصلة الشرف، الذين يعملون في اللقاء الذي بين المجال الدبلوماسي والعالم التجاري يمكنهم أن يساهموا في توسيع العلاقات وتحريك المبادرات. الى جانب الاتفاقات الرسمية، فان الاستضافة، الحديث والاستعداد للاستماع تخلق أرضية لشراكات مستقبلية. جديرة بالتقدير مساهمة اوركابي في تنمية هذه العلاقات وتعزيز العلاقات الدولية لإسرائيل.

موقف اليونان من إسرائيل جدير بالتقدير بالذات لانها توجد في واقع مركب. فالصداقة لا تفترض التوافق في كل مسألة. لاثينا توجد مواقف مستقلة وانتقاد في مواضيع سياسية، لكن الخلافات لا تمحو أهمية العلاقات. زيارة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس الى اسرائيل في أكتوبر 2023، بعد هجمة حماس عبرت عن التضامن في لحظة صعبة على نحو خاص وجسدت الأهمية الإنسانية للشراكة.

في ظل هذا الجهد المتواصل جديرة بالاشادة سفيرة اليونان في إسرائيل ميا سالومون التي رفعت كتاب اعتمادها للرئيس اسحق هرتسوغ في شباط 2025. يمثل عملها مساهمة دبلوماسية تربط بين الحكومتين، الاسرتين التجاريتين ورجال المهنة. تواجدها في ساحات الاقتصاد والامن يمنح العلاقات عنوانا نشطا ويساعد على تحويل النية الطيبة الى لقاءات، تعارف وفحص إمكانيات عملية للتعاون.

في كانون الثاني 2026 شارك سالومون كضيف شرف في لقاء منتدى الامن، حفظ النظام والسايبر للمكتب التجاري الإسرائيلي – اليوناني وشددت على الثقة وعلى أهمية توسيع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية. كما نشر المكتب دعوة للقاء تجاري في منزلها في حزيران. هذه امثلة على مساهمة دبلوماسية: فتح أبواب، جمع مستثمرين للقاء وتعزيز التعارف المتبادل. على استثمار كهذا يمنح الصداقة مضمونا يوميا، تستحق التقدير.

توفر الشراكة الأمنية امثلة مبهرة على نحو خاص. فمركز تأهيل الطيارين الدوليين في كالاماتا الذي تسلمت شركة “إلبيت” في اطار اتفاق بين وزارتي الدفاع يدمج تجربة إسرائيلية مع احتياجات سلاح الجو اليوناني. طائرات التدريب، منظومات الارشاد تخلق بنية مهنية للمدى البعيد. تخرج أهمية المشروع عن مجرد صفقة تجارية. فهي تعبر عن استعداد لايداع عنصر مركزي في تأهيل الطيارين في يد شريك خبير.

الى هذا تضاف تدريبات مشتركة. في أيلول 2023 وصف الجيش الإسرائيلي مناورة جوية مع اليونان، تضمنت رحلات جوية بعيدة، شحن بالوقود في الجو، طيران منخفض والقاء ذخيرة في مناطق تدريب يونانية. مناورات كهذه تسمح بالتعارف المتبادل في ظروف عملياتية متنوعة. وتجسد خطة التعاون العسكري لإسرائيل، اليونان وقبرص للعام 2026 حقيقة ان العلاقة تتسع لتشمل أيضا اطار جوي مرتبا، يقوم على أساس التخطيط والتنسيق.

الى جانب الطائرات والمناورات يوجد للصداقة أيضا وجه مدني صارخ. ففي صيف 2023، بعثت إسرائيل بطائرات إطفاء نار وطواقم لمساعدة اليونان في مواجهة حرائق عسيرة. في لحظات تكون فيها بلدات، غابات وحياة البشر في خطر، يلقى التعاون معنى ملموسا. فالمعرفة العملياتية والقدرة على التجنيد بسرعة تجسد كيف أن منظومة العلاقات بين الدول يمكنها أن توفر مساعدة مباشرة للسكان الذين يحتاجون اليها.

السياحة هي الأخرى مدماك مركزي في العلاقة. القرب، الثقافة والاستضافة اليونانية تخلق أساسا طبيعيا للقاء بين الشعبين، والى جانبها فرص اقتصادية في فروع الفندقة، الطيران والخدمات. في أيلول 2026 بحثت وزيرة السياحة اليونانية وسفير إسرائيل في أثينا في تعميق التعاون السياحي. توجد قيمة عليا لهذه المثابرة. كل لقاء انساني ناجح يمكن أن يعزز التعارف، يقلل الشكوك ويخلق اهتماما متبادلا.

في مجالات الطاق، الماء والحداثة يكمن حيز آخر للتقدم. فالمنتديات التجارية المشتركة تعنى بالربط بين قدرات تكنولوجية إسرائيلية وفرص في اليونان وفي قبرص. مشاريع ارتباطات الطاقة لا تزال تحتاج الى فحص اقتصادي، تمويل وتغلب على تحديات سياسية لكن مجرد التنسيق هام. فهو يسمح بالتفكير بتعابير إقليمية في أمن الطاقة، تنوع المصادر وتعزيز العلاقة بين شرق البحر المتوسط وأوروبا.

هنا تتضح أيضا أهمية الشراكة الثلاثية مع قبرص واطار التعاون مع الولايات المتحدة. يمكن أن نرى فيها وزنا مضادا لمحاولات ممارسة الضغط في شرق البحر المتوسط. حيال الخلافات مع تركيا على الحدود المائية ومقدرات الطاقة، فان التنسيق يعزز قوة المساومة للشركاء. حيال التهديد الإيراني والضرر الإقليمي للمسارات التجارية تتعاظم أهمية العلاقات الأمنية المستقرة.

تدير اليونان كما اسلفنا سياسة مستقلة والعلاقة الثنائية لا ينبغي أن تفسر كتهديد على دول أخرى. فقوتها تكمن بالذات في ردع مسؤول: حماية السيادة، البنى التحتية وحرية الملاحة، الى جانب إبقاء الباب مفتوحا للحوار. التعاون الناجح يزيد فرص الاستقرار في المنطقة.

اليونان جديرة بمكان مركزي في السياسة الخارجية الإسرائيلية، ولمعاملة تعترف بمساهمتها واحتياجاتها. عمل السفيرة سالومون عمل الجهات المهنية والالتزام السياسي في العاصمتين تمنح الشراكة إمكانية التواصل والتعمق. في عصر انعدام اليقين، المعرفة بانه خلف البحر توجد دولة يمكن معها التدرب، التجارة، الإنتاج ومد يد العون هي ذخر حقيقي. هذا الذخر جدير بالتنمية بذكاء، باحترام متبادل وبامتنان. هذا استثمار في أمننا، في اقتصادنا، في قدرة الأجيال القادمة على العيش في منطقة مستقرة ومزدهرة.

——————————————

يديعوت احرونوت 16/10/2026

تُدرك إسرائيل والولايات المتحدة أن الضربة الجوية لن تُسقط النظام

بقلم: رون بن يشاي المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرونوت

 كما هو الحال مع مصارعَي سومو يتصارعان دون أن يتمكن أي منهما من إزاحة الآخر من موقعه، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل في مأزق مع إيران ووكلائها، ولا يبدو أن هناك مخرجًا في الأفق. هذا الوضع غريب، فالولايات المتحدة وإسرائيل تتمتعان بحرية شبه كاملة في العمليات الجوية في سماء الجمهورية الإسلامية، وتفوق عسكري في جميع المجالات الأخرى. ولكن على الرغم من عدم التكافؤ العسكري والحصار البحري الخانق الذي تفرضه القيادة المركزية الأمريكية في الخليج العربي، فإن ترامب عاجز عن إجبار آيات الله على الاستسلام، كما أن رجاله غير قادرين حتى على انتزاع موافقة منهم على الحد الأدنى من مطالب الرئيس، وهي أن تتوقف إيران عن تطوير أسلحة نووية وأن تحترم حرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب. والأسوأ من ذلك، أن القيادة الإيرانية تتصرف وكأنها منتصرة، وتملي شروطًا مهينة على الولايات المتحدة، رغم أنها تكبدت ضربات قاسية واقتصادها على وشك الانهيار.

ويكمن تفسير ذلك في الطبيعة الدينية المتعصبة للنظام، الذي يُعد بقاؤه في السلطة ورفضه الخضوع لـ “الكفار” الأمريكيين واليهود غاية وجوده. وذا في ظل غياب قوة منظمة على الأرض وفي شوارع إيران تمتلك الدافع والتنظيم والوسائل اللازمة لمواجهة الحرس الثوري وقوات الباسيج عسكريًا، وتوفير بديل للحكم في حال هزيمة النظام.

