المسار : كلما تحركت المكعبات الإسمنتية التي تحدد ما يسمى “الخط الأصفر” في قطاع غزة، يتجدد خوف أم أيمن سليم من أن تضطر إلى جمع ما تبقى من متاع عائلتها، والنزوح مرة أخرى، دون أن تعرف هذه المرة إلى أين يمكنها الذهاب.
فبعد نزوحها المتكرر من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، استقرت أم أيمن مع عائلتها قرب “الخط الأصفر” في حي الزيتون، بمحاذاة شارع صلاح الدين، حيث لم تعد الخيمة التي تؤويهم توفر شعورا بالأمان.

وعلى هامش وقفة احتجاجية نظمها عشرات الأهالي أمس، السبت، أمام سوق “العملة” شرقي مدينة غزة، رفضا لاستمرار التمدد الإسرائيلي، تحدثت أم أيمن عن معاناة عائلتها وخوفها من نزوح جديد.
وقالت إن عائلتها تعيش في قلق دائم في كل مرة تتغير فيها مواقع المكعبات الإسمنتية التي تحدد مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، بعدما اضطرت إلى النزوح مرات عدة وفقدت الكثير خلال الحرب.
ورغم الظروف القاسية، تؤكد أم أيمن تمسكها بالبقاء على أرضها، وأعربت عن أملها في أن ينشأ جيل جديد يواصل الدفاع عن حق الفلسطينيين فيها.
لكن مخاوفها لا تقتصر على عائلتها، بل تعكس معضلة تواجه آلاف الفلسطينيين في الأحياء الشرقية لمدينة غزة، مع استمرار تمدد “الخط الأصفر” غربا، وتقلص المساحات المتاحة للسكن وإقامة خيام النازحين.
نزوح بلا وجهة
في مدينة أنهكتها الحرب الإسرائيلية، ودمرت مساحات واسعة من أحيائها لم يعد السؤال لدى كثير من النازحين هو متى يضطرون إلى الرحيل مجددا، بل أين يمكنهم العثور على مكان يستقبلهم.
ويقول رئيس لجنة حي الشجاعية، محمد عبد العال، إن عائلات فلسطينية باتت تفترش الشوارع والطرقات بعدما ضاقت بها أماكن النزوح.
ويضيف، على هامش الوقفة ذاتها، أن استمرار تقدم القوات الإسرائيلية في المناطق الواقعة ضمن “الخط الأصفر”، رغم اتفاق وقف إطلاق النار، يهدد السكان بفقدان المزيد من أراضيهم، دون وجود بدائل للإيواء.
ويتساءل عبد العال عن الوجهة التي يمكن أن يقصدها النازحون إذا اضطرت عائلات جديدة إلى مغادرة مناطقها، في ظل الاكتظاظ الشديد وانعدام المساحات المتاحة.
ويؤكد أن السكان يريدون وقف عمليات قضم الأراضي والتمكن من البقاء في مناطقهم، ودعا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والتحرك لوقف التقدم الإسرائيلي.
ولا تتعلق الأزمة بفقدان المنازل وحدها، إذ يواجه الفلسطينيون الذين نزحوا مرارا صعوبة متزايدة في العثور حتى على مساحة صغيرة لنصب خيمة.
اتساع احتلال الأراضي
ووسط هذه المخاوف تكشف تقديرات محلية عن اتساع نطاق الأراضي التي باتت خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، منذ بدء تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
ويقول رئيس رابطة أبناء حي الشجاعية، إبراهيم حبيب، إن المساحة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ارتفعت، وفق تقديراته، من نحو 54% إلى أكثر من 70% من إجمالي مساحة قطاع غزة.
ويوضح حبيب أن الأحياء الشرقية لمدينة غزة، ومنها الشجاعية والتفاح والدرج والزيتون، فقدت مساحات واسعة من أراضيها، ما زاد الضغط على السكان والنازحين المتكدسين في المناطق المتبقية.
ويشير إلى أن مدينة غزة لم تعد تضم مساحات كافية لاستيعاب المزيد من النازحين، حتى إن العثور على مكان لإقامة خيمة أصبح بالغ الصعوبة، في ظل الاكتظاظ ومحدودية المساعدات الإنسانية.
و”الخط الأصفر” هو خط الفصل الذي انسحب إليه الجيش الإسرائيلي؛ بموجب ترتيبات المرحلة الأولى من الخطة الأميركية لإنهاء الحرب على غزة، التي دخلت حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
بيد أن الجيش الإسرائيلي يواصل قضم أراضي القطع عبر تحريك المكعبات الإسمنتية، بما يوسع المناطق الواقعة تحت سيطرته على حساب الأراضي المتاحة للسكان.
الأرض تتقلص والاحتجاج يتصاعد
وأمام هذا الواقع، خرج عشرات الفلسطينيين، السبت، في وقفة احتجاجية أمام سوق “العملة” شرقي مدينة غزة، رفضا لاستمرار تمدد “الخط الأصفر” وقضم المزيد من الأراضي.
وحذر المشاركون من أن استمرار التوسع الإسرائيلي ينذر بموجات نزوح جديدة، في وقت تكاد فيه المناطق المكتظة بالسكان تعجز عن استقبال عائلات إضافية.
وقال حبيب إن الوقفة جاءت احتجاجا على تقدم “الخط الأصفر” غربا واستمرار السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية.
وأوضح أن المشاركين يسعون إلى إيصال رسالة للمؤسسات الدولية والجهات المعنية بضرورة وقف التمدد الإسرائيلي، وتقديم الدعم والإسناد للنازحين الذين لم تعد تتوفر أماكن بديلة لنقلهم إليها.
أما عبد العال، فشدد على أن السكان لا يريدون سوى وقف التقدم الإسرائيلي وتمكينهم من البقاء في مناطقهم، بدلا من دفعهم إلى نزوح جديد لا يعرفون وجهته.
خيام بلا أمان
وتزداد المخاوف من النزوح الجديد في ظل الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين داخل الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة بمختلف أنحاء قطاع غزة.
فقد أجبرت الإبادة الإسرائيلية عائلات واسعة على مغادرة منازلها، بعدما تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، لتجد نفسها في مخيمات تفتقر إلى أبسط الخدمات ومقومات الحياة.
وخلّفت الإبادة الإسرائيلية منذ 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أكثر من 74 ألف شهيد وما يزيد على 175 ألف جريح، إلى جانب دمار هائل طال 90% من البنى التحتية المدنية.
وبينما يطالب المحتجون بوقف التمدد الإسرائيلي والحفاظ على ما تبقى من أراضيهم، تتواصل مخاوف العائلات المقيمة قرب “الخط الأصفر” من أن تجد نفسها أمام رحلة نزوح جديدة.
وبالنسبة إلى أم أيمن، فإن استمرار تحرك المكعبات الإسمنتية يعني أن معاناة النزوح التي عاشتها عائلتها مرات عدة قد تتكرر في أي لحظة.
وبين إصرارها على البقاء وخوفها من الرحيل مجددا، تتجسد معضلة آلاف العائلات في غزة: أراض تتقلص، وخيام تزدحم، ونزوح جديد لا يعرف أصحابه إلى أين يتجهون.