ويستند هذا الطرح إلى إدراك ترامب والجناح المتشدد في إدارته (وزير الخارجية روبيو، ووزير الدفاع هيغسيث وغيرهما)، ورئيس الوزراء نتنياهو، وكبار المسؤولين الأمنيين، بأن القيادة الحالية في طهران تُشكل معضلةً يصعب حلها في ظل الظروف الراهنة، وأنه من المستحيل التوصل إلى حل وسط معقول معها عبر المفاوضات. ومن خلال محادثات مع مصادر مطلعة على ما يجري في إيران، يتضح أن مجتبى خامنئي هو شخصية متشددة، ورغم إصاباته البالغة، فإنه يسيطر على كبار مسؤولي النظام ويفرض عليهم سياسة صارمة، بمن فيهم قادة الحرس الثوري والباسيج، الذين يؤيد معظمهم الخط المتشدد دينياً الذي يتبناه، والذي يدعو إلى عدم التخلي عن تخصيب اليورانيوم أو فرض قيود على تطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وإلى حق إيران في مواصلة السيطرة على مضيق هرمز، بما في ذلك تحصيل رسوم العبور. ويرى هذا التيار أن معاناة الشعب نتيجة الحصار البحري والعقوبات وإخفاقات النظام التي تسببت في نقص حاد في المياه والكهرباء، ثمن جدير بالتضحية في سبيل تحقيق الأهداف الدينية والوطنية.

في المقابل، يقف التيار المعتدل بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان، إلى جانب رئيس البرلمان محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، في مواجهة هذا التيار المحافظ الفاشي. هؤلاء في الواقع حساسون للمعاناة الاجتماعية والاقتصادية للشعب الإيراني، لكن تأثيرهم على السياسة محدود. ووفقًا للخبراء، يستمع مجتبى لأعضاء التيار المعتدل ويسمح لهم بالتفاوض مع الأمريكيين بهدف العودة إلى مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران من هذا العام، والتي تمت صياغتها خلال مفاوضات مع نائب الرئيس فانس في إسلام آباد بوساطة باكستانية. في إسرائيل، وكذلك بين الجمهوريين في الولايات المتحدة، تُعتبر مذكرة التفاهم هذه تصالحية، بل ووثيقة استسلام للمطالب الإيرانية. ولكن بعد أيام قليلة من توقيعها، انتهكها الحرس الثوري بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة، وضرب ثلاث سفن تجارية عابرة لمضيق هرمز. وبذلك، منحوا ترامب فرصة ذهبية للانسحاب من الاتفاقية، التي وُصفت بأنها شبيهة بـ”اتفاقية ميونيخ” عشية الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى انتقادات لاذعة للرئيس ونائبه من الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري، ومن العديد من المشرعين الديمقراطيين. نتيجةً لذلك، جدد ترامب الحصار والهجوم، وأرسل مجتبى عراقجي للحصول على الشروط نفسها بصيغة مختلفة قليلاً.

مع ذلك، شدد ترامب مواقفه في هذه الأثناء. فخلافًا لتفاهم حزيران، طالب ببدء المفاوضات بشأن وقف البرنامج النووي العسكري، ثم مناقشة مطالب إيران برفع الحصار البحري والعقوبات المفروضة عليها، والإفراج عن 12 مليار دولار من أموالها المجمدة. رفض الإيرانيون، وانهارت المفاوضات التي جرت على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ووفقًا لمصدر مطلع على الإدارة، فإن انتهاك الإيرانيين لمذكرة التفاهم التصالحية والجولة الأخيرة من المفاوضات أظهرا لترامب أنه مع النظام الحالي في إيران، ليس من المستحيل فقط التوصل إلى حلول وسط عبر القنوات الدبلوماسية، بل إنه من غير الواضح أيضًا ما إذا كان للممثلين الإيرانيين صلاحية الموافقة على أي شيء. ووفقًا للمصدر نفسه، فإن هذه الرؤية تدفع ترامب وأغلبيته إلى الاقتراب من الموقف الإسرائيلي (الذي يتشاركه مع نتنياهو وجميع رؤساء المؤسسة الأمنية)، والذي يرى أن الإطاحة بالنظام فقط هي التي ستضمن عدم عودة إيران لبرنامجها النووي وأن العبور عبر مضيق هرمز سيتم مرة أخرى وفقًا لقواعد الملاحة الدولية.

 التعذيب والإعدام

لكن إسقاط نظام قمعي ودموي كالنظام الإيراني ليس بالأمر الهين. يُظهر التاريخ العسكري أن إسقاط أو استبدال نظام دكتاتوري في بلد معادٍ يتطلب دائمًا قوة منظمة ومستعدة تعمل على الأرض. وقد أثبتت قوات الباسيج والحرس الثوري مجددًا في بداية العام قدرتها على قمع المظاهرات الجماهيرية التي خرجت إلى الشوارع بشكل عفوي. لإسقاط النظام الإيراني، يلزم وجود أفراد ذوي دوافع عالية وقدرات عسكرية وإدارية على الأرض داخل الأراضي السيادية للبلاد. في ظل الظروف الراهنة، يمكن أن تأتي هذه القوة من مصدرين: مقاتلون عسكريون أمريكيون (أو مقاتلون من الجيش الإسرائيلي)، ومنظمات معارضة مدربة ومجهزة لديها الاستعداد والقدرة على العمل. كما أن السلطات تُحارب هذه المنظمات بحزم، وتجمع معلومات استخباراتية عنها، وتلاحقها، وتُعذب أعضاءها وتُعدمهم، وتُعطل اتصالاتها، وتقطع عنها الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

تنشط في إيران عدة منظمات من هذا القبيل، لا سيما بين الأقليات – الأكراد والبلوش والعرب والأذريين واللور. وتتلقى هذه المنظمات دعمًا من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد (وخاصة الأكراد) وأجهزة استخبارات دول عربية كالإمارات العربية المتحدة. إلا أنها تفتقر إلى القوة الكافية لمواجهة الحرس الثوري وقوات الباسيج. كما تعجز منظمات المعارضة السياسية في إيران عن تنظيم انتفاضة حقيقية ضد النظام.

إنّ المنظمات الوحيدة القادرة، نظريًا على الأقل، على مواجهة النظام في إيران على المستوى الوطني هي آلاف أعضاء منظمة مجاهدي خلق. تتبنى هذه المنظمة أيديولوجية إسلامية ماركسية، وترأسها امرأة تُدعى مريم رجوي، ولها فروع وآليات لجمع التبرعات في الخارج. أعضاؤها متحمسون ومندفعون، ومنظمون تنظيماً جيداً، وبعضهم مسلح، ولديهم القدرة على إنتاج أنوية حكم محليً. وإذا ما تمكن أحد من حشد بعض منظمات المعارضة العرقية للتعاون مع مجاهدي خلق، فقد يشكل ذلك تهديدًا خطيرًا للنظام.

يُصرّ مجتبى وأنصاره على قمع أي معارضة مهما كلف الأمر، بما في ذلك استخدام أبشع الوسائل وأكثرها وحشية، كإعدام المشاركين في مظاهرات كانون الثاني من هذا العام، والتي لا تزال مستمرة. كما شرع مجتبى في إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية والجيش لتعزيز أمن النظام، وعيّن على رأسها ضباطًا كبارًا من قدامى المحاربين في الحرس الثوري والمخابرات والباسيج، ممن أثبتوا ولاءهم لوالده الراحل، وكفاءتهم في قمع الاحتجاجات الجماهيرية في الماضي.

كل هذا يضع إدارة ترامب وقادة إسرائيل أمام معضلة صعبة: إذا لم يطرأ أي تغيير على مواقف النظام في إيران بعد عمليتين جويتين مشتركتين قويتين بين إسرائيل والولايات المتحدة، وبقي الوضع مستقرًا، فما جدوى عملية جوية مشتركة أخرى، حتى لو تضمنت هذه المرة تدمير منشآت الطاقة والبنية التحتية للكهرباء والمياه التي امتنعت الولايات المتحدة وإسرائيل عن مهاجمتها سابقًا؟ فمن جهة، من شأن مهاجمة هذه البنية التحتية أن يُضعف النظام. من جهة أخرى، سيزيد ذلك من معاناة المواطنين الإيرانيين، وسيؤدي إلى عداء تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يصب في مصلحة النظام.

ومن الواضح أيضاً أنه إذا بقي النظام الحالي في السلطة، فلن تتمكن الغارات الجوية من منع الإيرانيين من استئناف مشروع الأسلحة النووية في المستقبل، وربما في غضون عام أو عامين، وخطط تطوير وإنتاج آلاف الصواريخ الباليستية وعشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة. يمكن تأجيل هذه الخطط، لكن لا يمكن منعها إلى الأبد. والدليل على ذلك: أن الإيرانيين ينتجون بالفعل صواريخ جديدة (ليست كثيرة) باستخدام المواد الخام المتبقية لديهم. ومن الواضح أيضاً أن صناع القرار في واشنطن والقدس لا يعتزمون إرسال تشكيلات من القوات البرية للمناورة بهدف الإطاحة بالنظام والسيطرة على المنشآت النووية والصاروخية.

إذن، ما الحل؟ لا يملك البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) حالياً إجابة شافية لهذه المعضلة. ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن البنتاغون قدّم خلال الأشهر الأخيرة خمس خطط لترامب وفريقه لتنفيذ عمليات جوية مُستهدفة في إيران وضد الحوثيين في اليمن. ووفقًا للتقرير، تُعدّ هذه الخطط مثابة مُخططات لعملية قصيرة لكنها فعّالة بالتعاون مع سلاح الجو الإسرائيلي، تستمر ثلاثة أيام، وتستهدف منظومات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ومنشآت الطاقة، فضلًا عن مقرات ومراكز قيادة وسيطرة الحرس الثوري. ومن المعروف في إسرائيل أن ترامب درس هذه الخطط بجدية، إذ ناقشها مع نتنياهو، وتلقّى الجيش الإسرائيلي أوامر بالاستعداد الفوري لجولة أخرى من العمليات مع إيران في غضون أيام، أو ربما ساعات. وفي النهاية، قرر ترامب عدم التحرّك. ووفقًا لمصادر مُطّلعة، فإن أحد الأسباب الرئيسية هو أن خطط العمل التي وُضعت في مقر القيادة المركزية في فلوريدا ومقر القيادة في تل أبيب لم تُضمن نتائج مُغايرة جذريًا لما تحقق في عملية “زئير الأسد”.

وفي أوائل أكتوبر، اجتمع كبار مسؤولي البيت الأبيض، برئاسة نائب الرئيس فانس، في المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد لمراجعة هذه الخطط. وبحسب تقارير في وسائل الإعلام الأمريكية، لم يكن الأمريكيون متحمسين لفكرة الضربات الجوية، ورأوا أنها لن تُسقط النظام أو تُغير مواقفه. يُفترض أنهم اعتمدوا أيضاً على تجربة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) عندما حاولت إخضاع الحوثيين في اليمن بعملية جوية فاشلة في آذار 2025. كما أخذ فانس وكبار مسؤولي الإدارة في الحسبان الرد الانتقامي الذي يُهدد الحرس الثوري باستخدامه ضد الأمريكيين. هذا الرد من شأنه أن يُضرم النيران في منشآت النفط والغاز في أراضي حلفاء الولايات المتحدة، ويُسبب دماراً هائلاً في إسرائيل والأردن، ويُستنزف بشكل خطير المخزون المُستنزف أصلاً من الأسلحة الاعتراضية ومخزون الأسلحة الهجومية الدقيقة والمكلفة للجيش الأمريكي. من المحتمل أيضاً أن يقوم الإيرانيون، بالإضافة إلى إغلاق مضيق هرمز باستخدام طائراتهم المسيرة وزوارقهم السريعة المتبقية، بتنفيذ تهديداتهم بتدمير كابلات الاتصالات تحت سطح البحر التي تمر عبر مضيق هرمز وباب المندب وتوفر خدمات الاتصالات والإنترنت لدول الشرق الأوسط وآسيا.

 ينصح الجيش الإسرائيلي: لا تتسرعوا

يُقدّر أن الجيش الإسرائيلي والموساد لا يزالان يفتقران إلى إجابة عملية واضحة حول ما يمكن تحقيقه في جولة أخرى مع إيران لم تُحقق في الجولات السابقة، وما إذا كان ذلك سيُغني عن الحاجة إلى جولة أخرى في غضون أشهر أو سنوات، وربما جولات أخرى. ويواصل سلاح الجو الحفاظ على جاهزية شبه فورية للرد، مما يُلقي عبئًا بدنيًا ونفسيًا كبيرًا على الطواقم الأرضية والطيارين. لكن هذا يعود أساسًا إلى أن الرئيس ترامب، الذي لا يُمكن التنبؤ بتصرفاته، قد يُقرر فجأة شن عملية تشارك فيها إسرائيل، وأيضًا لأن إيران، وفقًا للاستخبارات العسكرية، قد تُبادر بضربة استباقية لتدمير حلفاء الولايات المتحدة وقواعدها في المنطقة. وهناك أيضًا احتمال أن تُطلق إيران صواريخ علينا نتيجة ما يُسمى “سوء تقدير” – أي تقييم خاطئ بأننا على وشك مهاجمتها. وعلى أي حال، لا تملك إسرائيل في الوقت الحالي أي مؤشر على أن الإيرانيين يُخططون لضربة استباقية.

ينصح الجيش الإسرائيلي نتنياهو بعدم التسرع. فكل يوم يمر يتيح لشركات الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) ورافائيل وإلبيت إنتاج صواريخ اعتراضية جديدة، وأسلحة هجومية دقيقة وبعيدة المدى، وطائرات مسيرة، وطائرات استطلاع، مما سيمكننا من حماية الجبهة الداخلية بشكل أفضل والهجوم في المواجهة المقبلة مع إيران. علاوة على ذلك، ووفقًا لمعلومات موثوقة لدينا ولدى الأمريكيين، لم يحاول الإيرانيون بعد استخراج اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، ولم يعملوا على إعادة تأهيل منشآت التخصيب واستئناف تطوير الرؤوس الحربية النووية. لكنهم يحاولون استئناف إنتاج الصواريخ الباليستية وإعادة تشغيل منشآت تطوير وإنتاج الصواريخ المدمرة. وعلى الرغم من الادعاءات بأن العمل العسكري عشية الانتخابات سيخدم نتنياهو، فقد صرح رئيس الوزراء نفسه هذا الأسبوع في مقابلة مع صوت الجيش بأنه غير مهتم بشن هجوم استباقي على إيران في الوقت الراهن. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تعتبر إسقاط النظام الإيراني هدفًا رئيسيًا تسعى لتحقيقه.

على الرغم من التردد والشكوك حول الفوائد التي ستجنيها الولايات المتحدة من استمرار الحرب في إيران، فمن الواضح أن ترامب لن يتخلى عن مطالبه بنزع السلاح النووي عن إيران، وبأن يكون مضيق هرمز مفتوحًا وآمنًا للملاحة الدولية. هذه هي مطالبه الدنيا، وهو يعتزم تحقيقها إما عن طريق المفاوضات أو الوسائل العسكرية، أو – على الأرجح – مزيج من الاثنين.

إذا تجاهلنا تصريحاته المتناقضة وردوده غير المدروسة، يمكننا التمييز بين الأهداف قصيرة المدى وطويلة المدى التي يسعى الرئيس الأمريكي لتحقيقها. الهدف الأول قصير المدى سياسي: يخشى ترامب خسارة الأغلبية الجمهورية في مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقرر إجراؤها في 3 تشرين الثاني. ينبع خوفه من عدم شعبية الحرب على إيران في الولايات المتحدة، حتى بين العديد من الجمهوريين. لا يريد أن تعرض شاشات التلفزيون صورًا لجنود أمريكيين عائدين في توابيت، لكن ما يقلقه بالدرجة الأولى هو ارتفاع أسعار الديزل والبنزين بشكل كبير منذ شباط. يُلحق هذا الارتفاع في الأسعار ضرراً غير مباشر بالمواطن الأمريكي (إذ ترتفع أسعار المنتجات الزراعية نتيجة نقص الأسمدة)، ويُلحق ضرراً مباشراً بمكانة الرئيس السياسية. ونتيجةً لذلك، يتضرر أيضاً المرشحون الجمهوريون الذين يسعى ترامب لدعمهم في مجلسي الشيوخ والنواب. ولهذا السبب، يُركز ترامب جهوده على الحد من الارتفاع المُعتمد أساساً على المضاربة في أسعار النفط والغاز كلما تصاعدت التوترات مع إيران وتزايد التهديد بالتصعيد العسكري في المنطقة.

 كمائن جوية

لهذا السبب، أعلن ترامب مراراً وتكراراً أنه لن يدعو إلى شن هجوم على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي. ويهدف هذا الإعلان بالدرجة الأولى إلى تهدئة السوق وتهدئة المضاربين الذين يدفعون أسعار النفط في أسواق الطاقة العالمية إلى الارتفاع. وبناءً على نصيحة قائد القيادة المركزية الأمريكية ووزير الخزانة، أمر ترامب أيضاً بعملية جريئة لنقل النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أثار استياءً وغضباً شديدين لدى الإيرانيين. بدأت العملية في منتصف آب، وسارت على النحو التالي: استأجرت دول إنتاج النفط والغاز العربية – العراق والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة العربية السعودية – سفن شحن وناقلات صغيرة، جهزتها وأعدتها في غضون أيام قليلة لنقل كميات صغيرة من النفط والغاز. وتكمن ميزة هذه السفن في صغر حجمها وصعوبة رصدها وتحديد موقعها بواسطة أنظمة المراقبة والرادار والطائرات المسيّرة وأنظمة التحكم في إطلاق النار للصواريخ الساحلية التي زرعها الإيرانيون في منطقة مضيق هرمز.

ولضمان إبحار هذه السفن بأمان، حرص الأمريكيون، في عدة عمليات ليلية دقيقة، على تعطيل الرؤية لدى الإيرانيين بتدمير أجهزة الرادار المتمركزة في منطقة ميناء بندر عباس، وكذلك على جزر وسواحل لارك وقشقاي. كما قامت البحرية الأمريكية بتطهير الممر الملاحي الجنوبي للمضيق، الذي يمر بالقرب من ساحل عُمان ويقع على بعد حوالي 30 كيلومترًا من الساحل الإيراني، من الألغام البحرية التي زرعها الإيرانيون. قامت الطائرات المقاتلة الأمريكية بدوريات وكمائن جوية سمحت لها بتدمير معظم منصات إطلاق الصواريخ الساحلية التابعة للحرس الثوري وسفن الهجوم السريع عندما خرجت من مخابئها لمهاجمة السفن في المضيق (والتي كان معظمها في تلك المرحلة في الواقع طعمًا أمريكيًا).

بعد أن قامت القيادة المركزية الأمريكية بتطهير الممر الملاحي من الألغام وتدمير معظم منشآت الرصد والاستطلاع والهجوم الإيرانية على سواحل مضيق هرمز والخليج العربي، بدأت العملية التي نُفذت في معظمها ليلاً. ولتجنب رصدها، أغلقت السفن الصغيرة أجهزة الراديو الخاصة بها، والمثبتة وفقًا للممارسات الدولية والتي تبث مواقعها تلقائيًا (أجهزة الإرسال والاستقبال)، والتصقت بخزانات المياه الساحلية أو بجوانب ناقلات النفط الكبيرة الراسية قبالة سواحل الإمارات العربية المتحدة أو في أماكن مخفية على الساحل الجنوبي للخليج العربي. نُقل النفط من السفينة الكبيرة إلى السفينة الصغيرة، وعندما امتلأت، انضمت إلى مجموعة من السفن الأخرى من نوعها التي أبحرت، برفقة سفن حربية أمريكية، في الممر الملاحي “العماني” حتى عبرت مضيق هرمز ودخلت المحيط الهندي. هناك، بالقرب من سواحل عُمان، جرت العملية نفسها – ولكن في الاتجاه المعاكس. التصقت السفينة الصغيرة، التي عبرت المضيق بسلام، بناقلة نفط عملاقة كانت تضخ النفط منها. بعد عدة هجمات مماثلة، وعندما امتلأت ناقلة النفط العملاقة، انطلقت متجهةً إلى عملائها في أوروبا وآسيا.

لقد حاول الإيرانيون تهديد هذه السفن الناقلة وإلحاق الضرر بها لفترة طويلة، لكنهم فشلوا بفضل الدفاعات الإلكترونية والحركية التي وفرها الأمريكيون. وهكذا، ولأكثر من شهرين، تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من نقل كمية من النفط عبر مضيق هرمز يوميًا تعادل تقريبًا الكمية التي كانت تمر عبره قبل الحرب (حوالي 20 مليون برميل يوميًا). وبإضافة كمية النفط التي كانت تمر عبر خطوط الأنابيب البرية متجاوزةً مضيق هرمز في السعودية والإمارات، فإن كمية النفط والغاز التي غادرت دول الخليج العربي متجهةً إلى عملائها كانت تعادل تقريبًا كمية صادرات الطاقة قبل الحرب. كان الجميع سعداء، ولا سيما الطواقم، الذين كوفئوا بسخاء على المخاطرة التي تحملوها. كان قادة هذه السفن الانتحارية يتقاضون حوالي 100 ألف دولار شهريًا، بينما كان البحارة من بنغلاديش والفلبين والهند يتقاضون ما بين 6000 و7000 دولار لكل منهم.

مع ذلك، طوّر الإيرانيون مؤخرًا أساليب مراقبة جديدة تمكّنهم من استهداف سفن الإمداد، باستخدام الطائرات المسيّرة بشكل رئيسي، وتعطيل عملياتها. يستخدم الحرس الثوري كشافة يبحرون في قوارب صيد أو امداد للتشويش على العملية. وعندما يتلقون معلومات عن سفن الإمداد، يشنّ الحرس الثوري هجومًا عليها بطائرات مسيّرة. كما بدأ الإيرانيون بمهاجمة ناقلات النفط وسفن الحاويات في جميع أنحاء الخليج العربي، حتى بعيدًا عن شواطئ مضيق هرمز. ونتيجة لذلك، انخفضت كمية النفط المارة عبر المضيق في الأيام الأخيرة، مما أجبر منتجي النفط على دفع أقساط تأمين أعلى. وارتفعت رواتب معظم قادة السفن إلى 100 ألف دولار للرحلة الواحدة، ورواتب البحارة إلى 10 آلاف دولار للرحلة الواحدة. وفي اليوم السابق، غرقت سفينة سنغافورية تحمل حوالي 2800 حاوية في مضيق هرمز، ولكن تم إنقاذ جميع أفراد طاقمها بسلام.

 حصار مضيق هرمز

بالتوازي مع جهوده للحد من ارتفاع أسعار الطاقة، يواصل ترامب استعداداته لجولة أخرى من القتال مع الإيرانيين. وكجزء من هذه الاستعدادات، أرسل البنتاغون قوة مهام إضافية إلى الشرق الأوسط بقيادة حاملة الطائرات روزفلت. وإلى جانب القوتين الموجودتين بالفعل في المنطقة، والمتمركزتين على حاملتي الطائرات واشنطن وبوش، تضم هذه القوة أكثر من عشر مدمرات صواريخ، ونحو 20 ألف بحار وجندي من مشاة البحرية، ومئات الطائرات المقاتلة، وطائرات استطلاع، ومروحيات. ومن المفترض أن يُمكّن آلاف جنود مشاة البحرية المشاركين في هذه القوة عبر سفن مخصصة، ترامب من تنفيذ عملية برية محدودة، سواء في مضيق هرمز، أو لإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، أو للاستيلاء على محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران، الواقعة في جزيرة خارج. وهذه هي المرة الأولى منذ حرب العراق التي تبحر فيها قوة بهذا الحجم وتعمل في الشرق الأوسط.

وربما تنبع الحاجة إلى حاملة طائرات ثالثة من الدروس التي استخلصها البنتاغون من الحملة الأخيرة في إيران. نجح الحرس الثوري في استخدام صواريخ باليستية قصيرة المدى لضرب قواعد أمريكية في المنطقة وتدمير أكثر من عشر طائرات أمريكية كانت متمركزة في مطارات الكويت والسعودية والأردن وقطر. ولذلك، قررت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) إعادة نشر قواتها في المنطقة وخارجها. وكجزء من عملية إعادة الانتشار، نُقلت عدة أسراب مقاتلة إلى إسرائيل، التي تمتلك دفاعًا جويًا متطورًا وتشاركه مع الولايات المتحدة. وتُساهم حاملة الطائرات الإضافية، والقوة البحرية التابعة لها، في استبدال أكثر من قاعدة أمريكية في دول المنطقة. ومن المقرر أن تصل القوة البحرية “روزفلت” إلى المنطقة وتبدأ عملياتها في نهاية أكتوبر. إضافةً إلى ذلك، يُسرّع البنتاغون بشكل كبير إنتاج وتوريد صواريخ باتريوت وثاد والأسلحة الهجومية.

لكن المعضلة العسكرية المركزية لم تُحل بعد. إيران تُماطل. النظام هناك يُريد البقاء وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب حتى انتهاء ولاية ترامب، وبعدها – الله أكبر.

يعتقد الرئيس الأمريكي، كجميع مستشاريه (بمن فيهم نائبه فانس، المُعارض للحرب)، أن الحصار البحري المفروض على إيران يُؤتي ثماره، وهو ما يُقلق النظام بشدة، إذ يخشى على بقائه. يكاد النفط لا يُغادر إيران، ونقص العملات الأجنبية يتفاقم. تعتقد وكالات الاستخبارات الأمريكية، وحتى استخبارات الجيش الإسرائيلي، أن الحصار يُؤثر حاليًا بشكل أكبر من الضغط العسكري، وقد يدفع الإيرانيين إلى تصعيد الموقف لكسره.

بكل الأحوال، يُعد استمرار الحصار البحري – إلى جانب الحفاظ على قوة بحرية كبيرة تُشكل ضغطًا على إيران – البديل لجولة قصيرة من الضربات الجوية. يجب أيضًا الأخذ في الاعتبار أنه إذا خسر ترامب الأغلبية في مجلسي الكونغرس، فلن يتمكن من شن عملية عسكرية لأكثر من 60 يومًا. على الرغم من قدرته على شن حرب طويلة الأمد عبر استخدام حق النقض الرئاسي ضد الكونغرس، إلا أن ذلك سيشكل له إشكالية سياسية كبيرة.

قد تُضعف عملية جوية أمريكية إسرائيلية قصيرة الأمد إيران عسكريًا، وتُهدد استقرار النظام من خلال إلحاق الضرر بالحرس الثوري. لكن لن يكون لها تأثير أكبر من ذلك. فهي لن تمنع على المدى البعيد استئناف مشاريع الأسلحة النووية والصاروخية، ولن تُطيح بالنظام. لذا، يُمكن التوقع أنه حتى بعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وخاصةً إذا خسر ترامب الأغلبية في مجلسي الكونغرس، فلن يُسارع إلى مهاجمة إيران. ولهذا تبحث إسرائيل والولايات المتحدة عن حل آخر، يختلف عن الحل السابق، للمشكلة الإيرانية.

——————————————

يديعوت أحرونوت 16/10/2026

تعهد آيزنكوت بإسقاط حماس هو اللحظة الحاسمة في حملته الانتخابية

بقلم: نداف ايال

بطريقة مثيرة للاهتمام – متوقعة وغير متوقعة – تُجرى هذه الانتخابات على السابع من أكتوبر. ظاهريًا، يبدو الأمر بديهيًا؛ كيف يمكن أن يكون غير ذلك، في ضوء الكارثة؟ لكن في العام الماضي، انحرفت السياسة إلى قانون التجنيد، إلى السياسة تجاه الحريديم، إلى نظام التعليم. كان هناك شعور بأنه لم يتبق شيء للكشف عنه بشأن الفشل. وأن إسرائيل لم تستنفد هذا النقاش، لكنها لم تعد قادرة على إدارته.

هذا المفهوم قد انتهى. على مدى أسابيع، انصبّ النقاش العام على جوهر الجرح، على مصدر الصدمة. تحذير حاكم الإمارات للقدس بشأن احتمال وقوع “زلزال”. الجدل الدائر حول التحذير المصري، وما إذا كانت الطائرة موجودة هناك أم لا. روايات جوناثان أوريتش متنوعة، ولا سيما ما نشره عوفر حداد هذا الأسبوع على القناة 12 من أن كبير مستشاري رئيس الوزراء التقى في أوروبا بمسؤولين قطريين خلال الحرب، وأن قطر دفعت له. دعوى التشهير التي رفعها رونين بار، والتي جاءت عقب تصريح رئيس الوزراء حول “جرائم” الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك). آفي جيل، السكرتير العسكري السابق لنتنياهو، أدلى بتصريحات لوسائل الإعلام حول تزوير المحاضر، وهي قضية نشرتها في هذه الصفحات منذ أكثر من عام.

إنها وتيرة أحداث متسارعة بشكل مذهل. خذ يوم الأربعاء على سبيل المثال. بدأ بدعوى التشهير التي رفعها رونين بار، واستمر بنشر خبر لقاءات أوريتش مع القطريين. ليلًا، حاول مثيرو شغب من المتشددين الأرثوذكس تخريب مبنى ذي وجود عسكري هام. سارعت المعارضة إلى إصدار بيانات، لكن كان من الواضح أن المتشددين لن يُقبض عليهم.

يوم الخميس، حُسم الأمر نهائيًا، مع أهم تصريح أدلى به غادي آيزنكوت في هذه الحملة، وربما أهم خطوة انتخابية له: وعده بأن حماس لن تسيطر على قطاع غزة في غضون 18 شهرًا. قال آيزنكوت: “سنُدمر الجناح العسكري لحماس. سيتم ذلك إما من خلال عمل يستند إلى خطة الرئيس ترامب التي وافقت عليها حكومة نتنياهو، أو من خلال استخدام القدرات العسكرية والعملياتية”.

هذه هي المرة الأولى في الحملة الانتخابية التي يُقدم فيها آيزنكوت شيئًا ملموسًا وهامًا لليمين المتردد، أي لأعضاء حزب الليكود. وعود من هذا النوع، على عكس الصورة النمطية، قيّمة بالفعل. في عام 1999، وعد إيهود باراك بمغادرة لبنان في غضون عام. في عام 1996، وعد نتنياهو بعدم إلغاء اتفاقيات أوسلو. وفي عام 1992، صرّح رابين بأنه سيتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين في غضون تسعة أشهر وينهي الانتفاضة. وفي عام 1977، بعد انتخابه بفترة وجيزة، قال بيغن إنه سيبني العديد من المستوطنات  كـ “ألون موريه”. ومن المثير للاهتمام أن القادة الإسرائيليين، حتى عهد نتنياهو، سعوا جاهدين للوفاء بهذا الوعد. لم يكن الأمر دائمًا مجرد استعراض.

يُظهر بحث معمق، حتى داخل كتلة نتنياهو، أن أعظم نقاط قوة آيزنكوت تكمن في مصداقيته، كما يراها الجمهور. وهو الآن يستغل هذه الميزة ويحولها إلى وعد. ومن الجدير بالذكر أن هذا يحدث بعد تفكير عميق. أحد الأمور التي تُقلق آيزنكوت باستمرار، عندما يأتيه الناس بوعود انتخابية، هو أنه لن يتمكن من الوفاء بها. ففي النهاية، وعد نتنياهو نفسه في عام 2009 بإسقاط حكومة حماس في قطاع غزة. ونعلم جميعًا كيف انتهى الأمر. الآن، يتوجه رئيس حزب “يشار!” إلى هؤلاء الناخبين ويقدم لهم وعدًا مماثلًا، وعدًا يجد نتنياهو صعوبة في الوفاء به. ماذا سيفعل رئيس الوزراء؟ هل سيقدم هو الآخر وعدًا؟ لقد مرت 17 عامًا، ولن يصدقه أحد.

جاء الرد من مستشاره (المشتغل المرخص لقطر): فيديو أُعدّ بسرعة البرق ليؤكد أن آيزنكوت لن يتمكن من تحقيق ذلك بسبب منصور عباس والأحزاب العربية. سرعة استجابة حملة نتنياهو تشهد على الضغط الهائل الذي تتعرض له. وكما كُتب هنا مرارًا وتكرارًا في الأسابيع الأخيرة، إذا أراد آيزنكوت الفوز بالانتخابات، فعليه أن يقدم شيئًا ملموسًا لليمين الإسرائيلي. إقناع المقتنعين مهمة رائعة، والتنافس على توزيع الأصوات داخل الكتلة أمرٌ مُرهِق. استمالة المترددين أو الحفاظ على تأييدهم أمرٌ صعب. اتخذ آيزنكوت الخطوة اللازمة، بعد فترة انتظار طويلة جدًا.

إضافةً إلى ذلك، وقبل أقل من أسبوعين على الانتخابات، هناك ضجيج كبير. تقلبات حادة في الأوساط الإعلامية. الإسرائيليون سئموا من وعود الانتخابات وشعروا بالمرارة تجاهها. إنهم يميلون إلى الوعود الكاذبة، ويشكّون في الجميع – ولهم كل الحق في ذلك. مع ذلك، عندما يأتي رئيس أركان سابق فقد ابنه في معارك مع حماس ويقول إنه سيُطيح بحماس من السلطة في قطاع غزة، فهذا أمرٌ ذو قيمة.

كل من يعتقد أن هذا الوعد كاذب عليه أن ينظر إلى الوضع الراهن. هذا الأسبوع، أرسل منسق أعمال الحكومة في المناطق، اللواء يورام هاليفي، رسالة إلى مجلس السلام تتضمن سلسلة من المعلومات المهمة حول الوضع الحالي في قطاع غزة، وتحديدًا حول تعزيز حماس. الموضوع هو الطريقة التي تُلحق بها حماس الضرر بالتجار المرخصين في قطاع غزة، أولئك الذين يستوردون المنتجات من إسرائيل. لكن التفاصيل هي الأهم: تفرض حماس ضريبة تبلغ حوالي عشرة آلاف شيكل لكل شاحنة. وتُلزم التجار ببيع ما لا يقل عن 30 في المئة نقدًا. والسبب هو أن حماس تدفع رواتب مقاتليها ومسؤوليها نقدًا. وقد تعهد هؤلاء التجار لإسرائيل بعدم التعامل نقدًا بعد الآن، وهم يعلمون أن إخلالهم بهذا التعهد لا يُهدد مصدر رزقهم فحسب. في وقت سابق من هذا الأسبوع، وفي محاولة للضغط على التجار لدفع أموال الخاوة، اعتقلت حماس ابن أحدهم. باختصار: عدنا إلى أيام غزة المظلمة.

التهديد الحقيقي / ظاهريًا، يُفترض أن يُفيد هذا الانشغال الشديد بأحداث 7 أكتوبر آيزنكوت والمعارضة عمومًا. لكن وفقًا لبعض الدراسات المعمقة، فإن الصورة أكثر تعقيدًا. فتبادل الاتهامات، وتحديدًا ضد نتنياهو، يُسهم في ترسيخ قبضته على السياسة القبلية لليمين. و”اضطهاد” نتنياهو يُعدّ حجةً قويةً في نظره.

يُؤمن الائتلاف تمامًا بأن كل شيء مُنسق. آفي جيل، ودعوى رونين بار، والمنشورات الصحفية؛ كل ذلك عبارة عن حملة مُنظمة تهدف إلى تدمير نتنياهو. ومن المثير للاهتمام أنهم يُنسبون هذا الفضل للمعارضة وغادي آيزنكوت. وبحسب ما أستطيع قوله، فإن هذا التبرير منفصل عن الواقع.

يجب التحقيق في فشل أحداث 7 أكتوبر. لكن نتنياهو نجح بالفعل في نزع الشرعية تمامًا عن لجنة التحقيق، التي لم تُشكّل بعد. الانتخابات تتجه نحو الماضي، لكنها في المقام الأول تُطالبنا بالنظر مباشرةً إلى المستقبل.

نشر البروفيسور دان بن ديفيد ومعهد شورش التابع له، كعادته، وثيقةً تحمل في طياتها تهديدًا. عنوانها: “التهديد الاجتماعي والاقتصادي لإسرائيل”. كان من الأجدر التركيز على البيانات الجافة الواردة في الوثيقة بدلًا من نشر المزيد حول استغلال عملاء قطريين. يُظهر رسم بياني لافت للنظر كيف أن جميع الأموال الحكومية المخصصة للمستشفيات والجامعات في إسرائيل لا تُعادل المبالغ الطائلة المُخصصة لدعم المجتمع الحريدي. ويُوضح رسم بياني آخر كيف يتحمل اليهود غير الحريديم العبء الأكبر؛ إذ يحصلون على مزايا (مدعومة) أقل من الضرائب التي يدفعونها. أما الحريديم أنفسهم، فيحصلون على أكثر من عشرة آلاف شيكل كإعانات حكومية، أي أكثر مما يدفعونه.

وتُشير إحصائية أخرى إلى أن الطبقة التي يُعتمد عليها في تحصيل الضرائب في إسرائيل قد تقلصت على مدار ربع القرن الماضي. كما تُبين الدراسة خطورة هجرة الأطباء، وتُقارنها بالعقود السابقة. في المقابل، تُقدم الوثيقة سلسلة من الأرقام المُلفتة للنظر حول قطاع التكنولوجيا والاقتصاد. من كان ليصدق أن معهد التخنيون وجامعة تل أبيب، وهما مؤسستان أكاديميتان صغيرتان نسبيًا على المستوى العالمي، تُصنفان ضمن الجامعات الرائدة عالميًا من حيث عدد مؤسسي الشركات الناشئة الذين تخرجوا منهما؟

يشير البروفيسور بن ديفيد إلى أننا نقترب، وربما تجاوزنا، نقطة اللا عودة. إنه يتحدث عن التركيبة السكانية، والقوة السياسية التي ستنشأ والتي ستمنع (بل إنها تمنع بالفعل) التغييرات الجذرية والضرورية. يقول بن ديفيد: “إذا لم تُفضِ الانتخابات المقبلة إلى تغيير جوهري في الأولويات الوطنية، فسنفقد فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في الجيل. وإذا لم يحدث تغيير، فستكون العواقب وخيمة في السنوات القادمة”.

هل نحن على أعتاب موجة زرقاء؟ / قد لا تُجرى الانتخابات الحاسمة لمستقبل إسرائيل إلا بعد 11 يومًا، بينما تُجرى في الولايات المتحدة بعد أسبوع. بطبيعة الحال، تحظى الأحداث التي تسبق انتخابات التجديد النصفي بأقل قدر من الاهتمام في إسرائيل. لكن ما سيحدث فيها قد يُحدد السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في السنوات القادمة. وليس فقط في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

في المتوسط، يقلّ إقبال الأمريكيين على التصويت في انتخابات التجديد النصفي مقارنةً بالانتخابات الرئاسية. غالبًا ما يُفاجأ خبراء استطلاعات الرأي؛ إذ يتوقعون اكتساحًا جمهوريًا، لكنه لا يتحقق؛ ويتوقعون اكتساحًا ديمقراطيًا، لكن يتضح أن الحماس قد تراجع. في إسرائيل، من المعتاد القول إن “الوقت كافٍ” و”كل شيء قابل للتغيير”. أما في الولايات المتحدة، فالوضع أكثر استقرارًا؛ إذ يُكوّن الناس آراءهم بناءً على بيانات أساسية، كالبيانات الاقتصادية على سبيل المثال. وقد تراجع هذا الأمر بشكل ملحوظ بسبب آخر الأخبار المتعلقة بعميل قطري في أعلى مستويات الحكومة.

وبحسب استطلاع رأي عام أجرته فوكس نيوز، والذي يقتصر على دراسة “الديمقراطيين مقابل الجمهوريين” دون التطرق إلى المرشحين على مستوى المقاطعات والولايات، يتقدم الديمقراطيون بنسبة 54 في المئة مقابل 45 في المئة. وهذه نسبٌ مهمة، إن استمرت حتى الانتخابات. يفترض الديمقراطيون فوزهم الساحق في معركة مجلس النواب؛ لكن السؤال هو: هل سيتمكنون أيضاً من السيطرة على مجلس الشيوخ؟

قدّر لاري ساباتو، أحد أبرز المحللين السياسيين في الولايات المتحدة، هذا الأسبوع أن ميزان القوى المتوقع في مجلس الشيوخ بعد انتخابات التجديد النصفي يميل لصالح الجمهوريين في 47 مقعداً، والديمقراطيين في 49، بينما لا تزال أربعة مقاعد تشهد منافسةً حاميةً دون فائز واضح. ولكي يحافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلس الشيوخ، عليهم الفوز بثلاثة من هذه المقاعد الأربعة. وقال ساباتو: “نعم، ما زال أمامنا أسابيع حتى الانتخابات، نعم، قد تحدث مفاجآت في أكتوبر، ونعم، قد تكون استطلاعات الرأي خاطئة، فقد رأينا أمثلةً على ذلك”. وأشار إلى وجود تطورات إيجابية للديمقراطيين حتى في ولايات مثل ألاسكا وكارولاينا الجنوبية، قائلاً: “لدينا رئيس غير شعبي هنا، وهذا أمر سيئ في نهاية انتخابات التجديد النصفي. هناك ارتفاع في الأسعار، ليس فقط للمواد الغذائية، بل أيضاً للديزل، وهذا مرتبط بالبيت الأبيض. إنه مرتبط بالحرب التي بدأها الرئيس – والتي كانت فاشلة وغير شعبية. هذه هي أول حرب في العصر الحديث لاقت استياءً شعبياً منذ اليوم الأول في الولايات المتحدة. عندما نجمع كل هذا معاً، فإننا بالتأكيد نشهد اكتساحاً ديمقراطياً.” تسونامي – لا أقول ذلك بعد.

بالطبع، يجب التعامل مع هذه الأمور بحذر. فقد فاز عبد السيد، الذي اختير مرشحًا ديمقراطيًا لمجلس الشيوخ في ميشيغان، على المرشحة المعتدلة، هايلي ستيفنز، بفارق نقطة مئوية واحدة تقريبًا. وتشير استطلاعات الرأي إلى فوزه بفارق كبير. وهذا مجرد مثال واحد.

إذا حقق الديمقراطيون فوزًا في الانتخابات المقبلة، فإن دوافعهم داخلية. من المشكوك فيه عدد الناخبين الذين سيختارون بناءً على قضايا الشرق الأوسط. ومع ذلك، قد يكون لهذا الفوز عواقب وخيمة على إسرائيل، على المدى القريب والبعيد. أولًا وقبل كل شيء، سينبع ذلك من واقع يتمتع فيه المرشحون الديمقراطيون الأكثر تقدمية، والذين يتبنون مواقف متشددة ضد إسرائيل، بدعم هائل. ويحاول الكثير منهم محاكاة سياسات عمدة نيويورك، زوهران ممداني. وإذا انتُخب السيد في ميشيغان، فسيصبح تلقائيًا مرشحًا رئاسيًا محتملًا، إلى جانب ألكساندرا أوكاسيو-كورتيز، على سبيل المثال. لا يزال عبدول، كما يُطلق عليه الأمريكيون، يرفض التخلي عن داعمه الرئيسي، حسن فكري، المُؤيد لحزب الله، والمتعاطف مع حماس، والمُعادي لإسرائيل. علاوة على ذلك، كلما اتجه المرشحون الديمقراطيون نحو اليسار، زادت شعبيتهم داخل الحزب. وفقًا لاستطلاع رأي أجرته شبكة CNN، يتمتع ممداني بفارق شعبية كبير يصل إلى 54 في المئة، بينما تبلغ نسبة أوكاسيو-كورتيز 47 في المئة. للمقارنة، يتمتع تشاك شومر، السيناتور المخضرم عن نيويورك، والذي يُمثل التيار الرئيسي في الحزب، بفارق شعبية لا يتجاوز 10 في المئة. وهذا داخل حزبه.

إذا سيطر الديمقراطيون أيضًا على مجلس الشيوخ، فقد يُلحقون ضررًا بالغًا بالمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل. من بين أمور أخرى، سيفرضون سلسلة من القيود القانونية على بيع الأسلحة الهجومية أو الدفاعية لإسرائيل؛ وسيبدأون تحقيقات في الأسلحة النووية التي تمتلكها (وفقًا لمصادر أجنبية). من المؤكد أيضًا توسيع العقوبات على المستوطنات والمتورطين في الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية. وهذه مجرد التداعيات المباشرة.

أما التداعيات الاستراتيجية الأوسع فتتعلق بـ حتى الانتخابات الرئاسية لعام 2028. إذا قرر الشعب الأمريكي مكافأة السياسات التقدمية الجديدة، التي تعتبر إسرائيل شبه غير شرعية، فسيؤثر ذلك أيضًا على مواقف (وربما هوية) المرشح الديمقراطي للرئاسة. تشير استطلاعات الرأي الحالية في الولايات المتحدة إلى تقلص الفجوة بين الجمهوريين والديمقراطيين الشباب فيما يتعلق بإسرائيل؛ فإسرائيل لا تحظى بشعبية كبيرة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا. يبدو كابوس القدس كالتالي: مرشحان، جمهوري وديمقراطي، يتنافسان في مناظرة تلفزيونية. بدلًا من التنافس على من سيدعم إسرائيل أكثر، يتنافسان في تصريحات حول من سيضرها أكثر. يبدو هذا الكابوس أكثر واقعية اليوم من أي وقت مضى. يعود جزء من ذلك إلى توجهات المجتمع الأمريكي، لكن جزءًا كبيرًا منه يعود إلى الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الحكومة الحالية تجاه الولايات المتحدة. وسيكون لها ثمن باهظً.

——————————————

 

هآرتس 16/10/2026

نعم، ايزنكوت يستطيع

بقلم: رفيت هيخت

بعد أسابيع صعبة ومثيرة للاعصاب، ظهر فيها ان كتلة التغيير قد وصلت الى طريق مسدود، جلبت الأيام القليلة الماضية معها موجة من الارتياح. لا حاجة الى المبالغة في التفاؤل، لان بنيامين نتنياهو لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وهناك قلق كبير بشان تصاعد الوضع الأمني قبل الانتخابات، ونحن نامل ان يكون قادة المؤسسة الأمنية، لا سيما رئيس الأركان زمير، على قدر من الحزم لاتخاذ قرارات مهنية وعقلانية فقط. ولا ينبغي لنا ان نهدأ لحظة. يجب تكريس انفسنا بكل جدية لاقناع ونقل كل من نستطيع، من إسرائيل وخارجها، الى صناديق الاقتراع.

لكن رغم القلق المبرر بشان المستقبل القريب والبعيد، يمكننا ان نتنفس الصعداء قليلا. بل ويمكننا الامل بمستقبل اقل قتامة.

يبدو انه يوجد قدر معين من الرحمة في العالم. فجنون العظمة الذي ينتاب نتنياهو لا يدمر حياتنا فقط، بل قد يفيدنا أحيانا. نتنياهو على وشك تدمير محرك نموه، عوفر فنتر، وهو يبذل كل جهده للقضاء على من بقي من أنصاره في اليمين. تبين ان العمل الصالح لا يقوم به أي شخص، بل أحيانا قد يقوم به اشخاص اشرار جدا.

من الجهة الأخرى، كان الأسبوع الماضي مثمر لكتلة التغيير: فقد وجد نفتالي بينيت مجموعة من الشباب المتحمسين للحياة ولا يكترثون بالمصطلحات المعقدة. انه يبلي بلاء حسنا مع هذه المجموعة، بل يقوم بعمل مقدس. بعد سنوات من ضياع الشباب في دوامة ايتمار بن غفير والفكر الكهاني البغيض، ظهر بديل جذاب في أوساط المعتدلين. ان شغف بينيت ومتعته بلقاء هذا الجمهور يعزز هذا الانطباع ويزيد من احتمالية نجاحه في ابتكار آلية فعالة لنمو قاعدة الكتلة الانتخابية.

ويبذل يئير غولان جهود جيدة لتعزيز قاعدة ناخبي حزب الديمقراطيين ضمن الحدود الشرعية للكتلة الانتخابية. في الواقع باستثناء افيغدور ليبرمان، الذي يصمم على تضليل الجميع بتصريحات مضللة قبل اوانها، ربما بهدف الضغط من اجل تغيير في المناصب أو ما شابه، فان الكتلة تعمل بشكل جيد، بل وممتاز.

هنا نصل الى لب الموضوع. فبعد أسابيع من الازمة والضغط والشعور بالانهيار، وربما اول ازمة حقيقية في حملته الانتخابية، يتمكن غادي ايزنكوت من النهوض من جديد والعودة الى مسار النجاح. ينجح في السيطرة على الخطاب والقيادة وإعلان النصر. بدءا بفيلم الفيديو الذي عرض فيه بطاقات الأحزاب الأربعة التي تشكل الكتلة كرد على قضايا مختلفة – الذي اظهر فيه التسامح والقدرة على القيادة – وانتهاء بتعهده امس باسقاط حكم حماس. هذه هي الطريقة الصحيحة. هكذا تتم إدارة الأمور.

اعتقد ان ايزنكوت قد اكتشف نقطة قوة جوهرية لديه امام نتنياهو. فقد ادرك تفوقه الكبير عليه. والان هو يعرف العالم بها، بهدوئه المعروف. في مواجهة جنون العظمة وضغط هذا الساحر المخادع، يظهر ايزنكوت الصمود والاتزان، وبالاساس التصرف الطبيعي. هذا التفوق لن يغيب عن مصوتي الليكود النزيهين، الذين ليسوا من أعضاء الطائفة المخصية التي تقدس نتنياهو، أو التي تعاني من عقدة النقص، الذين لا يطمحون الا الى استفزاز اليساريين والاشكناز. لن يستطيعوا تجاهل الصمود الحقيقي والقوة الحقيقية، وهي صفات يبحثون عنها وبحق في القائد. السؤال الحقيقي هو كم منهم حقا بقي هناك؟.

غادي ايزنكوت هو شخص يتمتع بالصلابة والمرونة، وهو ذخر قيادي كبير. لذلك، يمكن لناخبي كتلة التغيير الذين تارجحوا بين الحزن والقلق في السنوات الأربعة الأخيرة، الشعور بالارتياح، ليس لان الواقع بسيط أو لان النصر اصبح وشيكا، بل لان قادتها يتمتعون بالقدرة والكفاءة، وايزنكوت قادر على تحقيق ذلك. نعم، هو قادر.

——————————————

هآرتس 16/10/2026

يجب علينا منع تعيين بن غفير في منصب وزير الدفاع

بقلم: نحاميا شترسلر

ايتمار بن غفير يريد الترقية، يطمح الى ان يكون وزير الدفاع القادم. هذا امر جنوني ومخيف، لكنه قد يحدث اذا فاز نتنياهو في الانتخابات. نتنياهو لا يعرف الحدود. سيفعل كل شيء من اجل البقاء في المنصب.

بن غفير هو الوجه الاخر لنتنياهو. فهو يجسد باقبح صورة الشر والعنصرية والكراهية الكامنة في حكومة التدمير. دائما ترتسم على وجهه ابتسامة زائفة، لكن افعاله فظيعة. هي تؤدي الى حرب لا نهاية لها، داخلية وخارجية، والى تهديد وجودي حقيقي.

قبل أسبوعين بقليل سنحت فرصة ذهبية للتخلص منه، كان يمكن استبعاد بن غفير عن الترشح للكنيست، ولكن المحكمة العليا رفضت الالتماس الذي قدمه يئير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين. والذي جاء فيه ان بن غفير يخالف المادة 7أ من قانون الأساس: الكنيست، لانه ينكر وجود إسرائيل كدولة ديمقراطية ويحرض على العنصرية. ولكن الالتماس تم رفضه بشكل قاطع لاسباب إجرائية.

من اجل تقديم استئناف للمحكمة العليا ضد قرار اللجنة المركزية للانتخابات (الذي سمح لبن غفير بالترشح للكنيست) هناك حاجة الى تسعة أعضاء، أي ربع أعضاء اللجنة. ولكن الديمقراطيين لا يملكون الا عضو واحد في اللجنة (من حزب العمل)، لذلك تم رفض الاستئناف بشكل قاطع.

هذا فشل كبير للمعارضة. تضم لجنة الانتخابات 34 عضو، 19 من الائتلاف و15 من المعارضة، وهكذا كان بالإمكان تجنيد تسعة أعضاء وتقديم الاستئناف كما يقتضي القانون. ولكن ممثلي حزب يوجد مستقبل والمعسكر الرسمي وحزب إسرائيل بيتنا والأحزاب العربية لم تنضم، لذلك تم الرفض. ويقولون في المعارضة انه حتى لو انضموا لكانت المحكمة العليا ستسمح لبن غفير بالترشح. ولكن يستحيل الجزم بذلك مسبقا. فالمحكمة العليا قد تفاجئنا. ففي المرة السابقة في 2019، عندما تم تقديم التماسات لاستبعاد بن غفير من الترشح للكنيست قال انه لم يعد كهاني فصدقته المحكمة وسمحت بترشحه. ولكن في السنوات التي أعقبت ذلك ازداد تطرف بن غفير، وافعاله تظهر ولاءه لنظرية مئير كهانا العرقية. لذلك كانت هناك احتمالية كبيرة لان تستبعده المحكمة العليا هذه المرة.

ادين بن غفير في الماضي البعيد بتهمة التحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية (كاخ)، ولكن تصريحاته وافعاله ومشاريع قوانينه الحالية تظهر انه لم يتغير. مواقفه تستند الى نظرية كهانا العنصرية، التي حرمته من الترشح للكنيست في 1988.

أيضا يعارض بن غفير الديمقراطية، عندما يسعى الى حرمان العرب من بعض الحقوق المدنية، بل هو يؤيد تهجيرهم. هذه أفعال تقوض الديمقراطية وتبرر ابعاده حسب المادة 7أ. هو يعارض قيم الدولة الليبرالية التي جاءت في وثيقة الاستقلال. لا يريد الحرية والعدالة والمساواة، بل هو يسعى الى دولة شريعة، قومية، مسيحانية وعنصرية. وأنا اقدر انه ما زال معجب بالقاتل باروخ غولدشتاين، رغم اجباره على إزالة صورته من صالونه. في 1988 حاول كهانا الترشح للكنيست، لكن المحكمة العليا حكمت بانه محرض عنصري يثير الفتنة، فقامت بابعاده. تصرفت المحكمة في حينه وفقا لمبدأ “الديمقراطية الدفاعية”. من المؤسف ان المعارضة نسيت هذا المبدأ المهم، ومن المؤسف انها استسلمت ولم تبذل ما في استطاعتها لمنع بن غفير من المرشح. يظهر الواقع ان الطلب على منتجات كهانا يزداد. لقد زاد نفوذ حركة “قوة يهودية” في السنوات الأخيرة، لذلك من الضروري التصدي لها. ويجب علينا منع تعيين بن غفير في منصب وزير الدفاع. هذا انتحار سياسي سيقودنا الى حرب ياجوج وماجوج ضد كل العالم وتدمير الهيكل الثالث.

——————————————

هآرتس 16/10/2026

وحشية لا تطاق… هذا ما تفعله “دولة الفاشيين” في سجونها بالأسرى الفلسطينيين

بقلم: أسرة التحرير

للعنف الموجه ضد السجناء الفلسطينيين في السجون وجوه عديدة، مثل ذاك الذي كشفه التقرير الصحافي عن إطلاق الرصاص المطاطي على السجناء والذي يؤدي إلى إصابات خطيرة (هاجر شيزاف، “هآرتس” أمس). وحسب الشهادات، يتم إطلاق الرصاص المطاطي غير مرة من مسافة قصيرة، داخل الزنازين. وفي التقرير توصف قصة سجين أصيب برصاصة مطاطية واضطر لاجتياز عملية قطع خصية في المستشفى.

مع أن الرصاص المطاطي يعتبر أقل فتكاً، فإن إطلاقه من مسافة قصيرة يكون فتاكاً، ويتسبب بإصابات خطيرة. جمعت منظمات حقوق الإنسان منذ بداية الحرب شهادات عن 21 حالة إصابة لسجناء فلسطينيين، وشهادة أخرى عن إصابة لسجين جنائي يهودي. وهذه ترسم صورة استخدام واسع للرصاص المطاطي حتى دون مواجهات.

للمنظمات قدرة محدودة على التأكد من أن السجناء الذين يشتكون لا يدفعون ثمناً على ذلك

روى أحد السجناء الذي أصيب دون سبب حين كان يقف في غرفة مكتظة وفيها عشرات السجناء، وبعد إصابته لم يرحّل إلى العيادة على مدى 15 يوماً. وفقط حين تحرر من السجن، اجتاز عملية جراحية. تكشف هذه الحالة مدماكاً آخر في القصة: لا يقتصر الأمر على استخدام غير متوازن للقوة، بل أيضاً انعدام العلاج الطبي في مصلحة السجون. لقد باتت هذه حقيقة معروفة: يعاني السجناء في السجون من إهمال طبي. ويجد الأمر تعبيره أيضاً في عدم معالجة السجناء الذين أصيبوا بالرصاص أو بعنف السجانين، وإتاحة العربدة لوباء الجرب. وحسب شهادات عديدة، يخاف السجناء من الشكوى بسبب عنف قاس موجه ضدهم في الطريق لزيارة المحامي أو العلاج الطبي أو التنقل بين السجون.

للمنظمات قدرة محدودة على التأكد من أن السجناء الذين يشتكون لا يدفعون ثمناً على ذلك، في ضوء حقيقة أنه يقيد تواتر زيارات المحامين. إضافة إلى ذلك، تمنع إسرائيل منذ الحرب الصليب الأحمر من الزيارات– ما يمنع الرقابة على ما يجري. إضافة إلى ذلك، فإن قضاة المحكمة العليا لا يتأكدون من مدى فرض القانون وحفظ حقوق السجناء، رغم أن بإمكانهم الوصول إلى السجون كزوار.

هل كل هذه الشهادات تهم مصلحة السجون؟ ليس حقاً. ردهم على التقرير الصحافي عن الرصاص المطاطي دليل آخر على موقفهم من حقوق السجناء ومن الصحافة الحرة. هذا ما كان لديهم ليقولوه في الموضوع: “حملة تشهير على دولة إسرائيل ومؤسساتها القانونية في العالم”، دون التطرق موضوعياً لأي من الادعاءات التي طرحها التقرير الصحافي.

عندما يكون السجناء تحت رحمة سجانيهم، وتوضع العراقيل أمام المحامين لمنع وصولهم إلى الأسرى وإبعاد الصليب الأحمر عن السجون، حينئذ يتعاظم العنف بلا عراقيل تقريباً. إن تحول مصلحة السجون إلى بن غفيرية أمر خطير بقدر لا يقل عن شرطة تحت الوزير الكهاني.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article